يا للخذلان المريع. لم يستطع الجزم بما إن كانوا قد فعلوا ذلك أم لا، لكنه اكتشف أن المنازل خاوية عن آخرها. غادر جيك وآيمي ويوزو في اليوم السابق، وبدا أن غيابهم سيطول لعدة أيام أخرى، ووفقاً لكل الروايات، فقد غادر معلموهم معهم، مما يعني استحالة سبر اغوار عقولهم بحثاً عما قد يظفر به. أعاده ذلك أدراجه نحو المتجر، مستغلاً ما تبقى من وقته في النهار لارتداء معطفه والبدء في عمل تجسيد الارواح، بينما كان يصنع المزيد من أساور المانا وأجهزة التجسيد تباعاً مع مرور الوقت.
أما بالنسبة للأمر الأول، فقد كان يلمح تقدماً على الأقل، حيث أظهر له ارتفاع مستوى مهلته أن كل الطرق الأخرى التي نما بها، بمستويات مصدر روحه وتوسع روحه وتوافق روحه، كانت أكثر من كافية للتعويض عن حقيقة أنه كان يتعامل باسترخاء طفيف لتجنيب نفسه قدراً يسيراً من الألم والمعاناة.
<ارتفع مستوى مرونة الروح> <ارتفع مستوى توسع الروح> <ارتفع مستوى توافق الروح>
يا لهول الألم، لكنّ هذا شعور رائع بحقّ. غمرته موجة كثيفة من الطاقة مع المستوى الجديد من توسّع الروح، ومع تنامي توافقه مع روحه، استطاع فوراً أن ينتج أكثر ممّا صنعه قبل ثوانٍ معدودة. لم يتغيّر حجم الإجهاد الذي يعانيه، لكنّ الناتج تضاعف إلى حدٍّ جعله يشعر بارياحٍ ما لاستسلامه ومساعدته للملوك. كلّما ارتقى مستوى توافقه الروحيّ، وتوسّع روحه، ومصدر روحه، صار قادراً على الإنتاج الفوريّ ورفع وتيرة اكتسابه لخبرة المهنة، ممّا قلّص الوقت اللازم لمساعدة أصحاب الفئات الثالثة كافة، بينما كان عقله يسبح في أفكار جامحة.
كان مصدر الروح يُثبت جدارته بوضوح، لا في تجارب تعديل أرواح البشر فحسب، بل عبر الأشرطة التي يصنعها وأجهزة التجسيد أيضاً. وكان للتوافق الروحيّ فائدة هائلة تتمثل في خفض تكلفة مهارات الروح من الطاقة، مع تسهيل الارتقاء واكتساب المزيد. لكنْ على روعة الاثنين معا، كان توسّع الروح هو ما استحوذ على مخيلته أثناء عمله. لعلّه كان أبسط مهارات الروح كلّها، غير أن أثره كان ضخماً، إذ منحه دفعة فورية معتبرة في نمو طاقته كلّما رفعه، وتضاف إلى ذلك حقيقة جعلت قيمته تبدو أكبر.
لقد كان لا يزال في فئته الأولى وحدها. لقد حسب الحسابات، وأدرك تماماً أن كل مستوى من المهارة كان يرفع طاقته الكلية ومعدل تجددها بنحو عشرة بالمائة من حجم مخزونه في كل مستوى، وهو أمر ضخم بذاته، فما بالك لو استطاع دفع الأمر إلى أبعد؟ تُرَى ماذا سيحقق لو بلغ به الفئة الثانية مثل كثير من مهاراته الأخرى؟ اللعنة، حتى لو استمر في منح تلك العشرة بالمائة كل مرة فسيكون الأمر رائعاً إذا بلغته، فكيف لو منحني أكثر من ذلك؟
لا يمكنني إلا أن أتخيل مخزوني ينمو بنسبة خمسعين بالمائة مع كل مستوى، ومع مدى ضخامة أيّ صحوة، فإن شيئاً كهذا لا يبدو مستبعداً، ولم يبقَ سوى إشكال واحد: كيف لي أن أوقظها أصلاً؟ أشعر أن مجرد محاولة أمر كهذا قد تفضي بي إلى تدمير روحي عرضاً من شدة ما سيحتاج إليه من فرط ملء. هه... حسنًا، لا بأس، وبما أنني في المستوى السادس منها فقط فسيتأخر ذلك بعض الوقت، لكنّني أعتقد وقبل أن أشرع حتى في التفكير في التجربة، أنني بحاجة إلى بلوغ مستوى المرونة الروحية التاسعة أيضاً.
