لم يدر كيف يتعامل مع الإشعار الذي انطلق للتو في عقله. لقد رفع مستوى تلك المهارة قبل دقائق معدودة، وكل ما فعله طوال ذلك الوقت كان التجريب قليلاً بينما كان يتحدث إلى ميرياد، صعوداً وهبوطاً بسرعة تفكير عقوله الكثيرة. بفضل تلك الخليطة ذاتها من السرعة والعقول وجد إجابته، بعد لحظات فقط من تفكيره بالسؤال. عندما حصل على التأمل للمرة الأولى، أتاه بسرعة بفضل امتلاكه ثلة من العقول تحت تصرفه لممارسة المهارة بالتزامن، ولم يكن رفع مستواها ذلك الجهد الكبير مقارنة بما بذله من طاقة في سبيلها للسبب ذاته.
ومثل ذلك الحساب، والعقل الخفي، والقراءة السريعة؛ كلها مهارات استطاع ممارستها عدة مرات في آن واحد مستخدماً أفكاره في الغالب وحده، وها هو ذا يملك الآن رقماً يقزم ما كان لديه من قبل. هل يعني هذا أنني قد أستطيع شق طريقيفي هذه المهارة خلال أسبوع؟ تباً، هذا تفكير ضيق للغاية. طالما أنني حصلت على مهارة عقلية يمكن إنجازها حصراً داخل رأسي، فينبغي أن أكون قادراً على رفع مستواها كالجنون!
أليس هذا جنوناً حقاً؟ ...باستثناء أنه لا توجد في الواقع مهن عقلية أخرى كثيرة أريدها. همم. حسناً، إن حصلت على واحدة أو اثنتين أخريين مع استمرار الحياة فلن يضرني التسرع في اجتيازهن هكذا، وما زلت أملك هذه الواحدة لأكتسحها أيضاً. شعر بنفسه يبتسم قليلاً لمجرد التفكير في الأمر بينما ترك حشده من الأفكار يجرب التحرك بسرعات مختلفة قبل العودة إلى مهمته الأصلية، فالتقط بلورة مهنه ليرى كل التغيرات في كيفية نموه.
المهن المتاحة
مستخدم فخاخ حرفي — مسار الكيمياء حرفي — مسار الفن حرفي — مسار الحدادة حرفي — مسار الطبخ حرفي — مسار قطع الحجار حرفي — مسار الخياطة حرفي مقدّس رياضي صانع أدوات ملعونة دبابة عليا حرفي من عالم آخر حرفي مدمر مغامر خبير بستاني مدنس للارواح ساحر مستدعى ساحر طقوسي ساحر سماوي سيد العقول قناص أعلى ساحر دمار أعلى ساحر مواد خبير قاتل العوالم
قال: "...حسناً، متأكد تماماً من أنني لن أقتل أي عوالم أخرى، لذا بخلاف تلك لدي أربعة خيارات جديدة".
سيد العقول، وقناص أعلى، وساحر دمار أعلى، وساحر مواد خبير، وكلها متغيرات متقدمة مبنية على المهن التي اتخذها في مذبحته الآلية، فضلاً عن المهارات التي رفع مستواها.
قال: "القناص الأعلى مستبعد تماماً، وبكل بساطة. أفهم المنطق وراء سبب أخذ الأولى، لكني لا أتحاج التالية. السؤال هو إن كنت أريد حقاً أخذ أي من الجديدة أم لا".
لم تكن لديه أدنى فكرة عما يجب استهدافه بصراحة. لم يفكر في الأمر نظراً لأنه توقع أن يستغرق كل من الحرفي الجهنمي والساحر الدنس وقتاً أطول مما أخذاه، لكن هذا يعني أنه لم يكن متأجداً إلى أين يتجه من هناك.
تمتم بينما كان يقلب الأمر في رأسه، دون أن فكرة لديه عن الكيفية التي يريد النمو بها: "هل أريد شيئاً بتركيز حرفي، وبشكل أكثر تحديداً تركيز سحري، أو تركيز سحري، أو تركيز عقلي؟".
