<تم ارتفاع مستوى تحسين الاستخراج> <تم ارتفاع مستوى ميل الروح> <تم ارتفاع مستوى تحسين العضة>
سأصاب بالاكتئاب لا محالة. أسبوع. أمضى بن أسبوعاً كاملاً يرصد الشياطين، متمنياً أن يلمح بصيص أمل يشير إلى تحسن الأحوال، أو ربما ثغرة في جدولهم الزمني يستغلها، غير عابئ بأن يأتي وقت تفر فيه الساحة من حوله، بل كان يترقب تلك اللحظة التي تخف فيها زحمة أجسادهم الكثيفة حتى يتمكن من رؤية الأرض تحت قدميه كلما اقترب بنظره نحو البوابة. لم تكن آماله في النجاة وحدها هي ما يهدد بإغراقه في دوامة من اليأس، فقد أدرك منذ البداية أن الخروج من هنا سيكون معركة شاقة، بل كان يفكر في العالم الذي يسميه وطناً.
كان الناس يعلقون آمالهم على انتهاء الكابوس إن تجاوزوا الموجة الثالثة، وبدا أن الملوك يشاركونهم هذا الاعتقال أيضاً. وُجِدت أسباب مزعومة بالطبع، إذ يستطيع المرء أن يحدق في أي حدث عابر ليلتمس منه وميض أمل إن أراد ذلك حقاً، لكن مع عدم نجاح أي عالم في بلوغ تلك المرحلة طوال التاريخ، لم يعد الأمر يتجاوز ذلك. أملاً وحسب. لم يكن بن يملك الكثير من ذلك الأمل قبل بدء الموجات برمتها، لكن رؤية كل هذا الدمار محت ما تبقى منه من فتات.
كان عدد الشياطين أكثر من أن يترك لهم مبرراً للاستسلام، خصوصاً أنهم يفتقرون إلى أي أخلاق أو قيم، والملِك الوحيد الذي رآه لم يوحِ بأنه سيعلن نهاية المطاف إن سارت الأمور بشكل سيء، فلماذا تنتهي الأمور يوماً قبل أن يستحوذوا على عالمه المنشود؟ لا تزال هناك أمور يجهلها عنهم، لكن طبيعتهم وحدها تكفي لتأكيد ذلك. لن تنتهي الأمور ما دام هناك شياطين أحياء يقاتلون ويموتون في سبيل أي قوة أو متعة يجنونها من وراء ذلك.
أحقاً عاجد إلى هناك لأموت وحسب مع الأشخاص الذين أعنيهم؟ بدا أن هذا هو مصيره المحتوم. حتى لو نجحوا في القضاء على كل شيطان يعبر البوابة، وأمام ملوك ببطش ذلك الذي واجهه وجهاً لوجه، فهو لا يفتكر أن أياً من الكيانات الحارسة لعالمه قادرة على فعل شيء، ناهيك عن سائر البشر. وليس الأمر كأن أحداً على هذا الكوكب يمتلك قدرات تمكنه من مقارعة الملوك. حدث نفسه بسخرية بينما ومض سجله الشخصي في ذهنه قبل أن يتجاوزه.
لكن دعنا من هذا. القضاء على الشياطين جميعاً أمر مستحيل، وقتل ملوكهم بطريقة ما... لا، إن كان هناك خيار قائم فهو الهرب. سأفكر في الأمر لاحقاً. فبعد كل شيء، ما صعوبة الفرار بكوكب بأكمله؟ أزاح عن طريقه ذلك الكم الهائل من الأفكار التي تنبئ بمدى استحالة مهمة كهذه، ليوجه تركيزه نحو مشكلته التالية، وما يتوجب عليه صنعه من أجل عملية الهروب الكبير. امتلك أفكاراً كثيرة، وكثيرة جداً للتجربة والاختبار، لا سيما وهو يرى المزيد من أيام العمل تنتظره في الأفق، لكن كل ذلك انقطع بغتة قبل أن تتاح له الفرصة، حين بادر جاره بالكلام.
