راحت تتجاهل صخب المعركة الدائرة حولها قدر استطاعتها وهي تسابق الزمن لمعالجة المعالجين المصابين. لم ترفع عينها إلا لتتفقد السماء بحثاً عن أي طائر يندفع نحوهما. دفعت طاقتها لإصلاح العظام المحطمة ورتق الجلد ووقف أي نزيف داخلي تصله يداها، لتضمن نجاة كل من وُضعوا في عهدتها مما وقع. لكنها فشلت عندما اخترق هجوم الشيطان تحصيناتهم. هكذا بكل بساطة. كانت هي والكثيرون غيرها في ذلك المكان خصيصاً لحماية السلاح، وحدها مَن مُلِكت القدرة على صدّ الضربة.
غير أن ترددها في اللحظة الحاسمة منعها من فعل أي شيء قد يساعد. لم تدرك المهارة النادرة التي أطلقها الكائن ضدّهم إلا وهو راقد حطاماً على الأرض؛ إبطال السحر. لا بدّ أن المهارة تشبّعت بها الصخور الملقاة لتخترق أي حاجز محتمل، تاركة إياها عاجزة عن إيقافها حين تقاذفت نحوهم. مدّت يدها وحدها متوهمة أن مخزونها سيكفي، بينما كان عليها أن تلقي شيئاً في طريقها لتعيقها جسدياً بدلاً من الاكتفاء بالثقة العمياء بنفسها.
لكن الأوان قد فات. لا جدوى من الندم الآن. كل ما تستطيع فعله هو مواجهة الموجة التي توشك أن تكسر حاجزهم عاجلاً لا آجلاً. لتبذل ما بوسعها وتمنع شيطاناً آخر من التغلغل في العالم. وما إن تأكدت أن المرأة التي عالجتها لن تموت حتى تحرّكت لتؤمن لها المساعدة الضرورية، فهرعت إلى جانب عمتها لتتعهد عمّها. لم تكن بحاجة لتسأل عن حاله، فقد رأت ذلك بوضوح تام. عالجت الإصابات البليغة أول وصولها إليه قبل الالتفات إلى الآخرين، لكنّ البقية باقية.
شظايا معدنية وحجرية غائرة تحت لحمه انتزعتها بسحرها قبل أن تغلق الجروح بتعويذات أخرى، محاولة تعزيز حيويته قدر الإمكان وتقليل الآثار الخفية للتلف الكامن تحت السطح. احتاجته ليعود إلى كامل لياقته حين أفاق أخيراً رافعاً كفاً كبيرة إلى وجهه.
قال متذمراً ما إن استطاع الكلام: "تبّاً، ملوك السماوات، ماذا جرى؟"
وألقت عمتها ذراعيها حوله بينما تقدمت ثيرا لتشرح.
"عجزت عن صدّ هجوم على السلاح فتحطّم".
اكتنف صوتها شعور كثيف بالذنب كاد يقضي عليها من فرط الإحساس بالفشل، غير أن فالك اكتفى بإلوح بيدٍ ليرفض الأمر.
"إن عجزتِ أنتِ عن صده فلن يستطيع أحد هنا فعله. الآن، ما وضع المعركة؟"
جهلت الوضع تماماً، فقد انحصر تفكيرها في العلاج حتى تلك اللحظة، لكنها ساعدته على النهوض لتفقد الأمر. تطلّع الجميع نحو نقطة الغزو، فشاهدوا الفوضى والمجزرة تنتشران. أما فالك وصونيا فكانا يريان المعارك الدائرة، ومجموعات شتى تحاول الصمود بوجه ثقل الحشد، ممسكة بخطوطها ما استطاعت لمنع أي اختراق، وكان لديهما من القوة ما يكفي لإبقاء الوضع كذلك. هؤلاء أناس تمرّسوا وصقلوا أنفسهم تحت تأثير النظام؛
أما الكائنات التي جُلِبت إليه بعد ثوانٍ من اندلاع الحرب فلم تمنح فرصة النموّ في ظله فتعرّضت للذبح، غير أن تفاوت المهارة يضمحل أمام كثرة الأعداد. وحتى إن مات فرد واحد مقابل كل مئات الشياطين، فقد علِما أن الصمود لن يدوم. مع ذلك، رأت ثيرا أبعد من ذلك بكثير حين تطلّعت حولها، فرأت ذات المشهد القائم منذ وصولهم. امتلأ الهواء بالأرواح، يفعل كل منها ما بوسعها، فتتسبب ببروز نتوءات أرضية مفاجئة من الأرض لتخترق بعض الشياطين بينما يحترق آخرون أو تُستنزف حيويتهم، ناهيك عن أفعال أرواح النور والحياة، إذ يبذل كل منها قصارى جهده لمداواة ما يمكن مداواته من الجروح، ليُنقذوا مَن كان ليصرع لولا تدخلهم، مما يتيح لهم القتال لفترة أطول.