قرر على أقل تقدير أن سيد العقول مستبعد. كان متأكداً تماماً من أن وعده بعدم تولي مهن عقلية بعد الآن لم يكن مهماً نظراً لأن الألف تقريباً التي يمتلكها في رأسه لم تكن تسبب له ألاماً أو إجهاداً، لكنه لم يجد أي حاجة لأخذها، في الوقت الحالي على الأقل، لكن من هناك لم يكن يعلم حقاً أين يتجه أو ماذا يريد أن يفعل. حائراً، عاد بنظره إلى بطاقته، متمنياً أن يبرز شيء عليها ويساعده لكنه خرج خاوي اليدين.
قال لنفسه: "حسناً، لنفكر في هذا بتعقل".
"أعلم مسبقاً أن السحر يعد مهارة حرفية وبما أن التلاعب بالمواد هو مزيج من مستخدم المواد، والدمار، ومعرفة المواد، إذن ينبغي أن يحصل كل جزء منها على مكافآت من مهني الحرفية أيضاً، لذا فأنا تقنياً أتدرب عليها كلها بأخذ مهنة حرفية، ولكن في الوقت نفسه، مهن الحرفية لا تمنح مكافآت لمانائي وتجديد مانائي، وكلاهما أريد المزيد منه، لذا ستكون مهنة ساحر أو ساحر مواد خبير أفضل، ولكن ماذا سأفعل حينئذ بأي منهما؟".
لكن في اللحظة التي طرح فيها هذا السؤال شعر بأنه استقر في مكانه إذ اضطر إلى منع نفسه من أخذ المهنة التي يريدها في تلك اللحظة وقبل أن يجرب أي شيء. إذا كان بإمكاني فعل ذلك حتى الآن فسيكون استحقاق أخذ ساحر مواد خبير أمراً مجدياً تماماً. أنا بحاجة فقط إلى معرفة إن كنت قادراً على ذلك بمفردي دون سرقة المانا من الآخرين. ومع وضوح هذه الفكرة في رأسه، وضع البلورة جانباً وترك نفسه يركز، وكل عقل يملكه يفكر في شيء واحد.
الحديد. الوزن، والكثافة، والملمس في يديه وإحساس طرقه عندما كان ساخناً بمطرقتم. فكر في معلومات عنه أقل شهرة، ولم تكن متاحة له بسهولة إلا بسبب دروسه مع كويليث. نقطة غليانه ونقطة انصهاره، وبنيته الذرية وكيف ستجتمع معا نسخة ذرات ذلك الواقع لتصنع كلاً أعظم. فكر في اللمعان والوزن، وحتى الطعم الناتج عن دخول أي شظايا إلى فمه. بكل ما يملك، فكر في ماهية الحديد قبل أن يمسك المانا بداخله ويجبرها على الخروج، مخلقاً كرة من تلك المادة في يده بينما تجسدت أمام عينيه.
شعر بالدوار دفعة واحدة، وهوت ماناؤه بشكل صادم من خلق كرة من تلك المادة لا تكبر كرة بيسبول، ولكن على الرغم من ذلك لم يستطع منع الابتسامة من شفتيه بينما كان يمسكها، رافعاً إياها إلى عينيه ليتفحصها. لقد فعلها حقاً. لقد أخذ المانا غير الملموسة وحولها إلى مادة فيزيائية للكون بمعرفته ومهارته. لم يكن يعمه كم كلفه صنع مثل هذه الكمية الضئيلة، فبتجدده لن يستغرق الأمر سوى أربع عشرة دقيقة حتى يتمكن من صنع المزيد ومعرفة ما يمكنه خلقه أيضاً.
"أنا أخذ ساحر مواد خبير".
<تم اكتساب مهنة: ساحر مواد متمرس، المستوى صفر> <منحت مكافآت كبرى لتحسين المانا، ومعدل استعادة المانا، والذكاء> <التلاعب بالمواد وأي مهارات مرتبطة بها ستنال مكافأة نمو كبرى>
غاب حضور تيرا لمساعدته، ولم تتوفر له سبل تذكر لاستكشاف تطور الاتفاق، فانصرف وقته بأسره للتركيز على طاقات سحره الجديدة. انتظر دقائق معدودات قبل أن يشرع في التجربة فوراً، فغمر الكرة الحديدية التي صنعها لتوّها بقوته، وشهد هيئتها تتبدل في لمح البصر من كرة إلى نسخة مطابقة تماماً لرأسه. حتى الشعر الذي تطلب منه سابقاً حفر خطوط في المعدن لمحاكات مظهرة، صار الآن خيوطاً حديدية حقيقية، بالغة الرقة والخفة لولا تمسك المانا بها لتلاشت وتكسرت.
