لم ينطق أحد بحرف في البداية. لم يستطع أحد. أي ردّ يمكن أن يعقّب على طلب كهذا؟ حقيقة أن بلوم وكل أرواح النباتات الأخرى وُجدت الآن تعني أن أي تقارب مدمج يمكن صنعه إن أراد مورا، ولم تكن مسألة الطلب سوى الدافع من وراءه. لم يكن هناك سبب حقيقي لخلق أنواع جديدة من الأرواح. طبعاً، كان بن نفسه مؤيداً للأمر، لو فقط لإشباع فضوله حول التعديلات داخل الروح التي تسمح بأمر كهذا، وما مستويات القوة التي ستحظى بها أنواع السحر التي لم تبلغ قط هذا المبلغ أو لم تفعله منذ قرون.
لكن الفضول ذاته لم يكن دافع الأرواح الأخرى للرغبة فيه. أعظم ما سترسيه صناعة أنواع جديدة من الأرواح هو القوة لغاية واحدة، قتل الشياطين التي تعيث فساداً في ذلك العالم. أمر صرح مورا مسبقاً بأنه لا يريد المشاركة فيه. لم يكن بن متأكدة إن كان الصبي مسالماً تماماً، لكنه على الأقل لم يكن يبدي أي اهتمام بقتل أي كائن بشري، وهو أمر سيساهم فيه بشكل غير مباشر إن استخدم سحره بهذه الطريقة، وهي حقيقة جعلت نظرات كل من بن وتيرا تتحول إلى الطفل.
سأل مورا: "لماذا؟".
بدا أصغر وأقل خبرة من أن يدرك السبب الكامن خلفه والذي بدا واضحاً للغاية، حتى وإن كانت إجابة أبروس مختلفة عما توقعه أي منهما.
اعترف روح الأرض محاولاً أن يبدو رقيقاً أمام الطفل الذي يطرح عليه هذه المهمة: "هناك أسباب عدة. لا يمكن إنكار أن وجودنا بين البشر ينطوي على احتمال إثارة المتاعب من حين لآخر في هذا الكوكب، لكننا نعمل أيضاً على مساعدتهم، والمزيد منا بمختلف درجات القوة يعني أننا أكثر جاهزية للقيام بذلك، مع طاقة أكبر لحماية كل تلك الأرواح الهشة التي تعلمنا حبها، لكن الأمر يتعدى ذلك إلى ما هو أبعد".
"أبعد؟"
"يا مورا، لم تصنع أي أرواح أرواح جديدة، أليس كذلك؟"
"...لم أفعل."
"كنت أعلم. سواء اخترت ذلك أم لا فهذا قرارك، لكن بدونها قد لا تفهم هذا تماماً. نحن وهم نترابط بطرق لا ترتبط بها الأجناس الأخرى، وهناك حب متبادل بيننا. من طبيعة الكبار رعاية الصغار وحمايتهم، لكن هناك ما هو أكثر من ذلك أيضاً. الطريقة التي نفكر بها جميعاً ونرى بها العالم... قد يصعب على الأرواح العادية فهمنا وفهم دورنا بالقدر الذي نفهم به بعضنا بعضاً. وبينما الروابط التي نشكلها مع فانيي هذا العالم وثيقة وستترك علامات دائمة على حياتنا الأبدية، فهي تظل أبدية فحسب. عندما يتقدم الأشخاص الذين تعلمنا حبهم في السن ويموتون مع مرور الوقت، سنجد أنفسنا مرة أخرى وحدنا معاً مهما حمل ذلك من خير أو شر، لكننا بدأنا عشرة ثم تراجعنا إلى ثمانية لفترة طويلة، ولم ندرك إلا الآن أننا نستطيع النمو لنتجاوز أنفسنا. مصائرنا لا يمكن ضمانها، فحتى لو عشنا للأبد سنظل نحمل إمكانية الموت، لكن في أي سنين طوييلة قد تنتظرنا في القادم، وإن أُتيحت الفرصة، سنستمتع بوجود المزيد إلى جانبنا لمواجهتها."
