حين عادت ثيرا، جمع بن الأغراض الأساسية التي يحتاجها ليبدأ التحقق مما إذا كان ما يفعله ممكنا أصلا. أحضرت له ثيرا صفائح من الماس من أنيليا قبل أيام، مئة صفيحة، يبلغ سمك كل منها سنتيمترا ومساحتها مترا مربعا، لتؤدي غرضا واحدا فقط؛ أن تكون وسيطا للتعويذة. عادة ما يُلقى السحر عبر الهواء أو الماء بحسب موطن المخلوق الذي يؤديه، لكن ذلك لم يكن خيارا متاحا لبن. لم يكن قادرا على إطلاق التعويذات بساطة، بل احتياج إلى تفحصها عبر عدسة التطشير، مع ضمان بنيتها مثل تعويذة عادية لا عبر أي من أنظمة التطشير التي عهدها.
لمواجهة تلك القيود، تمثل ما توصل إليه في فكرة صنع شرائح من التعويذة تباعا على صفيحة قبل جمعها كلها معا وترك المانا تتدفق عبرها ليرى النتيجة، محتفظا بالتعويذة جوهريا داخل مادة صلبة. لقد كان حلا بديلا ممتازا لمشكلة صعوبة الاختبار، رغم ما شابه من عيوب. تمثل أحدها في أن تعويذة الاستدعاء لا تدمج المانا وحدها، بل والإيمان أيضا، رغم يقينه من أن الملوك وهو قادرون على حساب الفارق في النهاية.
تمثلت المشكلة الأكبر بكثير في مقدار الوقت الذي سيستغرقه اختبار كل جزء. كانت تعويذة الاستدعاء ضخمة. ضخمة بلا معقولية. ظنها حين تفحصها أول مرة بحجم منزل كبير، وما زال ذلك رأيه. اعتقد أنها فكرة صديدة حين طلب من ميرايد تقطيعها لأجله، لكن ذلك أجبره على النظر في جانب لم يضطر لتأمله من قبل. الحجم. بقسيم العمل بأسره إلى أمتار مكعبة، تركت له رقما سخيفا تماما يبلغ ثمانية آلاف ومئة قطعة ليتفحصها، مع الكثير غيرها في الطريق.
عزاؤه الوحيد تمثل في غياب أي من أعمال التفصيل المماثلة التي رآها في محاكمة غالواكس بعد تحسن فحص المانا لديه. وقع كل ما وُجد ضمن قدرته الحالية على نسخه بتطشيره، مما يعني عدم حاجته لمزيد من تقسيمها خصيصا لاختباراته. لكني ما زلت أنظر إلى ماذا؟ أشهر أو سنوات من العمل لو تركزت عليه وحده؟ سأتمكن نظريا على الأقل من تقليص الوقت قليلا إن استطعت تأكيد أي من التأثيرات العديدة، لكن اختبار كيفية تفاعل كل شيء معا لا يزال قائما، وبعد انتهائي من اختبار الأجزاء سأحتاج للذهاب ودمجها في أقسام ثنائية في ثنائين للتأكد من عدم تغير الكثير أثناء تفاعلها مع بعضها، ومن هناك أصنع أقساما رباعية في رباعية، وفي تلك اللحظة ستكون تكلفة المانا سخيفة، سيما حين تأخذ في الحسبان أنني سأحتاج أصلا لاستخدام حفنة من بلورات مانا قوس قزح للأقسام الأصغر لتزويدها بالطاقة ومعرفة مآلها، وسيستغرق هذا حقا الكثير من العمل، أليس كذلك؟
<بالطبع سيفعل.> سخر هيلوري في عقله. <أنت تحاول أساسا فرض حل بالقوة لسؤال مستحيل.> لا توجد أسئلة مستحيلة، خاصة إن أمكن الحصول على إجابة عبر القوة البحتة. على أي حال يا هيلوري، بما أن تلميذك الرائع والموهوب والمجتهد سيشغل يديه بما يكفي بهذا وحده, أفيمكنك المراقبة من طرفك ومحاولة تقدير متى وكيف سيؤثر الإيمان على الأجزاء التي أختبرها بناء على النتائج التي أحصل عليها؟
<لست تلميذك، لكن حسنا.> ستتقبلني ذات يوم. ربما اليوم بعد أن ترى مدى نجاح هذا. وبهذا الشد والجذب الأخير بدأ أخيرنا. مع وضع جميع خواتمه السحرية في أصابعه، بدأ بن ما يحتاج إليه، فأمسك بصفيحته الأولى ووضع يديه عليها، مستخدما صلته لصنع نقاط وبقع من السحر عبرها بتطشيره. بعض الأقسام عبارة عن مانا خالصة لأي تقارب مثلت، بينما امتزجت المانا في أخرى ومزجت بطرق تذكر بالسحر الطقوسي ونظامه المزجي، فقط بكميات دقيقة قصد منها تحقيق أهداف لا يستطيع تخيلها.
