ما إن تشكّل الاتصال حتى شعره ميرياد واندفع بكل قوّة يمتلكها قاذفاً بنفسه بعيداً عن رسوله بينما كان الصبي معلقاً في الهواء قبل أن يستقيم ملقياً ابتسامة متعثرة وهو يفعل.
قال بخفة: "حسناً. لم يسِر الأمر كما توقعت تماماً".
سأل ميرياد وبصوته غلالة ثخينة من الحذر: "بن؟ هل أنت بخير؟".
سأل رافعاً حاجبها ليتطابق مع ابتسامته المائلة: "ألست أبدو بخير؟"، وكانت الإجابة التي استطاع ميرياد رؤيتها من الجزء الباقي من الصبي في عالمه لا مترددة.
بحسب كل الشواهد كان بن طبيعياً على الرغم من الإشعارات التي سمعاها معاً تدوي في رأسه مع عدم وجود تغير فوري يُلاحظ بالنسبة لهما لكن ذلك كان تحديداً هو ما يدعو للقلق. لقد وصلت مهارات عقل بن للتو إلى الطبقة الثالثة لكن أفكاره الداخلية بدت شبه مطابقة للسيّد. شبه مطابقة. حتى وإن بدا وكأنه لا يزال الرسول الذي يعرفه إلا أن ما كان يختبره بدا أشبه بما يتوقعه المرء من سمكة أعماق بحرية وصار العقل الذي سُمح له بمعاينته أشبه بقطرة إضاءة حيوية لخداع أي شيء أحمق بما يكفي للدخول غير آمن بما يختفي خلفها من أهوال.
إذ كانت الأهوال حاضرة بلا شك. لم يكن عقله ليُفلت من التغير بعد تلك التجربة فكل ما كان عليه يُملي ذلك. لم يقتصر الأمر على نمو عقله غير الطبيعي إلى آفاق جديدة مستحيلة بل اندمجت بنية تفكيره الغريبة المُعاد تشكيلها داخله وهي مهارة تأخذ جوانب كل عقل غريب تلمسه وقد طُبعت للتو بنية سيّد. والأسوأ من ذلك كله كيف كان بن يتعامل مع الأمر وكأن شيئاً لم يحدث البتة على الرغم من أن التغير بحسب طبيعته لابد وأن يكون أكبر بكثير ممّا حدث عندما رفع مهارات عقله إلى الطبقة الثانية.
لقد تحطم تقريباً في ذلك الحين محتاجاً لمساعدة ميرياد وساعات العمل المتواصلة لإعادته إلى حالة يتمكن فيها مجدداً من إدارة وجوده وحقيقة أن الأمر ذاته لم يحدث لأي تغير كان يخفيه بدا أمراً فاحشاً لترتد الإجابة نحو واحدة من المهارات المختلفة التي اندمجت داخله.
سأل السيّد مراقباً ابتسامة رسوله تتسع: "كم استغرقت لتدير أياً كان ما تغير للتو؟".
"أقل من ثانية".
"أنت تعلم ما أعنيه يا بن، كم استغرق الأمر في إدراكك؟".
مع اندماج سرعة التفكير غير الطبيعية في المهارة أيضاً وفي مستواها التاسع في ذلك الحين لم يكن هناك شك في أن نموها الخاص كان فاحشاً بالدرجة ذاتها. عندما نظر بن إلى العالم فكم كان ليكون طول جزء الثانية ذاك؟ كم أسبوعاً أو شهراً أو عاماً أمضاها في ترتيب عقله بينما أطلق رسوله تنهيدة مبالغ فيها قبل أن يهز كتفيه.
"حسناً لقد أوقعت بي لكني حقاً لا أعلم. لقد جُنجِنتُ قليلاً جراء فعل ذلك وكان صعباً جداً إقرار عقلي مجدداً. بضعة أشهر من الوقت المُدرَك مع ذلك".
استرسل السيّد بصوت متلاشٍ: "بضعة أشهر... كف عن إخفاء الأمر وأرنيه لي".
"متأكد؟ لا أظن أنه سيكون مفيداً لك".
"لماذا؟".
"لأن العقول الأضعف قد تتوتر عند مواجهة عقول أقوى".