بدا الشوق للرفقة حقيقياً بينما اقتحم بن أفكارهم، حتى وإن ظل هناك تيار خفي قوي من الرغبة في مزيد من القوة لقتل الشياطين وحماية العالم. لكن أبروس ألمح إلى ذلك كله في مستهل حديثه القصير. لم يكن هناك ما يحتاج إلى توضيح لمورا، واضطر بن للاعتراف بأن الأمر قد يكون مفيداً للصبي أيضاً. حتى لو نجح هو وتيرا في بلوغ المرتبة الثالثة في أي من مهاراتهما، فسيموت جسداهما البشريان ذات يوم.
سيظلان قادرين على التفاعل مع ذلك المستوى دون أن يكونا جزءاً منه، وحتى لو استطاعا التحدث إلى مورا، فسيبقى وحيداً، وأي قدر ضئيل من الصحبة التي يمكنهم منحها له لن يتحقق إلا إذا نجحا حقاً في تجاوز حدودهما على هذا النحو. لا، احتج الصبي إلى ما هو أكثر. وبينما بات يتعرف قليلاً على عائلته الممتدة، وبالنظر إلى أن اثنين من الأرواح العشرة الأخرى التي تعيش في العالم قد هجراه بعد وقت قصير من ولادته، لم يكن من مفر من فكرة أن امتلاك المزيد من الخيارات سيكون مفيداً له.
فرصة لقاء أقران يختلطون به ويصلون إلى ححبهم بددهم طوال الدهور التي تنتظرهم.
سأل مورا: "وستقبلونهم جميعاً؟ أستكون عائلتكم؟".
أجابه أبروس: "لا، ستكون عائلتنا. بحلوها ومراها، ومهما كانت طبيعة البشر الذين سينشئون ليصبحوهم، فسيكونون أرواحاً عظيمة وهذا يكفي".
"...حسناً، سأفعل، لكن لا يمكنني فعل ذلك هكذا فقط."
"ممم؟ شكراً لك، لكن ما الذي يعنيه هذا؟"
أوضح قائلاً: "حين صنعت بلوم، كنت قد رأيت سحر النبات والمهارة عبر أرواح الناس. احتجت إلى ذلك أيضاً...".
بدأ يحرك يديه محاولاً إيصال فكرة ما، لكنه فشل على تلك الجبهة أيضاً إلى أن بادر بن بالكلام.
"عليك فقط أن ترى حاملي أي تقارب مدمج تحاول صنعه، أليس كذلك؟"
"نعم، لن أتمكن من فعل أي شيء ما لم أرههم أولاً."
سأل أبروس: "آه، أهذا كل شيء؟ إن كان الأمر كذلك، فهي مسألة جلوس بهدوء ليوم أو يومين ريثما نجمع الناس إذن. إن حصلنا على مساعدة زوجتي، فلن يكون الأمر صعباً. شكراً لك يا مورا".
وما إن منح موافقته حتى لم يمض وقت طويل قبل أن تنطلق الأرواح الأخرى للبدء في تنظيم الأمور من جانبها، بحثاً عن حاملي أي تقارب مدمج يمكنهم الحصول عليه وجمعهم، أو عودة لمهامهم الأخرى لذلك اليوم، ليتركوا الثلاثة وحدهم مرة أخرى، بينما عادت تيرا بتركيزها إلى الطفل في رعايتها.
سألته: "الآن، أمتأكد أنت من هذا يا مورا؟ لا يهم ما قلته لهم، يمكنك تغيير رأيك دائماً".
"لن أفعل. سأفعلها."
شرحت قائلة، فقط لرغبتها في التأكد من استيعابه للأمر تماماً: "لكن يا حبيبي... أنت تدرك، إن وُلد المزيد من الأرواح العظيمة، فسوف يقتلون الشياطين أيضاً. لقد أخبرتني مسبقاً أنك لا تريد ذلك. أسيجعلك هذا غير مرتاح؟"
قال الصبي، بينما كان بن يظن أن الطفل يفكر في علاقته بخالقيه وهو ينطق بها: "...لا أحق لي تقرير ما يفعله الآخرون بحياتهم التي مُنحت لهم. ولن أطلب من أي منكما التوقف أيضاً، فلن تفعلوا لو حاولت، أليس كذلك؟"
رد بن دون محاولة تخفيف تلك الحقيقة: "لا. هذا أمر لا يمكننا إيقافه".