قال تنس: "الأمر محبط، أليس كذلك؟"
معبراً بصوته عما يعتمل في صدر بن من مشاعر بينما كان الاثنان يمليان ناظيرهما على الحشد الممتد هناك.
"مليون مليون مسخ ينطلقون لإبادة كواكب بأسرها، وهذه هي الحالة التي يتركونها عليها. أرض خراب لا يتبقى منها سوى الحثالة وهم أنفسهم، في عشرة آلاف عالم."
تنهد بن وهو يلتفت متجاوزاً الكالواكسي نحو بقية رفقائه في الأسر.
"أكثر من ذلك. الأجناس الأرضية وحدها هنا، لا توجد أجناس مائية."
يعني هذا إما وجود مجموعة أخرى من الأسرى في مكان آخر، أو أن آسيرهم لم يلمحوا أي قيمة في الاحتفاظ بهم، لكن بن كان مستعداً للمراهنة على الاحتمال الأول. فلم تكن هناك أي قيمة في احتجاز أولئك أيضاً بعد كل شيء، فإن كانوا أقدموا على تصرف متخبط ومبذر هكذا لمرة، فما مانعهم من تكراره؟ بينما استغرق في التساؤل عما إذا كان هناك محيط على الكوكب يؤويهم، كان تنس يرمقه بنظرة غريبة، ليعبر بصوت عالي عما يجول بخاطره حين بادر بن بمادلته النظرات.
"لقد دهشت بما يكفي لوجود كل تلك الأشكال التي يمكن أن تتواجد عبر النجوم، لكنني لم أتصور قط أن هناك من يعيش في قاع بحار عوالمه، ومع ذلك تذكر الفكرة بكل طبيعية ودون تكلف."
...لست بارعاً في حفظ الأسرار. هز بن كتفيه.
"المجرة شحيثة الاتساع. ولماذا لا يعمد أي ملِك هناك إلى اختيار بيئة أعمق شوية؟ يتيح ذلك مساحة رأسية أكبر للعمل وحشر المزيد من المؤمنين."
"ممم، أظن ذلك."
بدا أن تنس لا يزال محملًا بالتساؤلات لكنه أحجم عن طرحها، فاكتفى بإطلاق ضحكة خافتة.
"ماذا؟"
"آه، تعلم، حتى وإن فقدت صوابي أخيراً، فإن هذا يبدو لطيفاً إلى حد ما أقر بذلك."
"هيا الآن، تبدو متزناً تماماً بالنظر إلى كل هذه الظروف."
كانت حقيقة أن يقدر أي شخص على الصمود بهذا الشكل بعد ما يدري المري كم من القرون قضاها محبوساً بمثابة معجزة، لكن رفيقه هز رأسه.
"لا، ومهما حاولت إنكار ذلك، فلست ممن يكذبون على أنفسهم. بعد الصمود طوال هذه المدة الطويلة، انفصم عقلي أخيراً. كان أمراً حتمياً عاجلاً أو آجلاً، وأظن أن علي الارتياح لكوني ما زلت في مرحلة أستطيع فيها إدراك الجنون داخلي بدلاً من أن أغرق فيه تماماً."
"حسن إذن، سأجاريك، ما الذي يجعلك تظن أنك فقدت عقلك؟"
ضحك الكالواكسي قبل أن يرتد إلى الأرض، رافعاً بصره متجاوزاً السجين الذي يرتجف فوقه ليمعن النظر في السماء.
"أقر بذلك، لقد اشتقت لوجود شريك في الحديث لدرجة أن هذا الأمر ليس مرفوضاً تماماً، لكني حقاً لا أستطيع تفهم لِمَ اختار عقلي اختراع لغة جديدة بالكامل بدل أن يتركني أستمتع بلغتي الخاصة بعد كل هذه السنين."