وحتى هذا لن يكفي. فما من قصص كانت لتعدّهم للواقع الحقيقي، ولم يبقَ سوى التنفيذ؛ رفعت عصاتها وبدأت تلقي تعويذاتها. أولها شفاء الأرض، فغمرت اليابسة بماناها لمساعدة الواقفين حولها قبل أن تنتزع قطعا ضخمة من الأرض تلقيها نحو البوابة وتراقب هبوطها مسحقة كل من كان سيّء الحظ ليعترض طريقها. بماناها، استطاعت حتّى من مسافة بعيدة زرع مستوى من الدمار يعجز جلّ الناس عن تخيله، ومع ذلك لم تفلح في ترك أثر يُذكر بينما أطلق عمّها هجماته الخاصة بشكل أكثر انضباطاً، فانطلقت مانا الموت منه فرائص ورصاصات صُوّبت حيث استطاع الضرب بيقين، بينما حاول المتقاتلون الصمود بأفضل ما أمكنهم، منتظرين النداء المرتقب للعودة إلى قواعدهم المحصنة، ليتركوا الوحوش تمرّ بينما يشنّون هجمات بعيدة المدى من مواقع أكثر أماناً.
كان قلبها يخفق من عبثية المشهد كله، وتشعر كأن العالم قد ضاع بالفعل، إلى أن طرح عمّها سؤالاً زاد الطين بلة.
"أين الصبي؟"
وما إن غادرت الكلمات شفتيه حتى التفتت برأسها بحدة، محاولة العثور عليه فلم تجد شيئاً. حين انشغلت بالعلاج افترضت ببساطة أنه بقي بالقرب، لكنه اختفى تماماً وسط الفوضى المحيطة وشعرت بالذعر يتصاعد داخلها. إن كان في خطر فمهاراته محدودة، ولا علم لها إن كان قد اصطحب سلاحاً معه؛ فقد انضمّ أصلاً للعمل على صيانة آلة لم يعد بالإمكان إنقاذها. وفي غمرة بحثها اليأس، كشف ومضة ضوء عن مكانه، فجذبت الأنظار لا إلى حطام السلاح فحسب، بل إلى بن الواقف هناك ممسكاً بكرة معدنية بيد بينما تمتد الأخرى نحو المعركة وسيل من المانا يتدفق داخله.
استيقظت إحدى مهاراته، لا تدري أيهما، ولم تكترث للتخمين في ظل ما يحدث. جلّ ما اهتمت به هو الوصول إليه لسحبه إلى أي ملجأ قد توفره مجموعتهم، لولا أن توقفت قبل خطوتها الأولى وهي تشهد ما بدأ يحصل حوله. أمام مباشرة، بدأت الحصى ترتفع في الهواء، لا واحدة أو اثنتان أو حتى عشر، بل الآلاف، إلى أن تلاشت في الثانية التالية بطرفَة عين، مما جعلها تشكك فيما رأت عيناها. سحر الفضاء؟
لا، لا تكوني حمقاء، بن لا يستطيع استخدام سحر الفضاء. لكن المهارات التي يملكها لا تؤهله للتحكم بالأشياء عن بُعد أيضاً، بل يحتال عليها نوعاً ما ببضع وسائط. فما الذي فعله إذن؟ تلقّت الإجابة حين أدارت رأسها قليلاً نحو المعركة هناك، حيث ترقد الآن آلاف جثث الشياطين التي كانت تهاجم قبل ثوانٍ فقط، إثر إطلاق رصاصات أرضية بإرادته بسرعة كافية لاختراق أي شيء يعترض طريقها والمضي قدماً بعدها.
لكنّ سحره يعجز عن فعل شيء كهذا أيضاً، ليس بالشكل الطبيعي على الأقل، فهل أيقظه للتو؟ وإن لم يكن، فبحق الجحيم ما الذي يحدث له؟ شعرت بعينيها تنجذبان نحو الكرة التي بيدها، نفس الشعور غير الطبيعي الذي انتابها كلّما نظرت إلى السلاح تنبعث منها، قبل أن يرتد انتباهها إلى بن وما فعله تالياً. في ثوانٍ معدودة راقبوه فيها بعد استيقاظ مهارته، محاولين فهم كنه ما يجري، سُحبت المزيد والمزيد من الأرض، وابل مستمرّ مزق الشياطين أدنى منه أسرع من أن تدركه العين، بينما تخطّت كل طلقة الحلفاء ببراعة رغم كثافة الهجمات التي يرسلها، ولم يقتصر الأمر على ذلك.
