لم ينل الثلاثة قسطاً يذكر من الراحة تلك الليلة. عثر بن على فالك وأحاطه علماً بكل ما جرى، ثم قضى ساعات بدت أطول من اللازم في مراجعة التفاصيل مع موظفي سفارة لم يتوقعوا يوماً أن يستيقظوا ليواجهوا حادثة تورطت فيها ابنة ملكة بلادهم. حظي الثلاثة ببضع ساعات نوم فقط قبل أن ينهضوا وينطلقوا في طريقهم. دار نقاش جاد حول جدوى الذهاب أصلاً، لكنهم استقروا في النهاية على التمسك بالخطة الأصلية.
ومهما كانت تلك التطورات مؤسفة، فلا داعي للتوقف عما يفعلوه طالما لم يخطئ أحد منهم في نظره. إن تسبب الأمر في مشكلات مستقبلاً فسيتعاملون معها، أما في الوقت الحاضر فقد ساروا في الشوارع لبلوغ وجهتهم.
قال فالك وهو يرمق تلميذه بنظرة خاصة: "حاولوا التصرف بأدب إذن. لا أتوقع حدوث مشكلات، لكن هذه ليست جماعة ترغب في معادوتها".
دافع عن نفسه قائلاً: "أنا مؤدب طوال الوقت حرفياً"، بينما تدخلت تيرا بدورها.
"وحتى إن كان هذا غير صحيح البطلان، فمساحا الأرواح سيكونان هناك، وأنا متأكدة أنهما سيساعدان إن ارتكب أي خطأ".
"تيرا، أرجوكِ، أحتاج إلى وقوفكِ معي حين يتعرض كلامي للتشويه".
"شاهدتكِ تهاجمين كنيسة إنيث قبل يومين فقط".
"أولاً، لقد استحقوا ذلك. وثانياً، تحديتهم لقتال، وكان اختيارهم هو القبول".
"يعني لو رفضوا لكنتَ رحلتَ وحسب؟"
"ربما. يستحيل التيقن في مواقف افتراضية كهذه".
بدا واضحاً أن أياً منهما لم يصدق شيئاً، فحاول ألا يدع الأمر يؤلمه، خاصة أنهما كانا على حق مئة بالمئة في ذلك المثال. لو لم يخوضا القتال لشرع في اللكم فوراً ولتحمل عواقب افتقار مبرراته للقوة. بالتفكير لاحقاً، ربما كان ذلك المسار خياراً أفضل لإيقاظ دنسي. حسناً، ربما في المرة القادمة.
استسلم أخيراً: "حسناً، حسناً، سأكون في أقصى درجات الاستقامة. كم تبعد عنا إذن؟"
أومأ فالك نحو نهاية الطريق: "هناك".
كان المبنى مندمجاً في الساحل بلا تكلف، ويقف أمامي رجل وحيد يرقب الباب بينما شقوا طريقهم نحوه.
قال معلمه للحارس: "فالك، ومعي اثنان".
تلقى إيماءة خفيفة مقابلة بينما فتح الباب ليدخلوا، كاشفاً فوراً عن درج عريض يهبطون عبره لينتهي عند باب آخر يؤدي إلى قاعة اجتماعات بكل المعايير. لم يضم المكان سوى أقل من عشرين شخصاً، عرف بن عدداً منهم بالفعل. وأبرز ما لفت الانتباه كان التعاويذ التي تغطي القاعة وتقسمها نصفين عبر طاولة مستديرة ضخمة، بينما امتليء النصف الآخر بالكامل بالماء لصالح الأجناس المائية بينهم، مما خلق بيئة يستطيع فيها الطرفان التحدث كمتساوين.
بمجرد النظر إليها، قدر أنه إن حدث خلل في التعويذة فستبقى كمية كافية من الماء تضمن التنفس لأي من الفريقين. لكن رغم إعجابه بهذا الترتيب، لم يكن ذلك ما استحوذ على معظم انتباهه. جلس الملك الماعز من اليوم السابق إلى الطاولة مع آخرين كثر، ولم تبد عليه أي آثار لهجوم تيرا، بل بدا ضجراً في الغالب حتى وقعت عيناه عليه، ليرسم الرجل ابتسامة عريضة. حدث بن معلمه وتيرا في سرّه: *فالك، ضع خطاً تحت التزامني بالأدب.
