على عكس البوابات التي اعتادها، والتي كانت إما تأقله إلى مستوى واقعي آخر لتكون اختصاراً أو تصل بين مكانين منفصلين عبر إحداث ثقبة في الفضاء نفسه، بدت البوابة بين النجوم التي سُحب إليها أشبه بنفق مليء بالمسارب المتفرعة، مما سمح لبن بلمح ما ظنّ أنها عوالم منفصلة، حتى وإن لم تقدم له المناظر من خلفها أدلة كثيرة لتأكيد تلك الحقيقة. أوقات مختلفة من اليوم، ألوان سماء متباينة قليلاً توحي بغلاف جوي مختلف، بل وحتى أجرام سماوية كشمس وأقمار غريبة لمعت حين اتخذت المخارج زوايا ملائمة لعينيه، كل ذلك تلاشى وتوارى أمام المشهد ذاته الذي رآه يتكرر في كل مكان.
أراضٍ قاحلة ووحشية، خالية من أي دلالة واضحة على حياة سوى الشياطين التي اتخذت منها وطناً، وهي إما تدفع بعضها أو تتقاتل فيما بينها على الكواكب التي اغتصبتها. كان كل منظر مقززاً بطريقة كانت ستدفعه للضحك سخرية لولا وضعه الحالي. خلال الموجة الأولى، كسبته أفعاله خيار مهنة قاتل العوالم، لكن بناءً على ما يراه، بدا أن تلك المخلوقات كانت لتفعل الشيء ذاته بالعوالم التي احتلتها حتى من دون تدخله.
الفارق الوحيد هو أنه محا اللعنة التي قضت على البقية. غير أنه لم يجد أحداً يشاركه تلك الملاحظة، ولم يكن لديه الوقت الكافي لتقديرها بنفسه. وحتى إن لم تكن الرحلة بالسرعة الفورية التي اعتاد عليها في البوابات الأخرى، فلم تقتض سوى دقائق معدودة قبل أن يبلغا وجهتهما الغامضة، ليجد بن نفسه فجأة أمام قوة عميقة وساحقة. في البداية لم يستطع التنفس، وتفاقم الأمر سوءاً بسبب الكف التي ما زالت تطبق على عنقه، لكنه راقب محيطه وسط ذلك الاختناق، محاولاً استيعاب ما سُحب إليه وجنون ما ينتظره في الخلف.
لم يقتصر الأمر على لمحات عابرة فحسب، فوجوده على عالم برمته منحه القدرة على رؤية أبعد بكثير مما رآه قبل لحظات. بدت الأراض مدمرة، لا محطمة تماماً. كانت تظهر أحياناً بقع من العشب والطحالب، مما أخبره باحتمال بقاء أجزاء من حياة غير شيطانية صامدة، فلا بد من وجودها لإطعام الجميع ما لم يكن خيارهم الأساسي للطعام هو غزو العوالم أو أكل لحوم بني جنسهم. بدا جلياً وجود بعض الهياكل البسيطة أيضاً، وهي لا تقترب حتى من مستوى أبسط المباني في عالمه أو الأرض، بل كانت مجرد أكواخ ترين بسيطة لتوفر أدنى درجات الخصوصية والحماية من العوامل الجوية.
لكن تلك كانت مجرد تفاصيل صغيرة، شيئاً افترض أنه سيتكرر في كل عالم شيطاني بحكم ميل تلك الأجناس للعنف والدمار، ولم تكن شيئاً مقارنة بالبياكل الأخرى المنتشرة هناك. كان شيئاً لم يتمكن من لمحه إلا خلسة وهو يُسحب بلا مبالاة، لكنه استطاع من طرف عينه أن يرى البوابة التي عبر من خلالها، وكل ما يكمن خلفها. وإلى جانب العشرات من البوابات الأخرى الممتدة على مساحات يصعب تخيل كواكبها، رأى حاويات شفافة غريبة ملأت بحبر حالك، وكان هناك حاويات ضخم في مركزها بينما أخذت كل واحدة تنقر على كفره، كادت تعميه عن رؤية ما يقبع في الخلف من فرط فضوله.
من مكانه، بدا الأمر كهيكل زجاجي ضخم تلوح في داخله حركة مبهمة، وهو الشيء الأكثر تعقيداً الذي وقعت عليه عيناه مقارنة بكل ما حوله مما دفعه إلى إعادة تقييم بعض افتراضاته الأخرى. وحتى إن لم تكن رؤيته واضحة تماماً، فقد تبين له أن الهيكل يتقوس بشكل كبير حول البوابات بينما يرتفع لعدة طوابق، وهو نوع من البناء لا يستطيع تخيل الشياطين تنجزه، مما أجبره على التساؤل عما إذا كانت تمتلك أعماقاً لم يرها.