رافق تلك الطلقات سحابة أخرى من التراب تطفو خلفه، فتتفتت إلى أدقّ غبار وتتشكل مجدداً ككتل أكبر مراراً وتكراراً بسرعة جعلت الهواء يبدو كأنه يهتزّ مع التغيّم قبل أن يتوقف ذلك وتتخذ السحابة شكل عشرة أعمدة طويلة، بينما استمرّت الرصاصات المنبعثة في الانطلاق، وطفى أول أسلحته الجديدة نحو يده لامساً إياها بلطف. وما إن حدث ذلك حتى تحول إلى غبار مجدداً كما فعل سابقاً، ولم يقتصر الأمر على العمود.
بتعبير جامد وفارغ، نظر إلى اليد التي دمرته بينما انهارت إحدى خواتمه السحرية إلى غبار، فحاول مجدداً بأخرى تلو الأخرى، ليحدث الشيء ذاته في كلّ مرة قبل أن يبدو وكأنه استسلم، تاركاً ما تبقى منها ينهار على الأرض بينما بدأت قطرات الدم تسقط من رموشه.
صاحت ثيرا: "بن!"
لتستفيق من ذهولها حيال ما تراه محاولة الركض نحوه، لولا أن أوقفها ذراع قوي جذبتها.
"عمّاه، ماذا تفعل!"
أمام إلحاحها، تحدث فالك بهدوء.
"يا صونيا، اذهبي لعلاج الصبي. يا ثيرا، علينا أن نثق فحسب بأنه يعط دراية بما يفعله، فلدَينا مشاكل أكبر".
نظرت إلى حيث أشار، محولة بصرها عن بن لترى ساحة المعركة، ومعها الجيش الواقع بينهما وبين نقطة الغزو وهو يتهاوى تحت الهجوم. لم يُقتلوا جميعاً ولا يزال الكثيرون يقاتلون، لكن خطوطهم اخترقت كغيرهم من المواقع، ممّا يعني أن المدّ يزحف نحوهما. ومع كرهها للأمر، أدركت قصد عمّها إذ ركضت عمتها لتنفذ ما أمره به، تاركة إياهما يقاتلان بينما اتخذت ثيرا قرارها. مع تدفق وحوش مبيدة للعوالم نحوهم، لم ترغب في وصول ولو واحد منها إلى بن أو عمتها، بل أرادت تركيزهم كاملاً عليها، فألقت تعويذة مظلمة.
تعويذة بدت أقرب إلى طبيعتها من أي سحر آخر تتقنه، ورغم أنها مقتتها بكل ما تملك؛ السحر الجاذب. وبحكم كون المانا المظلمة الكامنة فيها طبيعية هكذا، لم تحتاج حتى لتكبد عناء تطبيق تأثيرها لتلقيها كتعويذة بدلاً من التأثير الكامن الذي تعاملت معه عادة، بل كل ما تطلبه الأمر هو توجيهها، مسلطة قوة ماناها لشدّ كل وحش وجلبه نحوها، دون إعطائه فرصة للتفكير في قصد مكان آخر بينما تصلبت أعين الحشد نحوها دفعة واحدة، وجعلتها غرائزهم هدفهم الأوحد فضغطت بعصاتها على الأرض فور اقترابهم لتفعل سحرها الأرضي.
بسبب تمركز تركيزهم الكامل عليها واستهلاكهم بتأثيرها شبه المجنون، عجز حتى من هم خلف الضحايا عن رؤية ما تفعله بمن هم بالامام، لفرط ضيق أفق رؤيتهم حيث تغير هيكل الأرض تحتهم، لتصبح كثافة التربة أخفّ من الماء، ممّا جعل كلّ من الوحوش أمامها يغوص في أعماقها، عاجزين عن الطواف في ذلك الوضع الغريب وهم يغرقون في التراب. أمّا القلة الذين نجوا من التعويذات القوية الفاعلة، فتعامل معهم عمّها بسحره، منزعاً حيويتهم وممنيحاً إياها المتسع لتفقد بن.
