قال لها الروح الذي طلبوا منه التحدث نيابة عن البقية، ما إن انتهت من مداواة كل من يحتاج إلى ذلك: "شكراً لمساعدتك إيانا، أيها الأميرة".
ردت: "لا مشكلة على الإطلاق، وإن حدث أمر مشابه فسأكون سعيدة بالمساعدة، ولكن لماذا جئتم إليَّ؟".
"لأننا آمنا بقدرتك على المساعدة".
"أعني، لماذا قصدتموني بدلاً من طلب المعادة من أحد الأرواح العظيمة؟ فهن يساعدنكم عادة، أليس كذلك؟".
"آه، نعم، ولكن ليس منهنَّ متفرّغ".
بلا متفرغ؟ لم تدرِ مدى صحة ذلك، أو على الأقل إلى أي حد لم يكن ذلك الرأي نابعاً من منظورهم الخاص للأمور. علمت ثيرا أن أباها يحرس أنائيليا بانتظام، لكنه كان يُسحب بعيداً غالباً لدرجة تمكنه من المساعدة، ورغم أن لكل من عمتيها فونا ولوكس مهامَّ تشغلهما، إلا أنها لم تظن أنهما مشغولتان لدرجة تعجزهما عن المساعدة أيضاً. ثم كان هناك عمها الأحدث أوغيلت الذي كان يكتفي بحراسة تجارب بن، لكنه كاد أن يكون قادراً على المغادرة طوال الدقائق القليلة التي ستحتاجها كائنة بقوته للتعامل مع ذلك المستوى من التهديد.
رغم أنني أظن أنه لا يزال يبدو غير مستقر عقلياً بما يكفي ليكون أحد الخيارات الأولى، وأما البقيّة، حسنًا، فسالينوث هو الروح العظيم الوحيد الذي يكرّس كل وقته للبحار، ولديه فيندس عائلته، ولا أهتم بما يكفي بشأن الأرواح الثلاثة الأخيرة لأعرف ما قد يشغلها. وأظن أنني لا أملك فكرة واضحة بما يكفي عما تفعله أبي وعمتي لأجزم بأنهما لم يكونا يقومان بشيء مهم الآن أيضاً.
قالت بصوت عالٍ بعد تفكير مطول: "حسناً. إن حدث أمر مشابه مجدداً، لأجل أي روح أو عنصر أو جنية، فأعلموني. سأبذل قصارى جهدي لأحضر وأساعد".
أثار ذلك رد فعل في الحشد المحيط بها، فقد أخذ الجميع يتمايلون حولها بسعادة لسماع ذلك بينما أحاطت بها مئات الأصوات مرة أخرى، لكنها صارت تغني لمدحها الآن بدلاً من أن تغرق في القلق والخوف بينما تبذل وسعها لتهدئتهم وسط صرخات عن مدى حبهم لها.
"نعم نعم، إن استطعت فسأساعد لكن تذكروا فقط أنني لا أستطيع الانتقال الآني، سأحتاج إلى بعض أرواح الفضاء لمد يد العون لي في كل مرة. وبمناسبة الحديث، أيمكن إعادتي إلى حيث وجدتموني جميعاً؟"
أجابها روح: "نعم، بالطبع!"
مشيراً إلى روح الفضاء الوحيد في الحشد ليفتح لها بوابة تعبر من خلالها.
"شكراً لك ثانية، أيها الأميرة. لن ننسى هذا!".
"لا تقلقوا، هذا ما ينبغي لي فعله فحسب".
خطت عبرها من هناك، عودة إلى المدينة التي كانت فيها قبل قليل فحسب وأمام البوابة المنتظرة مجدداً، متحررة من حشدها المعجب، أو معظمهم على الأقل. عبر البوابة التي صنعها أتى روح الفضاء الفردي الذي كان بين البقية، منتظراً بصمت إلى جانبها حتى تكلمت.
"أهلاً بك، أهناك أمر آخر يمكنني مساعدتك فيه؟"
لم يتفاعل أبداً في البداية، منتظراً في صمت حتى حاولت ثيرا مجدداً، متحدثة هذه المرة بماناتها.
"أهلاً، أهناك ما تحتاج إليه، أيها الروح الفضائي الصغير؟"
أنعش ذلك روحه ودفع ثيرا للتساؤل عما إذا كان ببساطة غير معتاد بعد على تفسير لغة تحملها الأصوات بدلاً من المانا، إذ تحرك أقرب إليها بقليل، متحدثاً بحذر أثناء فعله ذلك.
بدأ قائلاً، بينما كانت ثيرا تومئ: "يقول البقية إنك أميرتنا".
"هذا ما يقولونه".
