قال لها ساشيل فوراً ودون حتى أن تعرف سبب ذلك: "جدتي لن تقبل بذلك أبداً. أنا آسفة يا بن، يمكنني أن أُحاول إقناعها إن كان لديك سبب وجيه، ولكن حتى في تلك الحالة لا أستطيع تخيّل أنني قادرة على إقناعها حقاً".
هزّ كتفيه وقال: "حسنأ، علينا فقط المحاولة. على أي حال، فلننطلق".
كان قد بدأ السير بالفعل بينما حافظت ساشيل على خطواتها بجانبه.
"ألا يمكنك على الأقل أن تشرح سبب احتياجك إلى ذلك؟"
"ممم؟ ألم أفعل ذلك بالفعل؟"
"لا".
اعترف قائلاً: "... أنا أُحاول تحسين تأثيرات جرعات التقوية التي ابتكرتها. لدي الكثير من الأفكار والنظريات حول ما قد ينجح، لكن يجب أن أضعها موضع الاختبار، وبما أنني أستخدم بالفعل بعض الأخشاب من بساتين عائلتك للقيام بذلك، فهذا مجال يمكنني تطويره أيضاً".
"أوه، هي حقاً لن يُعجبها ذلك".
تنهّد وقال: "إن لم أستطع إقناعها فهذه هي الحياة. لكنني يجب أن أُحاول حقاً. أنا أتفهم مخاوفها بشأن ما سيحدث لأبناء قومك إن بدأت غاباتكم تُعتبر مجرد مواد خام مرة أخرى، ولكن تلك حقاً هي نوع المخاوف التي تملكها عندما لا يكون العالم في طريقه إلى النهاية. أما الآن فأنا بحاجة إلى مطاردة كل سبل تحسين فرصنا وهذه إحداها".
جرعات التقوية الحالية التي كان سيصنعها مُستمدة من وصفة تستخدم جثث الملوك، وهو شيء يتواجد بإمدادات أقل من أن يتمكن أي شخص من التجربة باستخدامها، لكن استخدام ثمار شجرفته المملوكة حوّل ذلك إلى مسألة أخرى كلياً. لم يكن هناك ما يمنعه من التجربة بعشرات أو مئات الوصفات حتى يتوصل إلى شيء أفضل، بهدف زيادة فعاليتها بنقطة واحدة على الأقل، من أجل العالم ومن أجله هو أيضاً.
بافتراض أن تأثيرات مُدنس الرحيق ظلت سارية على جرعاته، فإن النقاط الثلاث التي سيحصل عليها أي شخص آخر لكل زجاجة ستعني ست نقاط بالنسبة إليه، وأي زيادة يتمكن من تحقيقها ستتضاعف هي الأخرى أيضاً. كانت إغراءً يستحيل مقاومته، حتى لو تركتْه نتائجه بشيء أفضل بنقطة واحدة فقط مما كان قادراً على صنعه بالفعل. أي زيادة إضافية ستتراكم في الشهور القادمة، وما كان يهم هو انتزاع كل نقطة قوة ممكنة في الوقت المتبقي له، واستمر في التفكير فيما قد يوصله إلى هناك بينما عبروا البوابة إلى مدينة مختلفة قبل أن ترفع ثيرا الأرض من تحت أقدامهم لنقلهم إلى تلك القرية النائية أياً كانت المفاوضات التي ستتبع ذلك.
تأمل بن منظر القرية بعد هبوطهم، وشعر بقلبه يمتلئ فخراً بالتغيير الأكثر وضوحاً. بدا أن متدربته الصغيرة المنتظرة كانت مشغولة، فعلى عكس المرة الأخيرة التي تواجد فيها هناك، استطاع بالفعل أن يرى بعض المخازن الجديدة تقف بجوار كل منزل تحمل علامات صنع يدها، مما أخبره بدقة عن حجم الجهد الذي تبذله خلال تدريبها. من الأفضل أن ألقي التحية أثناء تواجدي هنا أيضاً حتى لا أُجرح مشاعرها.
سأتوقف لاحقاً بعد أن أُنهي حديثي مع هينث. كانت تلك نيمته على الأقل ولكن بدا أنه لا خيار يُذكر لديه في كيفية سير الأمور. مرت دقائق معدودة فقط على السير في القرية حتى سمع اسمه يُنادَى وشعر بجسد صغير يلقي بنفسه على ظهره بينما ضحك.