كاد يرد لكنه توقف في منتصف الكلمة. استطاع رؤية أن بن كان جادّاً وقد نُقشت دروس تلك الحقيقة في نفس الصبي. واحدة من أولى الأمور التي حاول فعلها يوماً بالاتصال هي الارتباط بميرياد ليُمنع ويُحذَّر من النتائج المدمرة لأمر كهذا وأحد التطبيقات الأولى للمهارة التي وجدها لنفسه كان استخدام عقله لقتل أي حشرات تزعجه لتنمو التجارب مع نموه. ومنذ ذلك الحين لم يستخدم سوى قوة أفكاره لقتل أي شياطين يصادفها وكان في الطرف المتلقي لعقول الأرواح العظيمة قبل أن يتأقلم معها والآن شعر أخيرض بعقل سيّد وامتلكه ليقارنه بعقله الخاص.
إن كان بن يقول إن عقله نما لدرجة قد تؤذي عقل ميرياد فهو يمتلك الخبرة ليدعم ذلك. لكن السيّد لم يرضخ للإثناء. لم يعنِ الأذى الموت وكان رسوله قد خطا لتوّه خطوتين هائلتين نحو السيادة وكان عليه أن يفهم ما حدث ورأى السيّد لا يتراجع فأذعن بن كاشفاً عن كل ما كان عليه للمكعب ومراقباً ذلك الكينونة الأسمى ترتد إلى الوراء فزعاً. طالما وُهب بن موهبة عقلية وامتلك فكرة جيدة عن آلياته منذ البداية.
كانت كل فكرة في رأسه خيوطاً تلتف معاً لتشكل عقولاً قوية وكان عدد كل منها ينمو مع مهاراته ليخلق حبالاً جبارة من الوعي أموراً قد تتبلل عرضاً لكنها لا تنكسر تحت القوى المعرضة لها لكن ذلك التفسير لبنيته العقلية انتهى هناك. وبالنظر لما اختار تقديمه بعد صحوته الجديدة كان واضحاً بما يكفي أنه ما زال يمتلك القوة لإعادة خلق مثل هذه البنية العقلية إن لزم الأمر لكن ميرياد لم يعد يشعر بخيوط أو أوتار أو حبال ولم يعد تقسيم وعي الصبي إلى عقول منفصلة وصفاً ملائماً بل استُبدل كل ذلك بثقب أسود.
فكرة نقية مُتكثفة في نقطة مفردة تريد جرف كل ما حولها.
سأل السيّد موجهاً حديثه لنفسه أكثر من أي شيء آخر: "...ما الذي حدث هنا أصلاً؟"، لكن بن قدم إجابة بادياً غير آبه قط كما كان منذ البداية.
"من الصعب بعض الشيء الشرح الكامل ومن الواضح أن قوة تفكيري قد انفجرت وتُضمّنت بنيتك العقلية داخل خاصتي لكن التغير الأكبر هو على الأرجح أنه لم يعد هناك أي تمييز بين وعيي ووعيي الباطن".
"يبدو ذلك أبعد ما يكون عن التغير الأكبر هنا".
"ستتفاجأ".
لم يغب عن السيّد مدى لغز كلامه لكن الأمر لم يكن مهماً حينها مادام هناك سؤال مهم للغاية بحاجة لطرحه.
"وما زلت أنت أنت؟".
"دائماً وأبداً".
"أنا جاد يا بن، لا أظن أنني قادر حتى على فهم بعض التغيرات التي مررت بها للتو. هل أنت أنت حقاً أم أن العقل الذي تعرضه يُستخدم كنوع من النماذج لتتصرف كالشخص الذي كنتَه فنظراً لنطاق التغير الذي أراه يبدو ذلك ممكناً جداً".
اعترف بعد ثانية: "...كلاهما. أنا أنا وسأبقى أنا دائماً لكني أفكر الآن بطرق لا أظن أحداً بلا هذه المهارة قادراً عليها"، وقال رافعاً يده إلى جنبه ورافعاً التعويذة الغامضة التي وجدها في الأرشيف وحملت لمسات التعويذة ذاتها التي جلبته إلى ذلك العالم.