من ذعر وجه عمتها إلى كميات الدم المتزايدة المنبثقة من وجهه، لم تستطع سوى الشعور بقبضة تعتصر قلبها لحقيقة أن ما تفعله صونيا لم يكفِ لتعويض ما يحمّله لجسده، لكنّ الرعب تحول إلى صدمة بعد ثانية. كان لا يزال واقفاً هناك، ويده ممتدة وهو يطلق آلاف الرصاصات الأرضية، تزامناً مع وقوع تغيير آخر. وللمرة الثانية ذلك اليوم، انفجر جسد بن ضياءً، باهتاً بصورة تخطّئها العين لولا ترقبها له حين حدث ورغم ذلك كان جلياً، وترافق مع كرات حجرية بحجم القبضة، تجاوزت العشرات ولم تتطابق اثنتان منها قبل أن تتكسر وتُطلق، لتعقبها أخرى.
ليس حجارة هذه المرة فحسب، بل معادن وجليد، وما أقسمت ليكون عظماً ومواد تعجز عن تخمين هويتها حين اتضح ما كان ليفعله فكادت استحالة الأمر المطلقة تدفعها لإنكار ما رأت عيناها. كان بن يجسّد ماناها. انسَ محض صعوبة فعل كهذا، وانسَ حقيقة أنه إلى جانب القوة الظاهرة، فإن الحجم الذي يصنعه لم يكن ليتأتى بمخزون مانا لديه، بل ما جعله لا يصدق هو ما استخدمه للقيام بذلك. لم يملك بن سحراً متأصّفاً، من ذلك الطراز الذي يملكه قلة في العالم ممن يقدرون على تلك التعويذة الجنونية ذاتها.
ما امتلكه كان مهارة مستخدم المواد، أو أياً ما استيقظت لتكونه للتو، مما يعني أن كل ما فعله أُنجز بمانا صرفة. إن كان ثمة ما سيوقظ مهارة، فهذا حتماً سيفعله، لكن بدا أن تلك لم تكن الغاية النهائية لفعله، بل البداية بينما راح يصنع المزيد فالمزيد من كرات المواد، ليطلقها فور تكوينها إلى أن توقف أخيراً، محققاً مبتغاه بصنع ما لا يقل عن عشرين كرة معدنية بحجم الرأس قبل أن يوسّعها جميعاً إلى حجم فاحش، بلغ حجم كل منها حجم عربة ومركّزاً عليها مجدداً، بينما بقي وجهه جامداً بلا تعبير قبل أن يطلقها تترى، مستهدفة كل منها غرضاً واحداً أثناء عبورها عبر البوابة التي تتدفق منها الشياطين جميعها.
لم تفهم الغاية لكن بدا أنه نال مراده من ذلك إذ كرر العملية، صانعاً المزيد مع ظهور المئات وتتبعها لذات المسار، عابرة الفجوة بين العوالم إلى أن حدث ما لم يشهد قطّ طوال أي غزو معروف عبر مئات العوالم. تلاشت البوابة. لسهوة واحدة سكنت ساحة المعركة. جاهد كل جندي لاستيعاب ما يرى، حتى إن الشياطين بدت وكأنها أدركت فطرياً أن خطباً ما قد وقع، غير أن ذلك لم يمنع كون الجميع هناك عالقين في معركة من أجل حياتهم.
يمكنهم البحث عن إجابات لاحقاً. استمرّت مذبحة ثيرا، لكن مهما نجح بن في تحقيق ما فعله، فقد تجاوز حدوده جلياً. بدأ جسده يتداعى على نطاق يشبه ما حدث حين ملأته يوزو بقوتها الجامحة، وكعمل أخير جعل الحاويات المعدنية الكبيرة القليلة الباقية تختفي وكأنها لم تكن قط قبل أن ينهار في ذراعي عمتها. كل ما رغبته هو الركض نحوه، وغمر جسده بسحرها المنقذ للحياة، لكن إن توقفت عما تفعله فسيُمات المزيد من الناس، فلم يكن بدّ من كزّ الأسنان والثقة بعمتها بينما تعاملت ثيرا مع البقية الذين جذبتهم بسحرها الجاذب، ليُقتل المئات غيرها قبل أن تتمكن من الانتقال إلى رغبتها الحقيقية بفعل ما يلزم لضمان سلامته.
<ارتفاع مستوى سحر الارض الروحي> <ارتفاع مستوى السحر المظلم> <ارتفاع مستوى سحر الجاذبية> <ارتفاع مستوى تحسين معدل استعادة المانا>