هتفت ديلير: "بن! ماذا تفعل هنا؟"
"هاه، كان عليّ أن أجيء لأرى جدتك... جدة جدتك؟ هينث. لا تقلقي بشأن ذلك، كيف وجدْتِني بهذه السرعة؟ أليس لديك مهارة تتبع مثبتة عليّ، أليس كذلك؟"
أخبرته بافتخار: "رأيتك بعد أن أنهيت عملي. الجميع في القرية يعتمدون عليّ منذ أن عدتُ، لقد كنتُ أحصل على الكثير من الوجائع الخفيفة كل يوم أيضاً!"
"رائع، يسرني أن أسمع أنك مستمرة في تمارينك. كنتُ أعجب ببعض عملك بينما مررنا بجواره أيضاً، كله يبدو جيداً".
أشرقت أساريرها بينما عبث بشعرها، مستمتعاً بفرصة رؤية كيف تطورت الفتاة في الوقت منذ أن افترقا ولم ينقطع ذلك إلا بسبب سعحة قادمة من بقية المجموعة.
قالت ساشيل وهي تمد ذراعيها وتنتظر عناقاً: "وأنا هنا أيضاً. ابنة عمك الحبيبة التي تحبها بالتأكيد بنفس القدر كشخص لم تقابله سوى قبل عامين فقط. والآن تظاهر وكأنك افتقدتني بالفعل".
"ممم؟ من الجيد رؤيتكِ أنتِ أيضاً يا ساشيل، أمك ستود رؤيتكِ وأنتِ هنا لذا تأكدي من إلقاء التحية عليها قبل أن تغادري".
عانقها بدوره، ولم تمر سوى ثانية حتى انلت لتلتقط ذراع بن وتجره معها.
"تعال، عليك أن ترى كل أعمالي بما أنك هنا!"
"حسناً، بالطبع، لدي متسع من الوقت".
تحدثت راليا قائلة: "يا بن، ألم تكن تخبرنا قبل قليل عن رغبتك في إنجاز هذا بأسرع وقت ممكن؟"
"أعني، نعم ولكن إن لم تكن محادثاتي مع هينث على ما يرام فهناك احتمال حقيقي جداً بأن تطردنا خارج المدينة لذا إن لم أنظر الآن فقد لا أحصل على الفرصة. لا بأس، ستكون ساعة، كحد أقصى".
تجاهل نظرة ثيرا له والابتسامة الخفيفة على شفتيها. كانت ديلير تعمل بجد، وكل ما كان يفعله هو التأكد من تشجيع مثل هذه الطالبة المتحمسة بقليل من الوقت الذي يملكونه. وإن كان ذلك يعني تأخير أنفسهم لساعة فلا مهرب من سوء الأمور، فلن تكون نهاية العالم.
قال بن عارضاً ما صنعته: "وهذا ما نحتّه حديثاً!"
وانتهيا من تفقد كل ما أنتجته في الآونة الأخيرة بتمثال صغير لأمها، وكان منحوتاً ببراعة فيما أخذه بن بقلبه الناقد.
فقال: "إنه ممتاز، لقد ضبطتِ كل التفاصيل الأساسية والنسب بدقة. وإن كانت عيناي لا تخطئان، فأنا أظن أنك استعنتِ بجانب التدمير في السحر لبعض التشكيل؟"
وهتفت: "أجل!"
وتابع: "يا لك من فتاة بارعة، إن واصلتِ هكذا فستبلغين شأناً عظيماً. سأصنع لك بعض الأشياء الجديدة قبل أن أرحل أيضاً."
وصاحت: "أنت الأفضل!"
وأجاب: "ها، بالطبع أنا كذلك."
ونادى فونتيش من الطرف الآخر حيث كان البقية يتحدثون: "أرجوك لا تدللها أكثر من اللازم"، وضحكت ثيرا قبل أن يتمكن من الرد.
فقالت: "إنه لا يستطيع المقاومة. انظر إليه، إنه يستمتع بقدر ما تستمتع هي."
وأكد بن: "أنا أستمتع حقاً ولا أدلل احداً، اطمئني. كل ما في الأمر أنني أدعم طالبة متحمسة. ثقي بي، مقارنة بمن يتعمد تحويل حياتك إلى جحيم ويتركك تنزف حتى الموت رغم امتلاكه سحر شفاء، فإن هذا أفضل بكثير."
وتمتم سكوي: "بدا ذلك محدداً بشكل غريب"، بينما أسكته راليا برفق، إذ لم ترد فتح باب شرور مستطيرة دُفن هناك، قبل أن ينقطع حديثهم بوصول ضيف آخر وهو الشخص بالذات الذي كان يبحث عنه، فقد أقبل هينثاث إلى الساحة بعد أن رآهم.
فسأل: "ممم، لأي شيء جئت هذه المرة؟"
ورد بن: "ألا أزوركم حقاً إلا عندما أُريد شيئاً؟ ألا تودين قضاء دقائق لتحية حفيدي العزيزة أولاً؟ إنها لا تزال متذمرة لأن ديلير تحبني أكثر."