قال: "إذن فقد قفزت سرعتي ومهارتي في تشكيل ما أعمل عليه، هكذا إذن؟ هذا ممتاز، لكنه ليس بالأمر غير المتوقع تماماً. لنرَ كيف نما الأمر في نواحٍ أخرى."
رفع تمثاله النصفي في الهواء مستعيناً بالمانيا وحدها دون اللجوء إلى تدبير توفير النفقات الذي اهتدى إليه سابقاً بالاكتفاء بجزء صغير، بل أطلقها لتغمر الهيكل بأكمله قبل أن يطير به بالسرعة القصوى، مراقباً إياه يتحرك كطيف غائم. شعر بماناه تتناقص أثناء فعله ذاك، لكن ببطء، وبمعدل يمكن احتماله. وإن استطعت فعل هذا فقد أتمكن من فعل ما هو أبعد. عبرت الفكرة ذهنه بوضوح شديد ودفعته إلى اختبارها.
هبّ من فراشه دون إبطاء ليتجه نحو النافذة، وشهد الدمار الماثل خارجاً. انقبض جوفه فور وقوع بصره عليه لكنه قمع الشعور بكل ما أوتي من قوة. يمكنه الشعور بالسوء لاحقاً، فهو يعمل في هذه اللحظة، ففتح النافذة وانتزع من تمثاله قطة معدنية بحجم كرة زجاجية، وشحنها بكل ما استطاع من قوة، ثم أطلقها. مثلت هذه خطوة أخرى تستنزف طاقته لكنها أتت بالنتيجة المرجوة تماماً. اختفت الطلقة الصغيرة في ومضة، وأدرك أنه قادر على إطلاق المزيد، مما يعني امتلاكه أخيرًا لهجوم سحر في ترسانته.
ليس الخيار الأمثل، لكنه قد ينقذ حياته في وقت الضيق. وفي جوانب كثيرة أيضاً. لا يبدو أنني بحاجة إلى تجسيد كل هذه الكمية في كل مرة، بل بوسعي تماماً صنع طلقة وإطلاقها فوراً. يا للهول، ينطوي هذا على إمكانيات هائلة. إمكانيات تتطلب صقلاً. رغم الإثارة التي غمرته، لم يكن جانب القتال هو ما علق بذهنه، بل رغبة ملحة في الغوص أعمق في فعل التجسيد لاستكشاف مدى قدراته، وبينما كانت ماناه تعود إليه، عزم على التركيز على ذلك تحديداً.
قال: "إذن فمعرفتي بالمادة تؤثر على تكلفة المانا، لكنني كنت أعلم ذلك مسبقاً. ما يهم أكثر هو أن كل شيء آخر يبدو قابلاً للتجسيد بالشكل ذاته، باستثناء بضع استثناءات مزعجة."
تمثلت تلك الاستثناءات المزعجة في المواد السحرية، إذ جاء الحجم الذي يمكنه صنعه من كل منها ضئيلاً للغاية مقارنة بالعناصر الأخرى في العالم. بينما استطاع تكوين كمية من الميثريل بحجم حبة عنب كبيرة، انخفضت كمية الموريبوسيال والأوريشالكوم إلى النصف، واستقرت كريستالة المانا البيضاء في حجم حبة بسلة، ولم تتجاوز مادة القوس قزح حبة رمل. بدا الأمر منطقياً، ويا للأسف. فحلقات دروسه مع كيليث حول تلك المواد كانت خفيفة، مما قلل من الخصائص الكيميائية المتاحة لديه أثناء أداء التعويذة، وبدا أن كريستالات المانا لا تحتاج إلى المانا وحدها لتكوينها، بل تتطلب أيضاً كمية تكافئ ما تخزنه في داخلها.