الملك الماعز الجالس إلى الطاولة هو من هاجمنا*. رد معلمه في سرّه: *ماذا؟* وفضح وجهه الحوار الصامت الدائر في عقله. *يا بني، الطاولة محجوزة للطبقات الثالثة، وكل من خلفهم ضيوفهم. كيف... لا، لا تمكن من ذلك. التزم الصمت كلياً أنت والاثنان الآن، وسأساعد في معالجة هذا لاحقاً إن لزم الأمر. قف خلفي فحسب الآن*. فعل هو وتيرا ما أمرهما به فالك بينما شغل اليتي آخر مقعد متاح، وانشغل بن بمسح بقية القاعة، مادّاً اتصالات عميقة ليستشعر البقية حوله.
كان الملك الماعز الوحيد الذي عجز عن قراءته، وحتى عبر عيون يوزو أو إلفات بدا وكأن الاثنين محجوبان أيضاً، لكنهما لم تكونا خياريه الوحيدين. إلى جوار كيلي، حظي فيربوم بمقعد على الطاولة، وكانت مهارته تتعلق بالتفاعل مع النظام نفسه أكثر من تفسير المعلومات المتعلقة بالأرواح، مما خلق مساراً مختلفاً أتاح لبن رؤية المعلومات المخفية عنه. إجمالاً، وصف حالته بالعادية تماماً.
كانت صفات الرجل مثيرة للإعجاب، وتراوحت بين الآلاف العالية وعشرات الآلاف المنخفضة، ويرجع فضل ذلك جزئياً على الأرجح إلى أي جرع تلقاها مصنوعة من الملوك المحرمين. أما المهارات فوصفها بن بالمخيبة للآمال، إذ خلت من أي مهارات من الطبقة الثانية، وكانت أعلى مهارة من الطبقة الأولى هي سحر الفضاء من المستوى التاسع الذي استخدمه في الهجوم قبل يوم واحد. بالنظر إلى مقعده على الطاولة، لعدّه بن مخيباً لولا ما نال به مكانه، لا مهارة مفردة كالبقية بل مهارتان تمثلتا في الخلود والدفاع المطلق، وهما اسمان فخمان.
دفاع مطلق هه، عليّ افتراض أن هذا ما يمنعني من قراءة عقله أو رؤية حالته، فلن يكون مطلقاً حقاً إن ترك أفكاره أو روحه مكشوفة، لكن... الخلود أيضاً. أظن أن طريقة نجاته من هجوم تيرا واضحة، وأستطيع تخيل كيف انتهى به المطاف بامتلاك مهارتين موقظتين بسهولة بالغة. احتل الخلود مرتبة أعلى في حالته، ليخبره أن الرجل –وعرف بن أن اسمه روك– حصل عليه أولاً، وبإمكانه تخيل كيف تقود إحداهما إلى الأخرى.
بافتراض أن أي هجوم قد يواجهه لن يقتله، فسيصبح تدريب مهارات الدفاع سهلاً بعد تلك النقطة طالما تحمَّل الحامل أي ألم يرافقها. *إن وُجد ألم أصلاً. أتساءل عما إن كانت قدرة من الطبقة الثالثة تمنحك الخلود ستجعل أي شيء تمر به مؤلماً أم لا؟ انتظر، والأهم من هذا كله، كم عمر هذا الأحمق حين قرر مغازلة حبيبتي؟* حتى وإن بدا شاباً، تعذر تقييم ذلك يقيناً مع امتلاكه مهارات تحمل تلك الأسماء.
كانت مهارة واحدة من الطبقة الثالثة لتضاعف عادةً العمر الافتراضي الأساسي لحاملها فوق ما ناله بالفعل ببلوغه الطبقة الثانية، لكن اسماً كهذا يوحي بما هو أبعد بكثير. استحال أن تسمح قدرة تسمى الخلود لحاملها بالموت جراء أمر تافه مثل الشيخوخة. تركت هذه التفاصيل كلها أسئلة وآراء لدى بن دون إجابة فورية، فأرجأها ليشغل بها ميرياد تلك الليلة، والتفت حوله ليُركز على البقية في القاعة ويستوعب ما يملكونه.
عرف خمسة آخرين بالفعل لذا لم يكونوا مصدر قلق كبير، وبقدر ما بدت مثيرة للاهتمام تلك الطبقة الثانية الأعلى مستوى التي رافقته، فلم تكن هي محور اهتمامه، بل أمعن النظر في البقية حول الطاولة مستوعباً كل ما يملكه كل منهم. عجز عن تحديد من منهم محلي ومنهم مستدعى فوراً؛ فعلم بوجود خمسة مثله هناك ينتمون لعوالم أخرى، لكن ما عدا الاثنين اللذين عرفهما شخصياً ظل البقية لغزاً بغير قراءة ذكرياتهم.