فقالت: "هي لا تفعل."
وأردف: "إنها تحب طهي أكثر بكثير."
فقالت: "هذا ليس عادلاً، من الطبيعي أنني لن أقارن."
وتنهدت هينثاث: "إنه لمن دواعي سروري رؤيتك يا عزيزي سايكل. إنه لأمر جيد حقاً أن أراك بصحة جيدة ويسعدني أن نتجاذب أطراف الحديث قليلاً عندما ننتهي. والآن، هل جئت حقاً للزيارة وحدها أم لسبب آخر؟"
وتنهد بن: "...حسناً، لا بأس. هناك أمر جئت لأناقشه ولن يعجبك ولكني أعدك بأن لدي سبباً وجيهاً حقاً لما أوشك على طلبه وسأكون ممتناً لو استمعت إلي على الأقل."
وقال: "حسناً، لا بأس. أظن أنك قدمت للقرية ما يكفي لأقدم لك هذا القدر من المعروف على الأقل. فلنسمع ما لديك."
وتابع بن: "حسناً، كنت أتمنى أن أستعمل إحدى الشجيرات من بستانكم-"
وقاطعت بحسم: "أبداً."
واستنكر: "ما حدث للاستماع إلي؟"
وأجابت: "نحن نرسل إليكم بعض خشبنا الميت، أليس هذا كافياً؟"
وأوضح بن: "بالنسبة لما أصنعه حالياً، نجل، لكني أحاول تجاوز ذلك. العالم ليس في وضع جيد الآن، ونحن نعلم جميعاً ذلك لكني أُريد أن أذل قصارى جهدي لتغيير ذلك، ومن غاياتي لتحقيق ذلك محاولة تحسين جرعات التقوية التي أصنعها."
وسألت: "ولماذا يكون استعمال إحدى شجيراتنا الحية أفضل بكثير من الميتة؟"
وأجاب: "لأنني على شيء حي، سأتمكن من استخدام هذا."
وأخرج بلورة روح من خاتمه، وهي البلورة ذاتها التي عاد إلى ستونوول لأخذها ذلك الصباح، ولم تكن تحمل مجرد كائن مصنوع عادي أنشأه للوصول إلى طاقة إضافية بسيطة، بل الروح المحبوسة لملك محرم، لامساً جوهر ما كان بن يحاول فعله. ومع أن جرعات التقوية الحالية كانت تستخدم نباتاً ممتلكاً بالفعل، إلا أنها احتوت على المزيد مما يمثل مكونات تشمل الخشب ذاته الذي يحاول الحصول عليه الآن، لكنه أراد تجاوز ذلك.
وعبر عملية اختبار وتجريب، أراد المرور على كل المكونات التي استخدمها بالفعل وتلك التي اعتقد أن لها احتمالات وتعزيزها جميعاً بلمسها بالجانب السماوي المتاح له، ليحصد ما يستطيع ليرى ما سيحسن الصيغة العامة. وهناك أجزاء حيوانية أراد تعزيزها أيضاً لو استطاع، لكن ذلك أضاف طبقة من عدم التنبؤ لم يكن متأكداً من رغبته في التعامل معها. كانت النباتات قوية، ويمكنها تحمل الضرر الذي سيأتي مع تكسر أجزاء كبيرة منها، لكن الحيوانات كانت مختلفة.
ولم يكن متأكداً تماماً مما سيحدث لروحه المحبوسة لو وجدت في حيوان عندما يموت، ولا مدى قوتها قبل حدوث ذلك جراء إيواء ملك. كان الأمر مزعجاً للغاية بحيث اضطر إلى الاكتفاء بما استطاع بعد تقديم تلك التنازلات. ولم يكن شرح كل ذلك لهينثاث، مع تزايد رعبها هي ومعظم الحاضرين، ليعطي النتيجة التي يبحث عنها، وكانت راليا أول من تحدثت.
وقالت: "لماذا تمتلك روح ملك بحق الجحيم؟"
وأجاب: "لأنني أمتلك الكثير من الجرأة والحماس. كما أنها قصة طويلة، فالملوك الأخرى تعلم بالأمر ولا تمانع، لا تقلقي."
وعقبت: "يبدو هذا حقاً نوع الأمور التي ينبغي القلق بشأنها. وسيسبب رد فعل هائلاً لو تسرب."
ورد: "المهم أنه حتى لو حدث ذلك، فلن يصدقك أحد. والآن يا هينثاث، ما قولك؟"
وقالت العجوز بإصرار متزايد: "مستحيل."