اللعنة، ربما يجدر بي إيقاظ تلك أولاً إن استطاعتي، فهذه بالتأكيد حالة يكون فيها السلامة خيراً من الندامة. <لماذا أشعر أنني جئت إليك وبدأت أفكر في أمر جنوني؟> لأنك مفرط في النقد لأهداف رسولك الرائع وتطلعاته. إذن، ما الخبر؟ <هناك أمر أردت التحقق منه لبرهة. بن، أصدِقني قولاً واخلع ردائي.> مم؟ حسناً، أمرك. انزلق الجاكيت عن كتفيه وأوقف عمله، منتظراً أن يسمع من سيده ما يدور حوله الأمر، ومرّت لحظات قبل أن يتكلم المكعب، ونبرة اللذة الخالصة تطفو في صوته.
<يبدو أنني أتلقى قدراً من الإيمان من الأرواح التي فيه.> "انتظر، أتريد الجهد حقاً؟"
سأل، ولم يكلف نفسه عناء قصر الحديث على حدود عقله بما أنه كان وحيداً. <أقل ممّا أتلقاه من أيّ من الأشجار التي صنعتها أثناء رهاننا مع هيلوري، لكنّ الفارق ليس كبيراً كما قد تتخيل. لم ألاحظ الأمر من قبل لأنني أملك فعلاً عدداً معقولاً من المؤمنين الآن، إضافة إلى الصلوات العشوائية الفردية التي أتلقاها من بعضهم بفضل حسن تسويقك لي عبر عملك والأشياء التي صنعتها، لكنّ هذه الكمية ليست بالزهيدة في الواقع.
ألا يمكنني إقناعك بصنع القليل منها لي؟> "أما عاد يقلقك المغزى الأخلاقيّ لاكتساب إيمانك بطرق كهذه؟"
<أيّ مغزى أخلاقيّ؟
هذه أرواح لم تعش حقاً وليس لها عقول تخصّها، فلماذا يعنيني الأمر؟> "مهلاً، إن كان هذا يناسبك فهو يناسبني إذن. في تلك الحالة، ستكون هذه طريقة لائقة لتغيير روتين اليوم قليلاً، امنحني ثانية."
أعاد ارتداء المعطف بينما كان يتبين الهيكل الأساسيّ لما يرغب في تجسيده، فأخرج بلاطة مربعة سميكة في حجم كفّ اليد، ومفعمة بالأرواح حتى حافتها. وبالمقارنة مع ردائه، كان ذلك أسهل بكثير أيضاً، إذ لم يتطلب منه ترتيب البلورة على نحو مريح، بل ركّز على حشر أكبر عدد ممكن داخل المساحة، لينتهي الأمر بعشرة آلاف روح في ذلك الموضع الواحد بعد أن استنفذ كل ما جذبه إلى داخل نفسه.
"حسناً، يتعين عليّ الآن أن أُنتج ما يكفي من هذه لتبليط كنائسكم هنا، وفي أنايليا، وأولفايث، إلا إذا حصلتَ على المزيد منذ آخر مرة أثير فيها الأمر؟"
<تلك الثلاثة فقط، لكنْ نظراً لعدد ما نجحتَ في حشره في هذا الشيء الصغير، والمساحة الإجمالية لكل كنيسة، ينتابني فجأة شعور بأنه قد تكون هناك مشكلات أخلاقية خفية لا أراها وحدي.> "فوات الأوان، لقد أثار هذا اهتمامي. دعني أرى، يمكنني أيضاً استبدال بعض الأرفف والمقاعد التي أملكها في فرع ستونوول على الأقل لأتمكن من حشر المزيد دون إعاقة الزوار. وبما أنني جهّزت القبو السفلي ليكون طوق نجاة للطوارئ فلن أفعل ذلك هناك، لكنّني سأكون قادراً على العمل في باقي المساحة، حتى وإن استغرق الأمر مني وقتاً غير يسير لصنع هذه كلها، ولكن حينها... هه، سأقوم بحشر حجم مجنون إيجاباً من الطاقة في كنيستك بفعل هذا، أليست هذه هي الحال؟> "نعم، وماذا بعد؟"
"وبعد، سيكون من العار المطلق ألا أستغلها."