حمل الصباح التالي موقعهما الجديد، وبدا على المحيطين ممن لم يحظوا بعد بأي فرصة لنيل قسط قصير من الراحة المسموحة أسوأ حالاً بحلول وقت اتخاذ مواقعهم. في غضون يوم واحد، تعرض الجميع لعنف وموت يفوق ما ينبغي لأحد رؤيته طوال حياته، وبينما اتخذ اثنتان مواقعهما للإسهام في ذلك، قدم بن مرة أخرى ما استطاعه من راحة، مسحباً من كان أمانهم مكفولاً إلى عقله ليفسح لهم فرصة الاسترخاء بأمان وسط كل ذلك، متحدثاً إليهم خلال فعله.
لم يكن هناك شخص واحد يجهل القادم، فقد رأى الجميع ذلك في الموجة الأولى بعد أرجوحة، لكن الأمر ظل يثقل كواهلهم إذ لجأوا إلى الحديث عما يعنيهم ويحفزهم. العائلة والأصدقاء ممن افتقروا إلى المهارة أو القوة للقتال أو ممن مكثوا في مدنهم وقراهم للتعامل مع ما لا بد من تفلته متجاوزاً الحصون الدفاعية المبعثرة في الأرجاء، وكل ذلك لتدمير ما هناك تزامناً مع غزو العالم. لم يدع ذلك أية قطرة سلام تلامس أحداً منهم، إذ شعر الكثير ممن تشبثوا بالأمل في سير الأمور بنجاح الموجة الأولى أن ذاك الأمل يذبل، ورغم كل شيء، حاول بن طمأنتهم، بغض النظر عن مدى ضآلة تصديقه للأمر بنفسه.
قال بثقة لكل منهم قبل تحريره من عقله: "سنعبر هذا. لم يكن الكوكب يستعد طويلاً بلا هدف ولدينا الملوك يبذلون قصارى جهدهم أيضاً. متى تجاوزنا هذه المحاكمات سنستطيع المضي قدماً وإعادة البناء، وكل ما علينا فعله هو بذل أقصى جهودنا حتى ذلك الحين".
كلمات جوفاء لكنها بدت مفيدة، إذ أبدى من حُوكي الكلام معهم امتنانهم للجهد بينما أضفى عمل السماوات دفعة إضافية أيضاً. كانت هناك سحب معلقة في الهواء حول تلك البوابة أيضاً، وتيقن من انطباق ذلك على بواباتها كافة، مع استمرار البرق في الهطول عليهما جميعاً، منيراً المنطقة بوميض مستمر مع إسقاط كل صربة لشياطين، دافعة بأعدائهم الطائرين للتحطم على الأرض أسفلهم، مسببة المزيد من الأضرار لمن حالفه الحوف لدرجة الإصابة من الأعلى.
وبينما استوعب المشهد، خصص بعض انتباهه لثيراً أيضاً، منزلقاً إلى عقلها حين استغلق ما كانت تفعله على الفهم الفوري. غابت أية هجمات واضحة من عصاها، مرجع ذلك إلى توجيهها لماناها أبعد، مغيرتاً كثافة الأرض ذاتها لترك الشياطين يتهاوون خلالها، لتلغي آثارها لاحقاً وتدع الأرض ترتد لموضعها، محاصرة أفواجاً منهم دفعة واحدة ومنتقلة إلى قطاعات مختلفة من الميدان لإلقاء الهجمة ذاتها، مغرقة حشوداً منهم في التراب تحت أقدامهم.
سألها ودون أن يحيد أي منهما بنظره عن الشياطين أسفلهم أثناء تنفيذهما لهجماتهما: "أتتدبرين أمرك بخير؟"
فقالت: "حالياً. سيكون يوماً طويلاً".
أليس هذا هو الصدق بعينه. بفضل الوعي المعزز المرافق لعقله غير الطبيعي العالي، تمكن من استيعاب المزيد في أطراف رؤيته، مما سمح له بملاحظة الضربات العرضية الصادرة حتماً من السحرة المستيقظين القلائل الآخرين العاملين في مواقع مختلفة من الميدان بينما سكب الجميع طاقاتهم في هجماتهم. كمن يحاول تجفيف المحيط بدلو. وبينما راقب المزيد والمزيد من الشياطين يتدفقون من بوابتهم الغريبة، بدأت مشاعر الهزيمة الوشيكة تتصاعد لديه من جديد.