"معدّلات المانا؟ سأحتاج لإجراء بعض الاختبارات لأرى إن كنت محقّاً لكن بإمكاني فهم هذا فوراً. إنها تعويذة تهيئة بيئة بالمناسبة مع بعض المدخلات اللازمة بناء على شكل الحياة الذي ترغب في تطويره على ما تقوم بتهئيته بدقة وإلا فهي أساسية. كانت تعويذة الاستدعاء أصعب بكثير لكنني أفهمها الآن أيضاً. أنا واثق من قدرتي على اقتطاع أجزاء لتقليل التكلفة وهو ما لا يُبقي سوى محاولة تحسينها".
"أتعرف هذا هكذا وحسب؟ بعد كل الأيام الأسابيع والأشهر التي قضيتها في دراستها؟".
أوضح قائلاً: "بسبب الأيام الأسابيع والأشهر التي قضيتها في دراستها. كل ذلك الجهد جعل هذا ممكناً والزيادة في عقلي غلّفت الأمر بأسره في رباط جميل صغير. لا يهم ذلك الآن. ما يهم هو هذا. لقد تغيرت لكن ما زلت بن وما زلت رسولك بذات الأهداف والرغبات والطموحات. حسناً طموحات مشابهة نوعاً ما بالنظر إلى أن ما كنت أحاول إيقاظه بفعل ذلك كان اتصالي ولم تكن لدي أدنى فكرة بأن تدنيسي سينمو هو الآخر".
"ففف حسناً لقد كانت فكرة بلهاء والأمر أبلة أكثر لأنك فعلتها معي من بين كل الملوك".
"نجل نعم أرى ذلك الآن. بدا الاتصال بك هو الأفضل في ذلك الوقت لكن وباعتبارك كينونة مولودة من عدة ملوك ومجمل سُلالة لا يسعني سوى افتراض أن عقلك أغرب من معظم العقول وهو ما سبب لي ضرراً أكبر بكثير ممّا لو اخترت شخصاً آخر. مع ذلك وباعتبارك أنت تحديداً سيدي فمن المرجح أن تحدي إرادتك والتعدي على عقلك هو الدفع النهائية التي جعلتني أيقظ تدنيسي. بصراحة وبعد كل الجهد الذي بذلته لرفعه تبدو النتيجة شبه مخيبة للآامال".
توقف ميرياد عن الاستماع وانجرف تركيزه لمكان آخر بكلمة واحدة نطقها رسوله للتو.
صرخ ميرياد وهو يمضي لينظر: "يا لسماوات الفراغ الخاوية، الضرر! لابد أن جسدك يموت هناك في الأسفل!"، بينما كان بن يلوح مبعداً مخاوفه.
"لا تحتاج للقلق بشأن ذلك. طلبت من هلوري إلهاءك لئلا ترتاب لكنني أحضر في هذه اللحظة حفلة صغيرة مع ثيرا، ستيف، لوكس، ويوزو. تبا، جاك هناك أيضاً لذا ربما يساعد هو الآخر وعلى أمل ألا تذهب كل تعويذات الشفاء التي حشرتها في رأسه هباء. على أي حال يبدو أن تغيراً آخر قد أتى مع هذا وهو أنه على الرغم من وجودي هنا في الأعلى فأنا أستطيع الإحساس بجسدي نوعاً ما الآن. أنا في حالة مزرية لكني أتعرض للشفاء".
"الحالة المزرية تعبير مخفف! أرى أنك مُغطّى بالدماء بالكامل!".
"همم، أظن أن مجرد وضع غطاء على حجر ثيرا لم يكن كافياً وسيكونون غاضبين حقّاً جميعاً عندما أنزل إلى هناك مجدداً. على أي حال لا يهم ذلك الآن فلدينا في الواقع مشكلة أكبر بكثير".
"يا للنجوم المتساقطة، ماذا؟".
"لم أكن أتوقع إيقاظ تدنيسي بفعل ذلك والاسم مريب أكثر بقليل من اللازم. مجرداً مع حقيقة أن صحوتي كانت ستكون واضحة لكل شخص في الغرفة نظراً للطريقة التي لابد وأن جسدي امتص بها المانا من حوله ونظراً للطريقة التي تحب بها يوزو الفضول حيال ما يدور في روحي..."
قُطع حديثه في ومضة حيث امتلاء عالم ميرياد والملوك من كل جوانبه تصرخ في وجه بعضها البعض وتمسك ببعضها البعض بينما أنهى فكرته.
"-فإن أي سيّد يراقبها كان ليكتشف ما حدث للتو".