تباً، السبب الوحيد لقدرتي على صنع هذه الكمية الكبيرة من الميثريل هو إلمام قوم ميرايد بالكثير عنه ومشاركة سيدي الكريم لتلك المعرفة. مع ذلك، يظل هذا كله أفضل حالا من حجر الموت على الأقل. لا يمكنني التحايل على الأمر باستخدام الاتفاق، لذا يلوح لي أنني أصنع مواد سحرية مجردة من الانتماء من الآن فصاعداً. سيكون ذلك تمريناً جيداً على الأقل. بناءً على نتائج اختباراته اللاحقة لاستعارة المانا، احتمل الأمر إمكانية تخليه عن الشراء من أبروس وپيلينيا، مستعيناً عوضاً عن ذلك بمانا تيرا لصنع ما يحتاجه.
بدت الفكرة جذابة وواعدة بتقديم خبرة ممتازة لمهنته ومهارته على حد سواء، لذا جدر به تجربة ذلك لاحقاً. في سياق آخر، بدا وجود زيادة طفيفة في التكلفة إن كان بصدد صنع مركبات تتألف من عناصر مختلفة، لكنها لم تبلغ البتة الحد الذي توقعه. بدا أن معرفته بما يرمي إليه وقدرته على تصوره بدقة كفيلان بمنعه من استنزاف ماناه بأكملها. أفضى ذلك مع ذلك إلى اختبار مختلف، وهو الاستخلاص.
بخلاف ما مضى، بات قادراً الآن على دمج مادتين مختلفتين أو أكثر تماماً وفصلهما مجدداً بسحره وحده، إذ تفوق مستوى تحكمه بمرات عديدة ما كان عليه في الماضي. وسأحرص على مواصلة تحسني أيضاً.
<ارتفع مستوى سرعة التفكير السريع>
يبدو أنه صنع أشياء كثيرة. رن الإشعار في رأسه وسمع صوت الباب يفتح في الوقت عينه، لتعود ثيرا ويبدو عليها الإرهاق الشديد من مهمتها، قبل أن تحمر وجنتاها خجلاً فور رؤيته.
"ألم تكلف نفسك عناء ارتداء سراويل طوال اليوم حقاً؟"
"آه، لقد انشغلت قليلاً، آسف"، قال ضاحكاً وهو يسرع لارتداء ملابسه قبل أن يتقدم لمعانقتها.
"إذن إلى أين ذهبت، لقد أصبح الوقت متأخراً جداً؟"
"تباً، لقد كان يوماً طويلاً حقاً"، تذمرت وهي تسند رأسها إلى صدره.
"كان عليّ الذهاب لإقناع الملوك العظام أساساً بعدم التخلي عن العالم، ومن هناك رأيت مستشفى مكتظاً بالمرضى فدخلت للمساعدة لكنهم سألوني بعدها إن كنت مستعدة للذهاب إلى مستشفى آخر ولم أستطيع الرفض، وآمل حقاً حقاً أن تطبخ العشاء."
سألت وهي ترفع نظرتها إليه، مما انتزع منه ضحكة وهو يشرع في فعل ذلك بالضبط مبادراً بإخراج المكونات المحفوظة في الغرفة، لتتحرك هي بجانبه للمساعدة بعد لحظة واحدة فقط.
"يمكنك الاسترخاء، كما تعلمين"، قال لها.
"لقد قضيت يوما هادئا للغاية. اذهبي وأريحي نفسك."
"هذا يعد استرخاءً. إذن ما الذي فعلته اليوم، لأن هناك الكثير من الأشياء في الغرفة لم تكن هنا من قبل؟"
"آه، القليل من هذا فقط"، قال برغبة في التفاخر وهو يمد يده أمام عينيها، مجسماً كتلة من الفضة على شكل زهرة صغيرة قبل أن يناولها إياها.
"لا أستطيع البدء في التعبير عن مدى غيرتي الجنونية"، قالت وهي تأخذها وعيناها متسعتان من الدهشة.
"لا يوجد الكثير من السحرة الأحياء في أي وقت يمكنهم تجسيد مانا الخاصة بهم يا بن، وأنا متأكدة تماماً أنك الوحيد الحي الذي يستطيع فعل ذلك بسحر غير منتمي."
"آه يا للروعة، ستجعلينني أخجل. على أي حال، احتجت إلى التجربة بهذا كثيراً اليوم لذا كان هذا معظم وقتي، لكني آمل أن تدعيني أختبر كيف تغير الاتصال معك بعد أن نأكل؟"
"بالتأكيد. ما زلت غير مصدقة أنك حصلت على مهارتين جديدتين مستيقظتين."