عجز عن إدراك كيفية تمسك الملوك بأي أمل للمستقبل، لكن رؤية ثغرة واحدة في الموجة توحي بأي حد أو انقطاع للقادم تركته يحاول تخمين كمية من تجاوزوهم بالفعل، ليجد العدد عصياً على العد. الجحيم، مجرد محاولة تقدير العدد العابر للبوابة كل ثانية— انتظر، ماذا يجري هناك؟ لم يكن الأمر انقطاعاً في الموجة قدر ما كان شياطين يفسحون الطريق وسط السحابة المقبلة، إذ عبر جديد البوابة، غير متميز في مظهره عن سواه لكنه ظل يحك عقل بن بينما استطلع المحيط، بلا تسرع كالبقية بل مكتفياً بالمراقبة، ليقوم العابرون من بعده بكل ما بوسعهم لمنح المخلوق كل ذرة مساحة يستطيعون تدبرها، ضاغطين بعضهم على بعض بأقصى شدة تفادياً لملامسته.
لكن لِمَ أعرفه؟ سأل بن نفسه، لترد الإجابة بعد أجزاء من الثانية حين أجرى عقله الروابط وتجمد الدم في عروقه. من برج الحرفيين. كان ذلك الشيطان هو نفسه الذي خرج من البوابة وجيزاً أثناء الموجة الأولى، ظاهراً لتدمير سلاح إبيرو ومختفياً فور إنجاز مهمته، ليمتلئ حضوره عقل بن بالأسئلة. لِمَ هو هنا وما الذي سيحققه؟ نظراً لطريقة تحركه أول مرة افترضت قدومه تحديداً لتدمير ذلك الشيء بالنظر إلى حجم الأضرار التي لحقت بالشياطين، ألم يكن الأمر كذلك؟
ألديهم نوع من فئة المراقبين بينهم ممن يظهرون صدفة؟ لكان ذلك يفسر المحبوس هنا عند انغلاق البوابات باكراً، لكن أسيقوم بشيء الآن؟ الأمور لا تسير بتاتاً بما يكفي لمصلحتنا ليتدخل إن كان قد فعل ذلك حقاً في المرة الفائتة بالنظر إلى حجم الضرر الذي ألحقناه بهم، بيد أنني لا أرغب حقاً في افتراض نيلنا ذلك المستوى من الحظ. ونظراً للمخاطر المجهولة، تحرك بن لتخفيف مخاوفه بأفضل ما أتاحه، مسحباً شريكته سريعاً إلى عقله ومعززاً سرعات أفكار كليهما إلى أقصاها.
"ثيراً، مشكلة كبرى".
"ماذا؟"
"الشيطان الذي حطم السلاح في برج الحرفيين. إنه هنا. لا يفعل شيئاً حالياً لكن لا سبيل لمعرفة إن كان سيستمر كذلك".
تذكرته فوراً، وكيف طرحت تراباً وصخراً في هجوم كاسح عجزت حتى عن ملامسته عبر دمج تأثيرات إبطال السحر فيه، تاركة سحرها عاجزاً في مواجهته لتجد نفسها مضطرة للتساؤل عن مدى سوء ما آلت إليه الأمور.
"حسناً، ما الذي سنفعله إذن؟ أية فرصة لهجوم مباغت؟"
"لا فكرة. لقد كان الملوك جميعاً صارمين تماماً بأن شياطين النخبة لا ينبغي أن يفعلوا شيئاً سوى خلال الموجة الثالثة، وحسب علمنا فهذا مجرد مراقب. إن لم نفعل شيئاً فقد يكتفي بالمراقبة قليلاً ثم يغادر".
"لا أعتقد أن أياً منا متفائل إلى هذا الحد".
"عادة لا، لكن حقيقة عدم هجومه فوراً تعتبر ميزة. بحلول وقت سحبي لك كان يستطلع المحيط فقط ومهاجمته قد تكون الحافز الدافع له للتحرك".
أشارت ثيرا قائلة: "لكن إن لم يكن مستعداً فقد نستطيع مباغتته. حتى لو لم يفعل شيئاً الآن، سيتعين على شخص ما التعامل معه في الموجة الثالثة افتراضياً. إنه ليس شيئاً ينبغي أن نتركه ونأمل زواله".