"ماذا يعني ذلك؟"
كان ذلك سؤالاً تمنت لو أنها تعرف إجابته هي الأخرى. بدا لها دائماً كأنهم قرروا ذلك عشوائياً تقريباً ولم تستطع أبداً الحصول على تفسير واضح للسبب. كانت أميرتهم لأنها أميرتهم، أو هكذا أُخبرت على الأقل حتى توقفت عن السؤال. أما بالنسبة لأحد أرواح الفضاء، مجموعة الأرواح الوحيدة التي لم تكن موجودة في العالم عندما اتُّخذ القرار، فلا بد أنه لم يكن سوى أمر محيّر، ويزداد حيرة إذا استغرق وقتاً في التعرف على الهياكل التسلسلية المختلفة الموجودة في العالم.
لم يكن للأرواح ملوك أو ملكات، ولم يكن منطقياً اعتبارها أميرة، بأي طريقة مهمة على الأقل. ورغم أن أباها كان زعيماً من نوع ما لأرواح الأرض، فقد فهمت أن العلاقة كانت أكثر تعقيداً من ذلك بطرق تبدو حتى أعظم الأرواح تكافح لشرحها، ورغم أنها كانت الأولى التي يمكن القول حقاً إنها تشارك نسباً مع أحدها نظراً لمكانتها كأول نصف روح، إلا أن ذلك لم يكن ليأتي بأي أهمية. عندما وُلدت، كانت مثار فضول للأرواح أكثر من أي شيء آخر.
لا خير ولا شر، بل كائن يشارك علاقة غير معتادة مع أحد أسيادهم العظام. لم يحدث التغيير في نظرتهم إليها إلا مؤخراً بشكل ملحوظ، لينقلها من مجرد فضول إلى مخلوقة محبوبة للغاية. لكن مع سؤال الروح، رأت فرصة لتجرب حظها مجدداً، وسؤال معاكس على شفتيها بلا تفكير عميق فيه.
"لا أعرف. ماذا تقول الأرواح الأخرى عن الأمر؟"
كانت تأمل في أي إجابة أوضح قليلاً من المنطق الدائري بأنها أميرتهم لأنها أميرتهم، لكن بدا أن تلك أمنية ستتبدد مرة أخرى.
"يقولون إنه أمر واضح وسيفهمه البقية منا قريباً".
حسناً، لن أنال إجابة حقيقية أبداً. محاولة إيجاد قليل من تقبل تلك الحقيقة في قلبها، كبحت ثيرا تنهيدة وبذلت بدلاً من ذلك قصارى جهدها لتعطي روح الفضاء أمامها شيئاً أثقل وزناً، ملاحظة أنه لا يزال فضولياً بوضوح.
أوضحت قائلة: "لا أعلم على وجه اليقين، ولكن قد يكون السبب هو أنني أساعدهم. أنا أمنحهم ماراتي حين يحتاجونها وهذا يساعدهم على زيادة أعدادهم وآتي لنجدتهم كما رأيتم للتو. عدا عن ذلك لا يمكنني قول شيء سوى علاقتي بأبي، الذي تعرفونه بروح الأرض العظمة".
كان ذلك أفضل ما بوسعها فعله على الأقل ولكن بدا أنه أنعش الروح الآخر قليلاً إذ راح يتأملها عن قُرب.
"إن كنت تساعديننا فهل ستساعدينني؟"
"إن استطعت فبالطبع، ماذا تحتاج؟"
بصرف النظر عن تزويدها بالمانا، لم تدرِ ما يمكنها فعله لأي روح سوى التحدث فقط، لكنها كانت مستعدة للمحاولة على الأقل بينما تتساءل عن المشاكل التي قد يواجهها روح فضاء. لقد اعتادت على كل التوافقات الأخرى الموجودة في العالم بحلول تلك النقطة لكن أرواح الفضاء كانت لا تزال جديدة، ولم تكن تعلم حقاً أي نوع من المشاكل أو الهموم قد يزعجهم حتى قال الروح الذي معها الأكثر وضوحاً.
"سيدنا العظيم ليس على ما يرام. أيمكنك تغيير ذلك؟"
ماذا قد يريد الروح غير ذلك؟ لم يكن حبهم لسادتهم العظام أمراً هّيناً ولم يكن الطلب بسيطاً أيضاً. لم تمتلك ثيرا في نفسها القدرة على محو آلاف السنين من الصدمات وكراهية الذات، ولم تدرِ إن كان ذلك شيئاً يمكن إصلاحه يقط, حتى لو مرّت ملايين السنين على الكائن الخالد.
"لا أعلم إن كان ذلك أمراً بمقدوري فعله".
"أيمكنك المحاولة؟"
"...نعم، يمكنني المحاولة".