ربما تحول البعض منها حقاً إلى بناة وصناع حين نالوا نصيبهم من الذكاء فتركهم الآخرون يفعلون ما يشاءون، أو ربما احتفظوا بعبيد من العوالم التي غزوها وأجبروهم على العمل. تعذر الجزم بالأمر من دون مزيد من المعلومات، وفي ظل الظروف الحالية لم يكن هناك أي ضمان لبقائه حياً للحصول عليها. لم يستطع الإفلات من آسر، والوزن الذي ضغط عليه من كل الاتجاهات بدا قمعياً لدرجة جعله يتيقن من صعوبة تحركه تحته حتى لو نجح في الفرار.
وكل ما استطاعه هو مقاومة ذلك الثقل دافعاً جسده لأخذ أنفاسه أخيراً.
<integrated>
مع أنفاسه الأولى، صار الثاني أيسر، وتتالى ما بعده، حتى وإن صاحبه همٌّ جديد. ارتقى مستوى الجسد الشيطاني المدمج، وهي مهارة لم يرفع مستواها منذ أمد، وبدون سبب ظاهر البتة. أكان مجرد وجوده في عالم شاطني كافياً لدفعها إلى حافة التجاوز؟ لم يدر، لكن الأمر جلب معه صفاءً ذهنيّاً أتاح له أن يلحظ شيئاً آخر كان يجب أن يكون جلياً منذ البداية. لم يكن وحده من يشعر بالضغط. كان الشياطين يحيطون بهم، وبدا كل واحد منهم مكسوراً بفعل الهواء ذاته، مما استدعى إلى ذهن بن ذكريات شيطان تأمله في الماضي، إذ شعره أسوأ بكثير قبل أن يفر عبر البوابة مقارنة بحاله عند الوصول إلى هنا، بل إنه كان يؤثر حتى في ذاك الذي أسره.
أياً ما كان ذلك الشعور، فلم يكن يستثني أحداً، بل ألحق الأذى بكل من وقعوا تحت تأثيره، وإن كانت الوجهة التي يُسحب إليها تجعل الشعور يحتدم مع كل خطوة يخطوها آسره. مع ذلك، استعاد شيئاً من صفاء تفكيره، ما يكفي لإدراك طوارئ أشد خطورة، فأرسل دفضة مانا صغيرة عبر قلادة من القلائد المحيطة بعنقه، محطماً التعويذة على بلورة مهنته الخاصة، ومطلقاً تنهيدة ارتياح لفعلته تلك قبل أن يُعبث بممتلكاته، إما بالتعري منها أو التهامها بحسب ما ستؤول إليه الأمور.
كان الشياطين يملكون حق الوصول إلى نظام الحالة، ولم يكن من مفر من ذلك، لكنه على الأقل لن يكون المسؤول عن منحهم إمكانية الوصول إلى كل المزايا الإضافية التي ستترتب على اتخاذ مهنة أيضاً، وذاك الإحساس الضئيل بالسكينة استمر حتى الإشعار التالي.
<ارتفاع مستوى الجسد الشيطاني المدمج>
ماذا. من المستوى السادس إلى الثامن في إحدى أقل مهاراته رغبة في التطور، وبدون سبب ظاهر على ما يبدو، على الأقل حسبما يمكنه رؤيته، مخبرة إياه أن أعضاء الشياطين بداخله تندمج بعمق أكبر مما كانت عليه من قبل. كان للأمر حسناته، فسوف يشفى بشكل أسرع بكثير مع كل مستوى جديد وسيصبح أفضل في تجاوز حدوده أيضاً، وهو أمر سيكونه بحاجة إليه إذا تمكن بطريقة ما من الحصول على فرصة للهروب.
كما أن ذلك المستوى الجديد جعل الأمور واضحة بأن استعادة القدرة على التنفس لم تكن وحدها ما جعله يشعر بتحسن تجاه أي شيء كان يؤثر فيه، ففي اللحظة التي حصل فيها على ذلك المستوى الجديد، أصبح الضغط الواقع عليه أقل صعوبة في التعامل معه أيضاً. لقد كان أمراً مفيداً، لكن المشاكل الوحيدة تكمن في أنه لم يكن يفهماً تماماً ما كان يفعله بجسده، ولا سبب كون مجرد وجوده على هذا الكوكب يساعده على الارتقاء.
فكل مستوى كسبه فيها من قبل كان ناتجاً إلى حد كبير عن دفع نفسه إلى الحد الأقصى، إذ كاد يلقى حتفه عندما نال مستواه الأخير منها، والآن بات الأمر يأتي بسهولة بالغة. لا بد أن شيئاً ما يتجاوز كونه على الكوكب كان يسبب ذلك. كان ذلك أمراً آخر لا يحصل على إجابة بشأنه وسرعان ما توقف عن امتلاك المتسع من الوقت للتفكير فيه عندما بدأ المكان الذي يقصدونه بالظهور في الأفق. هيكل آخر، وهو البناء الهام الوحيد الذي رأاه منذ أن غادروا البوابة، وكان أضخم من أي حفرة ترابية في الأرض بينما لم يكن بغرابة مجمع الزجاج الذي لمح لمحة منه.