علاوة على ذلك، انتابه شعور بأن الجانب البري من الطاولة يميل نحو الأعمار الأكبر مقارنة بالجانب المائي، مع صعوبة الجزم بذلك يقيناً أيضاً. يغدو العمر أمراً عصيباً على التحديد مع اختلاف الأنواع، ويزداد تعقيداً بالنظر إلى أثر بلوغ الطبقة الثالثة على العمر الافتراضي، يضاف إلى ذلك افتقاره للخبرة في معاينة المجموعات المائية. وهناك بضع تفاصيل أخرى غير متوقعة أيضاً. *ما كنتُ أظن أن المحول الحقيقي والطهي السماوي سيكونان مائيين*.
لم يكن الأمر الأول صحيحاً بالضرورة. فعلى عكس حاملي مهارات شكل الوحش العادية، بلغ ذروتها قادراً على امتصاص أرواح المخلوقات التي يقتلتحها للتحول إليها، وعجز بن عن إدراك حدود المهارة أبعد من ذلك. علم على الأقل أن الجنس الذي حمل المهارة أصلاً كان برياً بطبيعته، ورغم احتمال أن التزاوج بين مجموعات مختلفة أدى لظهور فروع مائية لحاملي تلك المهارة المحددة، فقد رجح بالدرجة نفسها أنه يختار التواجد بين المجموعات المائية لسبب أو آخر.
أثار تمتع الطهي السماوي ببنية جسدية تشبه الأقطبوط إلى حد بعيد أسئلة لديه عما إن كان مائياً بحتاً أم أنه، كغيره ممن رأى بعضهم، يوصف بدقة أكبر بشبه المائي. ومن المؤكد أنه يوفر الطعام للمقاتلين حول العالم بغض النظر عن عيشهم في البر أو البحر، ولم يكن ليتفاجأ إن استطاع العمل في الاثنين. ظن أن ذلك لا يترك سوى ثلاثة آخرين، لكن كل من على الطاولة وضحوا وجود أربعة في الواقع، مما أبلغهم أن إلفات ساعدت شخصاً آخر على الاستيقاظ قريباً بما يكفي ليجعل فالك غير الأحدث بينهم، وسمح له بتفقد البقية.
كان ثلاثة منهم مائيين. ولم يشترك أي منهم في بنية جسدية، لكن بن استطاع رؤية مهاراتهم على الأقل، ليخبره أنه ينظر إلى حاملي الانهيار التام، ومنطقة التمكين، وملك النمو. لم ينقل له أي من ذلك حقيقة ما يمكن أن يكونوه سوى تخمينات مبهمة، لكنه ظل يثير فضوله ويتركه يتساءل بطريقة أدرك مسبقاً أنه سيزعج بها ميرياد وفيربوم، ليتبقى الأخير وحده للفحص. لم يكن الأمر جلياً للوهلة الأولى، لكن مع اتصاله بالآخرين على الطاولة، اتضح أكثر فأكثر أن الحاضرين يتعمدون تجنب النظر إلى الأخير هناك، ولم يتجنبه أحد قدر ما فعل ساحرا الأرواح ومعهم فيربوم.
أحسّ برغبتهما في تفادي التواصل البصري معها، وإن لم يشكل ذلك مشكلة. بالنظر إلى فتاة ذات هيئة بشرية في الغالب وما استطاع وصفه بجلد رمادي شاحب، تمثلت أبرز ملامحها في الفجوتين الفارغتين حيث ينبغي أن تكون عيناها، مما يفترض إصابتها بالعمى رغم استمرارها في التحديق نحو الحشود وابتسامتها العريضة للبقية. في الواقع، حمل الكثير عنها ما جعل بن يفهم لجوء البعض لتجنب التركيز عليها إن استطاعوا.