كانت نقطة وجيهة. حتى إن كان شيئاً يمكن تجنبه، فتلك مسألة تخص المستقبل، لا الأبد. ستأتي الموجة الثالثة وتتبعها وفرة من التهديدات القوية، فحتى قتل إضافي حين تسنح الفرصة قد يحدث فرقاً طفيفاً على المدى البعيد، مما جعله يرضخ لرأيها.
"حسناً، إن أردت فأن اشرت إليه".
تفحص ذكرياتها باقتضاب، مستوعباً موضع نظرها قبل سحبها إلى أفكاره ليُسقط ما رأته في عقله كي ينظرا إليه معاً، معدلاً المشهد من هناك لعرض كل ما شهده مانحاً إياها فكرة أوضح عن ساحة المعركة ككل، ليتركها ترى أين سيتعين عليها النظر حين يحرر عقلها قبل أن يطلقها بينما مسحت عيناها الحشد. تمتمت ثيرا فور استقرار بصرها على الهدف البعيد بينما شرعت في إعداد تعويذة، محاولة تحديد الأنجع ضد مخلوق مماثل لتستقر على قوة محضة وكاسحة قبل استعدادها لرفع جبل صخري صغير لإلقائه بأكبر قدر من المانا خلف الفعل آملة عجزه عن رد الفعل بسرعة كافية لاستخدام سحره، وإن أخفق، فعجزه عن امتلاك المانا أو المهارة لإحداث فارق.
لكن بينما بدأت إلقاء تلك التعويذة، محدقة به طوال الوقت، توقفت عيناه عن استطلاع ساحة المعركة، مثبتتين بصرهما على هدف بدورها. هما. وقبل أن تملك ثيرا فرصة إطلاق تعويذتها الضخمة، كان المخلوق يتحرك مسبقاً، ملتفاً بالصخر حول قدميه إثر قفزه للأمام تحت تأثير قوته وماناه دافعاً نفسه للأمام بسحره الأرضي، منطلقاً نحوهما بخاطفة. وبسرعة مماثلة، حاولت ثيرا إعادة ضبط هجماتها، مطلقة ما امتلكته، لترقب إبعاده بصفعة، متجاوزة قوتها سيطرته إذ مد يده، غير مخصص لها نظرة ليمسك بن من حنجرته عوضاً عن ذلك.
"وجدتُك".
ليس جيداً. لم يرغب في معرفة ما قد يعنيه ذلك قط وبذل قصارى جهده لضمان عدم نيله الفرصة. ورغم رفعه من عنقه، لم تكن حنجرته تُسحق تحت القبضة القوية التي أسرته ومهما بلغ الألم فقد ركز على كيفية إفلاته محتملاً، ماداً يده نحو حزامه حيث استقر سكينه أولاً لمخادشة الوحش، ليبوء ذلك بفشل ذريع إذ ذاب النصل الذي صنعه بعناية ذاته عند محاولته طعنه به. ...أجل، إبطال السحر والسحر الأرضي، كلاهما مستيقظ على الأرجح.
كان ينبغي لي توقع هذا. عنى ذلك عدّم جدوى الأغراض بحوزته، لكن بينما أعد هجمته التالية، تحركت ثيرا. بغض النظر عن مدى قوة المخلوق أو مهارته، استحال تساويهما في ذات الحد لماناهما وتلك كانت نقطة استغلالها المستهدفة إذ لفت جدار الحصان حول المخلوق، حاشية إياه بطاقتها لمدى أملت تفوقه على أي تطلب لإلغاء تأثيرها لتكافأ على جهدها برؤيته يصارع، مع رؤية السحرة الآخرين حولهما لما يدور وإسهامهم في هجومها، مع انطلاق النار والظلام معاً نحو وجهه المكشوف ليُلغيا فوراً جراء اختلاف المهارة.
لكن وسط كل ذلك، لم يُفلت بن قط، متمسكاً به وباعلاً ما استطاعه لمقاومة القوة الساحقة عليه بينما أسهم بهجمته الخاصة، مجسداً خشباً لينطلق داخل الذراع الآسرة من كافة الزوايا، مترقباً اختراقه للجلد بلا توغل أكبر. لعين صلب، عليَّ مواصلة الأمر فقط. مع فكرته لتنفيذ ذلك تحديداً عبر تجسيد المزيد من الخشب، لا بهيئة رصاصات تُطلق بل بمنشار دائري، معزز تحت سحره ومفترس للاختراق عبر اللحم الصلب، راغباً في فصل الذراع عن بقية الجسد لتحريره من قبضة الوحش بينما صارع قبل شن هجوم مرتد خاص به.