كلا، ما كانوا يقتربون منه كان أكثر انسجاماً مع ما قد يراه تقليدياً قصراً. كان يفتقر إلى الكثير من اللمسات الفنية لكنه عوض ما افتقر إليه في ذلك بالحجم. ضخم ومهيب، أعطى انطباعاً بكونه مكانًا مهمًا، ولم يتأكد ذلك إلا غياب أي شيء آخر جدير بالذكر حوله، مما ترك بن يتساءل عمن يمكن أن يكون مخصصاً له. فكر عقله أولاً في ملك لكنه لم يكن متأكداً من أن ذلك سيناسب الأمر. سيتطلب الأمر شيطاناً قادراً باستمرار على الوقوف فوق الجماهير وقمعها، بشكل أكبر مما كان يراه من القلائل الذين امتلكوا بالفعل قوة لتولي زمام الأمور لمن هم أضعف منه.
كلا، لن يناسب الملك القطع التي أعرفها عنهم لكن انظر إلى الكون الذي أعيش فيه. مع وجود استثناءات قليلة فقط، تحكم الملوك الأجناس الذكية في هذا الواقع، هذه حقيقة. الشياطين لها ملوك أيضاً وعليها أن تقدم لها الولاء، وهذا يشير بي نحو شيء واحد إذن. هذا نوع من الكنيسة أو معبد. لقد جعله ذلك يتساءل عمن بناه، ما إذا كان الشياطين أم أنه بقية من أي جنس كان يسيطر سابقاً على هذا العالم قبل أن يتم غزوها والذي تم تغيير غرضه منذ ذلك الحين، لكن كانت لديه أمور أعظم للقلق بشأنها.
لماذا يتم جره إلى كنيسة ملك شيطاني؟ صرخ كل عقل في رأسه بأن الإجابة هي التضحية بطريقة ما، ولم يتبق سوى مدى بشاعة التعذيب. على أقل تقدير، لم يكن يتصور أي بدائل، مما لم يتركه سوى خيار الانتظار وترري ما سيأتي، بينما كان يراقب كل شيء، محاولة استخلاص أي خلل يتيح له المغادرة بحياته. أدلة لم يجدها قط، بل حظي بأسئلة فقط. عندما دخلوا المبنى، ما وجده في ذلك الهيكل الضخم كان ردهة واحدة مستقيمة، بلا أبواب جانبية تؤدي إلى أجزاء أخرى منه للوصول إليها.
كان من الممكن ببساطة أن تكون مخفية بعيداً أو أن هناك مداخل مختلفة لها في الخارج، بل وكان من الممكن أن تكون أي غرف أخرى متاحة فقط عبر سحر المكان، ولكن مع باب واحد يمكن رؤيته في نهاية الممر مباشرة، لم يكن هذا هو الانطباع الذي يتركه. كلا، ترك المبنى لديه شعوراً بأنه قد صُنِع بواسطة شيء أحب فكرة هيكل كهذا دون أن يفهم الأغراض العملية لمثل هذا الشيء. وكأنما نُحِت من صخور صلبة لإعطاء انطباع بأنه يحمل شيئاً عظيماً ثم لم يدرك أنه يمكن استخدامه لأكثر من ذلك، مسرحية لأفعال الخلق الأساسية التي سيكتشفها أي جنس ذكي في تطوره.
لقد أزعجته طبيعته ذاتها لكن لم يكن هناك ما يمكنه فعله، ولا مفر. بحلول ذلك الوقت كان قد جُرَّ بالفعل إلى نهاية المر، وانحنى الشيطاني الذي أمككه برأسه بينما كان ينتظر بلا كلمة.
"ادخل".
بدا الأمر عرضياً لكنه حمل جوهر مطلب لا يُرد، وانفتح الباب، مما جعل بن يلتقط لمحة الأولى عما كان ينتظر في الخارج، وجعل قلبه يتجمد في صدره. لقد كان محقاً جزئياً في تخميناته حول ما يمكن أن يكون عليه المبنى لكنه كان مخطئاً فيما يحتويه. قصراً أم معبداً، أطلق عليه الاثنين أو أياً منهما، لا يهم، لم يكن ملكاً أو كاهناً ما يحتويه. كلا، مسترخياً على مقعد، حاملاً شعوراً بالقوة أعظم من أي شيء وقف بن أمامه من قبل، جلس كيان بالكاد يستطيع بن النظر إليه بالطريقة التي أضاء بها تدنيسه للأمور في عينيه.
كان أمامه ملك، أقوى مما شهده قط وناثاً تلك الحقيقة عبر العالم.
<ارتفع مستوى جسد الشيطاني المدمج>