وأضافت: "بستاننا ليس مجرد نباتات عادية، قد لا يكونون بشراً ولكنهم يمتلكون وعياً يجعلهم جديرين بالكرامة والاهتمام. أنا أفهم من أين تأتي، حقاً أفهم، ولكن إن استطعت منعك فلن تنال مني حتى مجرد بذرة."
وبدا رد المرأة حاسماً، مرسخة موقفاً قوياً وموضحة أنها لن تلين حتى لو اقتضى الأمر مقاتلته، ولم تترك لبن سوى خيار واحد.
وأومأ بن: "هوو، حسناً، أنا أتفهم. إن كنت معارضة إلى هذا الحد فسأتوقف عن المحاولة."
وسألته وهي ترمقه بنظرات مريبة: "ححقاً؟"
وتابع: "أنا خائب الأمل لكني أحبكم. أحب كل من تقابلت معه هنا. وبما أن خياري الوحيد ينحصر بين التسلل وسلبتكم أو قتالكم جميعاً وأخذها قهراً، فلن أفعل أياً منهما. لا بأس، سأستمر في استخدام الخشب الذي بحوزتي وأرجو الأفضل مع التجارب التي أجريها بالفعل. سيكون الأمر على ما يرام."
وحتى وهو يقول ذلك لم يستطع منع نفسه من فرك حاجبيه. كان خشب الدراياد مكوناً مهماً بالفعل للجرعات، وكان واثقاً من أن أي شيء سيحدث فرقاً فسيكون هذا، ولكن بخلاف محاولة الاتصال بمجموعات دراياد أخرى أو التفاوض مع جاغال نفسها، لم يكن بيديه حيلة. ومع صعوبة جعل تلك القرية تحبه، كان واثقاً من أنه لن يحظى بأي حظ إن حاول الأولى، وبدا في الحالة الثانية أن الملكة لا تزال تنظر إليه بنظرة حسنة بما يكفي لكي لا يغامر بتخريب تلك العلاقة بمحاولة الذهاب إليها من وراء ظهر الدراياد.
كان الأمر مزعجاً ولكنه وجد نفسه عالقاً. ورأته يتراجع بهذه السهولة فشعرت هينثاث بشيء من الأسف ولكن لا مهرب من ذلك. فعلى هذا الصعيد، لن تتراجع، مهما كان السبب. فقد كانت الدراياد ترعى أشجارها، ولم تكن سلعاً تجارية مهما كانت المبررات، حتى وإن بدا أن النوايا خلفها هي الأفضل. وحتى لو لم يكن الأمر منحدراً زلقاً، إلا أنه طريق قد يقود عيون الطمع للبحث عن أخشابهم لتحقيق مكاسب خاصة، وهو أمر لم تكن مستعدة للتسامح معه.
وأمام طريق مسدود، استعد بن للمغادرة، ولم يوقفه سوى رفع فونتيش ليدها.
وقالت: "يا بن، إن كان كل ما تحتاجه هو خشب من فصيلة تنتمي لعالمنا الأصلي بدلاً من شجرة بعينها فيمكنني اقتراح حل."
وهتفت هينثاث محذرة: "يا فونتيش"، لكن حفيدتها لوحت بيدها متبعة كلامها.
وقالت: "سيكون الأمر على ما يرام يا جدتي، ولن تواجهي حتى أنت أي مشكلة في هذا. هيا."
وبتوق لأي حل محتمل، تبعه بن والآخرون إلى الجانب الآخر من البيت، ليلاحظ فوراً المكان الذي تقصده عندما نظر إلى شجيرة صغيرة برزت أكثر من أي شيء آخر يحيط بها لغياب أمر واحد محدد.
وتمتم بفضول جلب أعين الدراياد نحوه: "تلك النبتة بلا روح."
وقالت فونتيش وهي ترمقه بنظرة: "لا أدري حتى كيف أرد على سماع هذا. أظن أن هذا يفسر سبب عدم استجابتها سوى بالنمو تحت تأثير سحري. على أي حال، لن تواجهي أي مشكلة في هذا، أليس كذلك يا جدتي؟"
وأجابت: "لست متأكدة حتى كيف يمكنني الرفض. إن كان الأمر يقتصر على هذا فلا بأس."
وسأل بتشوق: "ححقاً؟ رائع، شكراً جزيلاً لك! إذن أي نوع غريب من النباتات هذه؟ أهل هناك أي نبتة شبيهة في الغابات يمكنني الاستفادة منها أم بذور أستطيع أخذها؟"
واستدعى سؤاله ضحكة من العجوز التي هزت رأسها ناظرة إليه وقالت: "تولَّ أمر ذلك بنفسك، فهذه نبتة نمت من البذرة التي ساعدتنا في تجسيدها."