قال: "أمتأكدة أنك جاهزة للرحيل؟"
سألت ليهي للمرة السابعة والوجوم يغطي وجهها.
"العالم ليس بالأمان الذي تظنينه، الخطر يتربص في كل زاوية، ولن يضر البقاء لفترة أطول قليلاً."
قال وهو يبتسم لها: "إن مكثت أكثر فقد لا أرحل أبداً. سأظل ممتناً لكل ما فعلتماه من أجلي."
قال له الأب يان وهو يأخذ بطاقته ويلامس بها بطاقته الخاصة: "فقط تذكر أنه يمكنك العودة في أي وقت يا بن، فأنت مرحب بك دائماً هنا. والآن قبل أن تنطلق أعطني بطاقتك. ها قد انتهينا، المال الذي وعدت به كما اتفقنا. تحدثت إلى المعابد الأخرى ووافقوا على منحك مبلغاً إضافياً نظراً لظروفك، لذا طالما أنك حذر في إنفاقه فسيمكنك العيش عليه وحده لستة أشهر على الأقل."
لم يدرِ بن ماذا يقول، فقد فعلا من أجله الكثير بالفعل، وطالما أنه استطاع إيجاد عمل فلن تواجهه أي مشكلة في البقاء على قيد الحياة في هذا العالم بفضل كل المساعدة التي تلقاها. وبينما كان يكافح للعثور على الكلمات جذبته ليهي في عناق ومنحه يان مصافحة قوية.
قال: "تمنياتي لك بالتوفيق يا بن، ولتتقاطع طرقنا مجدداً."
"احرص على مراسلتنا بين الحين والآخر لنعرف كيف هي أحوالك، وتأكد من الحفاظ على سلامتك. سيكون موتك خسارة فادحة بعد كل الوقت الذي أمضيته في تعليمك."
"سأفعل، شكراً لكل شيء."
حان وقت الرحيل حقاً بعد الانتهاء من الوداع. كانت الشمس تغرب وأقرب بلدة تبعد مسافة أسبوع مشياً، لكن يان كان كريماً بما يكفي لترتيب رحلة له مع أحد التجار الذين اعتادوا القدوم لتسليم المؤونة كل أسبوعين. مهما بلغ شعوره بالارتياح في الأشهر القليلة الماضية إلا أنه لم يغادر المعبد قط، وكانت هناك الكثير من الوحوش الخطرة التي تتجول في الغابة الفاصلة بينه وبين المدينة، وكان المشي وحدها أمراً مستبعداً.
قضى بعض الوقت في الحديث مع التاجر، وهو كائن بشري طائر يدعى تاي والذي بدا سعيداً بالإسهاب في الحديث عن شغفه بالأحذية التي تستخدمها مختلف أجناس العالم، قبل أن يقرر الانكماش في الخلف ليحظى ببعض النوم.
"بن، بيييييين..."
خيّل إليه أنه يسمع من يناديه، فبذل وسعه متجاهلاً، كان أنعم من أن يرغب في فتح عينيه.
"استقظظظ..."
استمر الصوت بنبرة غنائية محاولاً لفت انتباهه، طال ذلك لدقائق طويلة مزعجة وهو يحاول الاستراحة فحسب، وبدأ يكتسب حرافة يائسة قبل أن ينقطع تماماً. أخيراً. حدث نفسه وهو ينجرف إلى النوم مجدداً.
"استيقظ أيها الفتى!"
جاء صراخ جوار أذنه.
"تبّاً، ماذا؟"
صرخ مردّداً وهو يعتدل فجأة، ليفاجأ بأنه لا يدري أين هو، آخر ما عهده أنه كان ينام في عربة بانتظار بلوغ البلدة، أما الآن ففي فراغ رمادي مائل للزرقة لا ينتهي. كان يقف على شيء ما بلا أرض مرئية تحته، ولا حدّ فاصل في الأفق يميز الأرض عن السماء. إذ لم يَرَ أحداً التفت باحثاً عن الصوت الناهي، ليفاجأ تماماً بمكعب فضي بحجم سيارة تقريباً يطفو فوقه بتهديد.
"حسنًا، هذا غير مطمئن البتة."
تمم لنفسه قبل أن يهتف: "أهناك أحد هنا؟"
"آه يا بن، أستيقظت أخيراً؟ أقرّ بأن رؤية أحدهم مصراً على النوم داخل حلمه لأمر مدهش حقاً."
ناداه الصوت. التفت مجدداً ولا أثر لأحد.
"أتعلم، أأمكانك إظهار نفسك لنتحدث؟"
"طبعاً، أنا هنا فوقك."
"أنت في المكعب؟"
سسأل رافعاً بصره إليه.
"أنا المكعب."
"بلى، هكذا تماماً."
تمم من تحت طياته وما زال غير معتاد على غرابة هذا العالم.
"إذن من تكون؟ وأين أنا؟"
"على حين بلا مهارات ها؟ اسمني ميرايد، وجلبتك هنا..."
توقف لغرض درامي فملأ المكان صوت قرع الطبول.
"...لأعرض عليك دور مؤمني!"
صرخ فاستعرت الخلفية بأكملها ألعاباً نارية.
"أنا رافض."
انقطع الطبول والألعاب النارية فوراً مخلفة صمتاً مفاجئاً ومزعجاً.
"انتظر! لا تقرّر هكذا وحدك، استمع إليّ على الأقل."
"أعني، حسب ما سمعته في الكنيسة عن العوالم السماوية وطلبك أن أكون مؤمنك، فلا بد أنك نوع من الملوك أليس كذلك؟ الظهور في حلمي وطلب الإيمان أمر مشبوه للغاية."