"أه، ثلاث في الواقع."
لم يتحدثا عن التغييرات التي طرأت على حالته في الليلة السابقة، إذ أرادا تجاهل العالم والتركيز على بعضهما بعضاً لفترة، لكن الأمر لم يكن مما يمكنه إخفاؤه عنها للأبد فأخرج بطاقته أثناء الطهي وناولها إياها، مراقباً وجهها وهو يتفاعل مع كل تغيير تراه.
"حسناً، هل أنت متأكد من أن الاتصال بي لن يقتلني؟"
كان هذا أول ما سألته.
"أعني، كل مهارات عقلك المفقودة ذهبت إلى التركيز، أليس كذلك؟ الاتصال بك سيعطي الناس صداعاً بالفعل، والعقل غير الطبيعي يبدو ينذر بالشر. هل أريد حقاً معرفة عدد العقول الموجودة في رأسك الآن؟"
"أحم، تسعمائة وثمانية وتسعون عقلاً عادياً جداً ومعقولاً جداً"، أجابها بحرج بينما كانت تحدق فيه بانتظار أن يقول إنها مزحة لكنها لم تلق شيئاً.
"لا يمكنك أن تكون جاداً."
"أنا جاد لسوء الحظ."
"لقد رأيت ما حدث في المرة الأخيرة التي انقسمت فيها عقولك يا بن، كيف لم يقتلك هذا؟ سيكون الأمر صادماً حتى لو كنت تعاني من آلام مبرحة فقط."
"وفقاً لـمارياد وأي ملوك تحدث معها حول الأمر، يبدو أنهم يعتقدون أنني أفكر بروحي الآن. دماغي الآن مجرد ديكور لطيف يدير عمليات جسدي، هذا كل ما في الأمر."
"حسناً، هل الاتصال بك سيقتلني إذن، لأني متأكدة تماماً أن استشعار ذلك سيُفجر دماغي."
"مهلاً الآن، لقد اندمج عقلي الخفي من المستوى التاسع فيه أيضاً، سيكون الأمر على ما يرام. لن أطلب منك ذلك لو ظننت أنني سأؤذيك، كما تعلمين."
"مم، صحيح"، استسلمت، رغم أنها بدت قلقة مع ذلك.
"في هذه الحالة، أعتقد أن لدي متسعا من الوقت حتى ننتهي من الأكل لأجهز نفسي."
"سيكون الأمر رائعاً. ربما أفضل من رائع، لا تقلقي."
"أنا قلقانة تماماً."
بعد وجبتهما البسيطة، شرعا في العمل، وكان لدى بن أمران رئيسيان ليختبرهما. كيف يمكنه سحب المانا من شخص ما، والمدى الذي يمكنه استخدام مهارته ضمنه الآن. أمسك بيد ثيرا وتصلب بها بحرص، حريصاً على أن يتوزع جلّ عقله بين التأمل وحجب كل شيء، فقط ليتأكد من عدم تسرب أي وميض إليها بطريقة تسبب لها الإزعاج بينما يواجه أمراً لم يتوقع قط التعامل مع مثله. كان يرى بعينيها. لقد مرّ بالأمر ذاته حين اتصل بنسخته في اختبار أنايليا، وكذلك حين اتصل بمسخ بشري، لكنه لم يفعل قط مع شخص عياني.
في الحقيقة، كان يختبر حواسها كلها، يرى نفسه كما تراه، ويشعر بنبض قلبها ودفء وجهها. لم يستطيع التأثير في أي من ذلك بنفسه، لكن الأمر كان بالفعل أكبر بكثير مما توقعه. إذن يبدو أن الاتصال العميق اسم ملائم تماماً. كان الأمر مشوقاً وغير متوقع في آن، لكنه لم يكن ما يبحث عنه تحديداً، فانتقل إلى استشعار مهاراتها، متأكداً من قدرته على الاغتراف منها كما ظنّ أنه قادر، فاستبدل على الفور اثنين من خواتمه الأربعة المدمرة، محصلاً المستوى الأول من سحري الأرض والحياة الروحيين لديها.