بمجرد الاتصال لمعرفة ما تملكه، اندمجت جوانب من عقلها في عقله بفعل تأثير بنية تفكيره الغريبة، وشعُر بغرابة تذكر بالفوضى البدائية التي لا تزال تلوث أفكاره بينما استقرت تلك الطرق الجديدة لرؤية العالم في رأسه، وبعثت رؤية روحها بأسئلتها الخاصة. بينما قُدّر لكل من على الطاولة بلوغ السيادة، لم يموتوا بعد ولم يصعدوا بالشكل الملائم ليمروا بأي تغيرات سيجلبها أمر كهذا، مما يعني أنهم ورغم غرابة مظهرهم مقارنة بفانٍ عادي، ظلوا ضمن نطاق المتوقع مقارنة بالسيادة.
لكن ذلك لم يصدق عليها. وحتى في عينيه اللتين شهدتا أرواح الملوك، بدت الروح التي امتلكتها غريبة، وبدت بنيتها دخيلة مقارنة بالعديد غيرها مما رأى، ونابضة بطرق غير طبيعية، حتى إن خيوطاً طفيفة منها برزت من وعائها بشكل لا شعوري ظاهرياً ودبلا أي منطق ملموس تبين له، هذا إن لم يكن يملك فهمًا مكتملاً بما يكفي للأرواح ليدرك أي جانب غير معتاد قد تحمله. جانب استطاع إدراك سببه، رغم عجزه عن تخمين وظيفته، في سبب كونها دخيلة هكذا أصلاً.
من بين أولئك الذين جهلهم، كانت الوحيدة التي شعر بيقين تام بأنها من المستدعين، وليس فقط بسبب شدة نشاز عقلها وروحها مقارنة بما اعتاد، أو لأنها بعثت بانطباع بكونها أصغر منه سناً، بل بفضل عدد مهارات الطبقة الثانية لديها إلى جانب مهارة الطبقة الثالثة التي نالت بها مقعدها. مع إجمالي خمس مهارات مباركة، لم يكن غير ملائم القول إنها فازت بيناصيب القوة عند مجيئها إلى العالم، حتى وإن بدت المهارات نفسها مثيرة لشكوك عميقة من أسمائها وحدها.
لا مهارتها للطبقة الثالثة وحدها ذات الاسم الثقيل العصي على الاستيعاب: إنتاج مسخ الذات المتعدد الأكوان واستعبادها، وكأن النظام نفسه عانى ليصيغ لها التسمية الملائمة قبل أن يصل إلى وضعه الحالي حيث بات مستعداً لاقتراض كلمات من لغات خارج حديث العالم، عجز عن تخمين ما تفعله حقاً، وامتد هذا الشعور ليشمل المهارات الأربع من الطبقة الثانية كذلك. تمكين القتل، تقوية اللحم، الهيئة الحاقدة، والسلف الخارجي.
لم يقدر سوى على تخمين الأولى بينما بدت البقية أغرب فأغرب كلما هبط في القائمة، وكلها جاوزت المستوى الصفر. وكلما طال تأمله كشف عن أسئلة جديدة لم تتوقف إلا بفكرة. ليست فكرته هو، بل الفتاة وهي توجه تفكيرها نحوه جلياً. *أيعجبك ما ترى؟* كانت غريزته الأولى هي قطع الاتصال، لكنه أبقاه محاولاً تفادي الظهور بمظهر المشبوه بينما حاول استيعاب ما حدث للتو. ما لم يكن للأمر صلة بأي من مهاراتها الغريبة، فلا شيء في حالتها يوحي بقدرتها على معرفة أنه يقرأ عقلك أو يطالع روحها، لكن رد الفعل دل على وقوع أمر ما، مما جعل تجنب ساحري الأرواح النظر إليها يبدو منطقياً بدرجة أكبر بكثير، ولم تتوقف الفتاة المعنية بعد أن نطقت.
*مهلاً، اعترف بوجودي! أستطيع الشعور بك في رأسي وأعرف أنك تنظر إلى روحي، لذا قل شيئاً! مهلاً!* قطع الاتصال أخيرًا ورأى الفتاة عديمة العينين تبرطم من طرف رؤيته، لكنه عزم على تجاهل الأمر إلى أن يحظى بفرصة محادثة يوزو في وقت لاحق، مأمولاً الإمساك بها بمجرد انتهاء الاجتماع. أخبره فالك أن الأمر سيستغرق بضع أيام، وإن وُجد سبب للتردد عليها فسيمتلك الوقت لتدبره لاحقاً. ومع وجود الجميع هناك، تحدثت كيلي ما إن بدا أنهم استقروا جميعاً.
"حسناً أيها الجميع، طالما اجتمعنا كلنا، فلمَ لا نبدأ؟"