أدرك بن أن العالم يعج بالملوك، وربما بكثرة زائدة كما يقال، لكن ما دراه في الكنيسة أنهم لا يُسمح لهم بمحاولة استمالة الأتباع، فهذا شأن العرّافين والكهان والرسل.
"انتظر، أنت مخطئ قليلاً، لا يُسمح لنا بمحاولة سرقة مؤمني ملوك آخرين نشطاً، لكنك بلا عقيدة لذا التواصل معك متاح تماماً."
إذن فهذا اللقيط يقرأ أفكاري، عظيم. لم يكن مخطئاً مع ذلك، فلم يعبد بن أحداً في هذا العالم. حاول كل من ليهي ويان إقناعه بإيجاد من يلائمه، فلا يلزم أن تنتمي لإرادة أتت العالم برفقة ملك بعينهم، وغالباً ما يمنحون أتباعهم مهارات ومعارف، لكنه افتقر للاهتمام فحسب. لم ينكر قيمة الأمر وتلقى توصيات عدة ببدائل تناسبه، لكن بدا كأن الملوك ألقوه في العالم دون أدنى اكتراث، وما نجا إلا بفضل لطف الناس، فضلاً عن ارتياب أن يبغي ملوك مثله أتباعاً على وجه الخصوص.
"حسناً، عجزت عن منع قراءة الأفكار، فليست شيئاً يقدر ملوك على إيقافه، لكني أملك شتى النصائح المفيدة لك، وأنا شديد النفع!"
"وتطرح نفسك بقوة، فلماذا يستميت ملوك مشبوه مثلي في طلبي؟ لا يعقل أن يكون الأمر لمجرد السماح لي بالتجنيد."
"العنة أيها الفتى، أهمس أحدهم لك بأنك بلا رحمة؟ حسناً لا أتباع لديّ لذا أتآكل بطاقة بطيئة، فحتى مؤمن واحد سيصنع فارقاً كبيراً مقارنة بموقفي الحالي."
استرعى ذلك اهتمام بن فعلاً.
"ولِمَ لا أتباع لديك؟ هل انقلب عرقك الأصلي عليك أو ما شابه؟"
"لا، كلهم أموات."
"...إذن كيف أغادر إلى هنا؟ أيكفي أن أجبر نفسي على الاستيقاظ أم ماذا؟"
"انتظر انتظر انتظر! استمع إليّ!"
"أعني، حُذّرت في الكنيسة من ملوك هربوا تاركين شعبهم للموت، ولم أحسب أني سأقابل أحدهم، ربما إن فكرت بأفكار اليقظة..."
"ليس هذا ما جرى! كان اتصالي بعرقي فريداً بعض الشيء بين الملوك فحسب، فحين يموتون يغدون جزءاً مني وهم يعلمون، وبدل الفرار مع نفر وترك البقية ليتولى الغزاة عالمنا، آثروا استراتيجية مختلفة قليلاً."
"أه، وماذا فعلوا؟"
سأل مجدداً وقد عاد اهتمامه رغم أنفه.
"اختاروا تدمير العالم ودمج أرواحهم بي جميعاً. ربما عرقِي ميت، لكنك في الآن ذاته تحدث مجموعهم التام."
إن صح ما زعم فتلك فرقة غير معتادة قط فيما يتعلق بالملوك. ربما لم يلم بالكثير عنهم، لكنه تلقى تعليماً بالصدد ولم يسمع قط بما يشبه هذا. عدا عقلية أي شعب وملوك يرتضون استراتيجية الأرض المحروقة لكوكبهم بأسره، فقد رأى أنه مثير للاهتمام كفاية ليسمع ما سيقوله.
"حسناً، وما عرضك مقابل عبادتي؟"
"الحب والعاطفة."
استدار بن وبدأ بالمشي، فلا بد أن ثمة مخارج هنا مكاناً ما.
"كانت مزحة! مزحة! أستطيع إمدادك بالمعلومات وحدي حالياً، لكن فور عبادتي لبرهة سأقدر على منحك مهارة، امنحني فرصة!"
عرض المهارة صعب التفريط به، ومهما طالت عبادتك لملك فلا ضمان لنيلها طوال حياتك إن لم تحظَ بانتباهه عبر أفعال أو إخلاص. وطبعاً بما أنه مركز اهتمام هذا الملك بالذات فلن تكون المشكلة قائمة.
"وأي معلومات أجنيها لتستحق أمري؟"
"لا تبدو متذمراً إلى هذا الحد. لا أطلب الكثير، صلاة أو صلاتان يومياً، أخبر الناس بعظمتي ليرغبوا في العبا— انتظر توقف عن المحاولة سأصل للزبدة! حين تستيقظ ستصل بلدة ستونوول بعد شروق الشمس بساعات معدودة. تبحث عن معلم يعلمك حرفة الصنعة والتطريز أليس كذلك؟ هناك ربما ثمانية أو تسعة مواضع تتدرب فيها لمهارة واحدة، وأربعة إن أردت التركيز على الاثنتين. ومن تلك الأربعة عليك قصد دكان فالك وإقناعه بقبولك متدرباً، سيجدي نفعاً أقسم لك."
"ولِمَ هو بالتحديد؟"
"لأنه الأفضل الذي ستجده بلا أسابيع أو ربما أشهر من السفر."
خيّل لبن أن ميرايد طقطق بلسانه، لكن أيمتلك لساناً أصلاً؟
قبل أن يستطرد: "يبدو أن وقتنا نفد، إن وافقت نصيحتي حين تراه فاحرص على إلقاء صلاة لي، ونلتقي لنتبادل الحديث ثانية."
فور نطق تلك الكلمات تلاشى العالم، واستيقظ بن على وقع الشمس الساطعة على وجهه.