لم يكن لديه أدنى فكرة عما كان يحاول فعله حين دُمِّرَت، لكن ذلك ترك له حاجة ملحة لاستبدال خواتمه الخاصة بالفضاء والحاجز ليعود إلى مجموعته المعتادة التي يحرص على الاحتفاظ بها معه. رغم أنني أحتج إلى استبدال كل شيء في الواقع، أليس كذلك؟ عليّ جمع كل المهارات المُتوقظة الممكنة، وتكون السحريات أولوية. ربما زيارة لجيك ومعلميه أمر واجب. كان ذلك أمراً يقرره لاحقاً. ومع نجاح الأمر تماماً كما تمناه بيأس طوال شهوره في محاولة إيقاظ الاتصال، انتقل إلى محاولة استشعار مانا الخاصة بها، بالطريقة ذاتها التي يفعلها كلما صنع لها دعامة جديدة، غير أنه شعر هذه المرة بنفسه يلتحم بها بدلاً من إفلاتها من قبضته كما حدث حين حاول للمرة الأولى منذ زمن بعيد، واضطر لبذل جهد كي يمنع ابتهاجه الخالص من التسرب بينما أخرج بطاقته، ومادّ سريعاً حبة من بلور المانا القزحية ليمسح مخزونه الداخلي ويحاول جلب شيء من مانا الخاص بها، ليجري الأمر على نحو يختلف عما توقع.
كان يظن أنه سيقيس مدى سرعة سحبها إليه، لكن التجربة جاءت مغايرة. ما حصل عليه لم يكن تدفقاً مستمراً، بل دفعة واحدة بلغت مئة وتسعة وستين، وهي ما تجمعه نسبة عشرين بالمئة من مانا الخاصة به. استطاع الاستمرار في سحب المزيد منها لتعويض ذلك، لكنه لم يستطع منع نفسه من التفكير في أن أمراً آخر كان يجري. وحتى إن استطاع مواصلة الاغتراف، فإن الكميات التي تمكن من تجسيدها دفعة واحدة أثناء المعركة لم تبدو منطقية إن كان هذا ما يحدث بالفعل، لذا تكلم راغباً في تجربة شيء آخر.
"ثيرا، أيمكنك خدمتي ومحاولة تمرير مانا الخاصة بك من خلالي كما تفعلين بعصا سحرية؟"
في العادة، لن يصنع ذلك شيئاً إن لم يكن أشبه بتعويذة شفاء تؤثر في جسده، لكنه كان يحاول اكتشاف حدود مهارته فنفذت ما طلب، دافعة بما بدا لها كمية ضئيلة بينما تعامل مع تجربة عجز عن صياغتها في كلمات لكنه علم أنها فظيعة. تُخزَّن المانا في الروح، فكيف يو المرء شعور حشوها بهذا القدر؟ لم يمر بشيء قط شبيه بذلك، على الأقل لا شيء يستطيع تذكره، لكنه أراد إخراجها منه بأسرع ما يمكن، فصنع مجدداً بعض بلور المانا من تلك المانا، منتهياً هذه المرة بكمية تضاهي ظفر إصبع حين ابتعد.
"حسناً، إذن هذا ليس ممتعاً للغاية"، تمتم.
"ولكن من جهة أخرى، إن لم يمزق مرور سبعة ملايين مانا خلال روحي روحي إرباً، فلا بد لي من افتراض أنه غير ضار في معظمه، وقد يجعل التوفير الأمر يستحق العناء".
"إن كان مؤلماً فلا تقلق بشأن توفير المال"، قالت له ثيرا بحزم.
"أنت غني بالمعنى الحرفي".
"آه، لكن إن لم أكن بحاجة لدفع أي تكاليف مادية فسأكون أغنى"، قال لها ضاحكاً.
"ولكن يبدو أنني أستطيع الاغتراف منك دون الحاجة لتمرير مانا الخاصة بك عبري، لذا قد أفعل ذلك عوضاً عن ذلك، حتى وإن استغرق الأمر وقتاً أطول قليلاً للوصول إلى هذا النوع من الحجم. حسناً، وإن كنت هنا أختبر إن كان بإمكاني أخذ أي شيء جديد، فسيكون الأمر رائعاً حقاً، حقاً، إن... كلا، لقد فشل ذلك. اللعنة".