طوال الوقت، استقرت عيناه على بن، مخصصاً تركيزه له لأسباب عجز عن فهمها لكن مع احتجازه لم يملك سوى الإقرار بوجود ثيرا، ماراً بتهديد حقيقي تحرك للتعامل معه. ودون إظهار أي بوادر كاشفة، خفض دفعة واحدة القوة المتجهة لمنع سحقه، محتملاً الإصابات المرافقة لتمزيق الأرضية أسفلها، قاذفاً بها للخارج وحاشياً إياها بكلا قوتيه بطريقة عجزت عن تفاديها بالسرعة الكافية، مصطدمة بجسدها ضد الجدار الخلفي للحصن بصوت ارتطام مقزز ومهدئة محاولاتها تحرير بن.
أراد الصرخ بأعلى صوته لكن مع القبضة على حنجرته عجز حتى عن إخراج ما يكفي للنطق، محاولاً التركيز بدلاً من ذلك على ما يهم. استطاع استشعار آثار الرابط بينهما مما يعني بقاءها على قيد الحياة، لكن بغياب شخص آخر بالقدرة الكافية لمساعدته، حرر الشيطان نفسه ثانية بعد ثانية، بلا قتل له ولا إطلاق بل مقفراً عائداً من حيث أتى. يا للجحيم. يا للجحيم يا للجحيم يا للجحيم. أيحاول هذا اللعين العودة عبر البوابة؟
لِمَ؟ حسناً، ليس مهماً الآن. هجماتي الأخرى لم تكفِ مما يعني وجوب فعلي لما استطاعته بخياراتي المحدودة للغاية ومن بينها واحد فقط قد يجري، حتى مع وجود عواقب محتملة. ناهيك عما سيتعين عليَّ نجاته إن هربت. لقد ابتعدا بما يكفي عن الحصن لدرجة إسقاط الشيطان له هناك ومثوله ساقطاً لعدة طوابق ليهبط مباشرة في مركز تلك الحشود المجنونة غير أن ذلك شيء يمكنه تدبره حين وقوعه. ولفترة وجيزة خاطر، مدركاً احتمالية تدمير روحه ذاتها إذ مد يده نحو المخلوق بالاتصال وشعر بارتباطهما، ليجتاز الرعب المضاف المنبثق من القدرة على رؤية مهارات المخلوق.
ثلاثة مستيقظين، مع كون سحر الروح المنخفض أحدهما بالمستوى الصفري، غير أن ذلك لم يكن غير متوقع. إنه السحر الفطري للجنس الشيطاني وحتى لو تطلب الأمر المستوى السابع لبلوغ الوعي، فبدا جلياً نجاح شيء بذكاء مماثل في رفعه أعلى. كلا، ما أذهله حقاً تمثل في ما رآه عدا ذلك. ورغم اضطراره لخوض غالبية نموه بلا فوائد النظام لتعزيزه، فقد بلغ كلا سحرا المستيقظين الآخرين، السحر الأرضي العالي وإلغاء السحر، المستوى التاسع لكل منهما.
عدّ المخلوق الآسر منافساً لغدو إملك لمسارين مغايرين تماماً للقوة. ليس جيداً إضافياً! حسناً، حان وقت المخاطرة بالكل! مع قيام الاتصال عرض كامل وزن عقله له وفي الوقت ذاته انتزع أكبر قدر من المانا من المخلوق، ممزقاً فيضاً ومملئاً روحه، لإنزال الضرر المستطاع أملاً بقتله أو تركه في حالة إنهاك مانا، مع فشل كلا الهجومين. لم يدمر المخلوق روحه بالطريقة التي أدارها عديم العقل سابقاً، بيد أنه حطم الاتصال بسهولة، ومعه، انتزع خياره الأخير.
ودون حتى رمشة تجاهه رغم ما أخضعه بن له لتوه، مضى المخلوق قدماً، حاملاً إياه عبر البوابة نحو ما ينتظر خلفها.