آه، هكذا إذن. أجل، لو كنت مكانه لظننت أنني مجنون أيضاً.
"لم تصب بالجنون يا تنس."
حاول بن طمأنته.
"تظن أنك مختل عقلياً لأن لغة جديدة أُسقطت في دماغك؟ إنه لافتراض منطقي، وأتفهم سبب تفكيرك هكذا، لكنك مخطئ. لست من نسج خيالك لتهذي أمامي بكلام فارغ، أنا شخص حقيقي، ومحبوس مثلك تماماً."
"إذن من أين تأتي هذه الكلمات؟"
أجابه بثقة: "أداة من عالمي. إنها..."
الميت المرتبط بك قد شارك هديته اللغوية...
تابع بن وهو ينفض تلك الذكرى من رأسه: "شيء مصمم لمساعدة الناس على النمو بقوة. لكن من فوائده الجانبية أنه يتضمن لغة مشتركة. إنه مرتبط بك بالطريقة نفسها التي ارتبط بها بي."
"...قصة خيالية."
"إنها الحقيقة لكني لا أعرف كيف أقنعك وأنا هنا في الداخل. صدقني أو لا تصدقني في النهاية، لا أعتقد أن الأمر سيحدث فرقاً كبيراً."
تمتم الكالواكسي لنفسه: "ممم، لكن تصديق ذلك يبدو ألطف قليلاً، أليس كذلك؟"
"حسن إذن، إن كنت تفضل لغتك الأصلية فيمكننا التحول إليها."
قال بن مستخدماً اللغة التي سمع تنس ينطق بها مرة.
"لا أملك المفردات الكاملة تماماً ولن أستطيع نطقها بشكل مثالي، لكني أستطيع التعلم مع مرور الوقت."
قابل اقتراحه ابتسامة خفيفة وهز رأسه الشبيه برأس الحبار.
"لا أعتقد ذلك. العرض لطيف لكن لهجتك فظيعة، والأفضل مواصلة استخدام شيء أكثر إمتاعاً للأذن."
"هيا، ليس ذنبي أن بعض أصواتكم تتطلب مجسات لتكوينها."
"ها، لا ليس ذنبك لكن هذا الاختلاف يفسد الانسيابية عادة. إذن أخبرني أيها الغريب الغامض، لابد أن هناك شيئاً ترتاح للحديث عنه دون خوف من آذان صاغية، وإن كنت حقيقياً حقاً فسأستمتع بفرصة معرفة شيء جديد بعد كل هذا الوقت."
"بالتأكيد، إن كنت تريد تعلم شيء فأنا هنا لأعلمك. يمكنك أن تكون طالبي الرسمي الرابع."
"آه، ربما قلت تعلم لكني أشك في قدرتي على استيعاب حرفتك وأنا هنا في الداخل."
"إذن أنت محظوظ، فأنا مطلع بشدة على مجموعة متنوعة من المواضيع. ودون أن أمدح نفسي، أنا عبقري معتمد، فماذا تريد أن تعرف؟"
"همم، هناك شيء واحد أود سماعه لكني أعترف بأنه سخيف."
"أنا ملك السخافة، ارم بما في جعبتك."
"في السنين التي قضيتها هنا، لا شيء يتغير، لا توجد احتياجات ولا سبيل للموت، هناك أمر أتأكد أن كل محبوس هنا قد افتقده في مرحلة ما. إن لم تستطع إخباري بشيء آخر، فأخبرني قليلاً عن طعام عالمك. فكل ما ذقته من طعامه قد تلاشى متجاوزاً حتى حدود الذاكرة."
"مهما يكن ما يطلبه صاحبي، فهذا ما سيحصل عليه."
"صاحبي؟"
"بالتأكيد، بغض النظر عن المحطمين عاطفياً والمختلين عقلياً من حولنا، فنحن رفيقان الوحيدان هنا. الأفضل أن نكون رفقاء، أليس كذلك؟"
"آه، صحيح إذن، أيها الرفيق."