ما زالت عاجزاً عن التضمين بتقارب الآخرين، وهو ما لم يستطع إلا اعتباره مخزياً. لو استطاع فعل أمر كهذا لهبطت تكاليف المانا لديه بشكل ملحوظ كلما ضمن أي شيء، لكن بالنظر إلى كل الطرق الأخرى التي نمت بها المهارة، كان ذلك خيبة أمل طفيفة.
"أوه حسناً، لا يمكن المرء الفوز بكل شيء"، تمتم لنفسه قبل أن يعيد تركيزه إلى ثيرا.
"دعنا نرى، أظن أنه قبل أن أجرب أجزاء المسافة الجديدة من مهاراتي، ينبغي عليّ أيضاً معرفة إن كان هناك أي تغير في جوانب العقل إن لم يكن لديك مانع؟"
"حسناً، بما أن مهاراتك لا تبدو قاتلة لي، فامض قدماً".
مع إنجاز الاختبارات الأولى، باتت أقل تردداً بكثير فأمسك بيدها مجدداً، متصلاً بها لكن منتبهاً لأفكارها، لا لمانا الخاصة بها أو مهاراتها. شعر حقاً بأنه يلتقط قدراً أكبر قليلاً من الدقة مقارنة بالعادة، لكن هذا كان كل شيء. مجرد رؤية طفيفة تحت السطح، ولكن بطريقة غير مجدية، على الأقل ليس حتى حاول الضغط أكثر وشعر بنفسه يعبر إلى الطبقات الأعمق من عقلها بينما ومضت ذكرياتها الأخيرة أمام عينيها وابتعد.
"...حسناً، أجل، أستطيع رؤية أن هذا قد يكون مفيداً إلى حد اللعنة بناءً على الظروف".
"أوه ملوك، ماذا؟ ماذا فعلت للتو؟"
"لا شيء سيئاً، أقسم لك، يبدو فقط أنني أستطيع قراءة الذكريات فوق العقول الآن".
كان أمراً يحمل إمكانية امتلاك استخدامات عديدة، لكن أياً منها لم يعنِ له الكثير حقاً. فالجوانب التي شهدها مسبقاً كانت لها تطبيقات أكثر صلة بعمله بكثير، فانتقل إلى الاختبار الأخير إذ أفلت يدها لكنه أبقى الاتصال قائماً وابتعد حتى انقطع. حوالي مترين. يُفترض أن ذلك يعني متراً لكل مستوى ما لم تزداد المسافة أكثر مع كل مستوى بدل أن تكون ثابتة، لكن في كلا الحالتين الأمر ممتاز.
علاوة على ذلك، وبالتكامل مع مهاراتي الأخرى، قد يكون هذا مفيداً حقاً، حقاً. يبقى أن أرى كيف يعمل مع الجوانب الأخرى. أعاد الاتصال، محاولاً اختبار الأمرين الآخرين اللذين فعلهما ووجدهما يعملان معاً. استطاع سحب مانا الخاصة بها عن بعد، حتى وإن تعذر عليها تحريك مانا خاصتها عبره بهذه الطريقة، فضلاً عن التضمين بمهاراتها، مما جعله عاجزاً عن كبح البججة التي جلبها له رؤية نمو مهارته.
وفي حين نما الصنع والتضمين والسحر لديه عمقاً، بدا الاتصال أقرب مقارنة لطريقة إيقاظ التدنيس، نامياً ليحقق اتساعاً أكبر بكثير. وهناك الكابوس المتمثل في العقل غير الطبيعي الذي بدا وكأنه نما في الاثنين معاً. أصبح لديه الآن ست مهارات متوقظة، كلها قوية وكلها سعيد باستخدامها بكامل طاقتها. كان بإمكانه بالفعل تصور طرق للجمع بينها، لكن معظمها لم يكن شيئاً مقارنة بزوجة الأهم.
التضمين والاتصال، وما إن يجمع المزيد من المهارات المتوقظة لصنع خواتم بها، حتى يصبح في طريقه بقوة لصنع أغراض أسطورية، وربما يتجاوز ذلك أيضاً. لم يسبق أن وُجِدَ مضمن في العالم استطاع الوصول إلى هذا العدد من مهارات المستوى الثاني كما يفعل الآن، ولم يسعه الانتظار لاختبار الإمكانات التي ترافق أمراً كهذا.