"لكنك لا تطلب مني التوقف أيضاً، حتى لو استطعت المساعدة. أنت تتركني أتخذ خياري بنفسي. أنا ممتن لذلك."
حسناً، إن كان راضياً عن كل هذا فهذا كل ما يهم. بغض النظر عن القوة التي يمتلكها الصبي، تمسك بن بفكرة أنه كان سعيداً للغاية لأن مورا لم يكن مرتاحاً للقتل، مقارنة بفكرة أن يعتاد عليه. وإن كان لن يدع حقيقة أن بن وتيرا سيستمران في فعل ما يعتقدان أنه واجب عليهما تؤثر على علاقتهما، فهذا أفضل ما يمكنهما أمله، ولم يترك ذلك سوى سؤال أخير في ذهن بن.
"حسناً إذن، ومع تسوية كل الأمور هنا، أظن أن هناك أمراً أخيراً نتفق جميعاً على الفضول تجاهه."
تصريح جعل بعض العيون الفضولية تتعلق به، وازدادت فضولاً مع طريقة توهج عينيه عملياً.
سأل: "تحصل على أنواع مختلفة من الأرواح لتندمج وتصير عظيمة، ولكن ماذا عن تلك التي توجد بالفعل؟ أيمكنك جمع المزيد من أرواح الأرض معاً لخلق روح أرض عظيمة جديدة تقف بجانب أبروس، وهلم جرا لكل نوع آخر من الأرواح؟"
كان سؤالاً يعود بذاكرته إلى محادثة سابقة أجراها مع هيوري، حيث نظرا فيما قد يحدث لو قرر فيفيدوس ونوكس محاولة إنجاب المزيد من أرواح الأرواح العظيمة. إمكانية تحويل مساحات واسعة من أرواح العالم إلى متغييرات قوية جديدة من نفسها، وخلق مئات الكائنات التي بالكبير لا تقصر عن الملوك نفسها، كيف لا يشعر بالفضول، سيما حين لا تزال فكرة أخرى تبادلاها تتردد في رأسه. ماذا لو سمح لهم ذلك بالاندماج مرة أخرى؟
إن كان يمكن اعتبار الأرواح العادية أشكال حياة من المرتبة الأولى، ومجموعة منها تندمج معاً لتشكل حياة من المرتبة الثانية في صورة الأرواح العظيمة، فهل يمكن لعدد من التقارب المتطابقة أن تندمج في كائن يحمل سحراً في الطرف البعيد من المرتبة الثالثة؟ كائنات قد تكون حاملاً لمائة مليون نقطة من المانا ونوعاً من القوة القادرة على إعادة تشكيل العالم؟ لم تستطع تيرا رؤية تلك الفكرة الخاصة وهي تتقافز في رأسه، لكن فكرة أن مورا قد يكون قادراً على خلق المزيد من الأرواح العظيمة الأصلية كانت كفيلة بجعل عينيها تتوسعان، وهي فكرة كفيلة بإعادتهم جميعاً ليوم طويل آخر من النقاشات، ولم يوقفها سوى هز مورا رأسه.
أخبرهما الصبي: "لا يمكنني. ما أفعله بأقفال أرواحهم، أنا...".
تلاشى صوته، وهو يعاود بذل قصارى جهده لإيصال فكرة معينة بيديه لكنه فشل تماماً هذه المرة، ليدعهما في النهاية تسقطان إلى جانبيه قبل أن يختتم: "سيكون الأمر مستحيلاً، أرواحهم لن تسمح بذلك".
"أرى. حسناً، لا تقلق يا صغيير، كنت فضولياً فحسب".
وها قد ذهب حلم جيش لا ينتهي من الأرواح العظيمة إلى جانبنا إذن، إلى جانب فكرة نوع من الروح فائقة العظمة قادرة على الارتقاء إلى السيادة حين تموت. حسناً، مهما كان ما سنحصل عليه من تقارب العالم المدمج فسيكون عوناً كبيراً في أشياء كثيرة، وعلينا فقط التطلع لرؤية ذلك.