لقد كان عملا بسيطا نسبيا، حتى لو تطلب بعض العناية لضمان صحة وضع كل شيء، وحين انتهى من الأولى انتقل إلى التالية، والتي تليها وهكذا، واستغرقت المئة كلها أكثر بقليل من ساعة للإتمام بين ضمان هبوط كل شيء بشكل صحيح والسبح لماناه بأن تتجدد حسب الحاجة. من هناك صف كل صفيحة، متأكدا من استواء جميع الحواف قبل استخدام مهارته المادية، فمزج الجوانب برفق لإبقاء كل شيء في مكانه دون إتلاف ما أنجزه بالفعل بينما ينظر إلى الطريقة التي ستتحرك بها المانا عبر ما أعده، مبدعا المزيد من التطشيرات لتنشيطها عند النقاط الطرفية.
سيحتاج لاختبار جميع التقارب للتأكد من عدم تفاعلها بطرق مختلفة، لكنه استهل الأمر بما تيقن من أمانه. سحر الحاجز، وتحديدا تطشير بني على كل نقطة طرفية لتدفق المانا، مع عدم تطشير الحاجز بأي من الطرق المعتادة ليتمكن من رؤية كيف سيتأثر بصورته الأنقياء. مع هذا الإعداد، انتقل لربط قطع من بلورات مانا قوس قزح بكل نقطة بداية، تاركا التعويذة المقيدة تستوعب المانا التي تخزنها كل بلورة أثناء تحركها عبر المسارات الغريبة وغير المعتادة المصنوعة في التطشيرات حتى تبلغ الحواجز، إذ عرض كل منها تأثيرا مختلفا.
ربما لم يكن صحيحا القول إن كل منها فعل ذلك نظرا لعدم تنشيط بعضها ببساطة، لكن ذلك ظل نتيجة بحد ذاته إذ دوّن بن ملاحظات مختلفة عما حدث في كل منطقة، مسجلا التغييرات التي استطاع رؤيتها. لقد كان مبكرا في أبحاثه لدرجة تعذره عن تحديد سبب كون بعض التطشيرات أقوى أو أضعف حين ينخسها أو يطرق إصبعه عليها، ناهيك عن أي من التأثيرات الأغرب. في ثلاثة مناطق على الأقل، اكتسب التطشير خصائص لم يبنه ليمتلكها، فصار دافئا لمس الملمس، وتغير اللون من رمادي مبيض شفيف إلى أزرق صلب، وواحدة اكتسبت خاصية لم يفلح قط في تحقيقها بجهوده الخاصة، فانحنى الحاجز تحت إصبعه، وفقدت صلابة التعويذة تماما لتبدو أشبه بغلاف بلاستيكي لاصق، ومع ذلك لم تنكسر وهو يحاول الدفع عبرها.
"حسنا، أريد إضافيا معرفة سبب حدوث تلك"، تمتم لنفسه، متخسيلا مستقبلا من أزياء الحواجز المنيعة قبل العودة إلى مساره.
كان هناك الكثير للاختبار بعد كل شيء، وبمجرد انتهائه من تسجيل كل ما رآه بأقصى مستوى تفصيل استطاعه، أزال بلورات المانا ودمر تطشيرات الحاجز، مستبدلا إياها بالظلام بينما تفعّلت تعويذة الظلام شديدة البصرية بتأثيراتها فيما واصل التقدم عبر كل تقارب.
بداية مقبولة. قال لنفسه وهو يقلب صفحات ملاحظاته الخاصة بالكتلة الأولى. حتى لو لم يكن يعلم ما يجري بعد، فقد خرج ببعض النتائج المثيرة للاهتمام. بينما نجح بعض الأقسام التي أخفقت في المرة الأولى خلال المرات اللاحقة، ظل العديد منها بلا حراك، مما أخبره أنها لا بد كانت بحاجة إلى بعض الأجزاء التالية لتظهر قيمتها، لكن الأجزاء الأكثر إثارة كانت تلك الثلاثة التي غيرت الحاجز.
لكل قسم آخر، أظهرت تلك المناطق تغيرات غير عادية بالقدر نفسه لتعاويذ الانتماءات الأخرى، مما أشار إلى وجود أمر ما يحدث في المناطق التي تمر عبرها الطاقة بينما كان يدون ملاحظات مفصلة عن التدفق الخاص بكل منها، راغباً في العودة ودراسة النتائج بالتفصيل لمعرفة ما إذا كانت التغييرات ستظل قائمة إن قلّد تلك الأجزاء الخاصة أم أنها كانت تعتمد على الكل الأكبر. بعد ذلك، تباين ما إذا كانت المناطق ستتنوّع بين التقوية أو الضعف أو إظهار ما توقع، بينما بدا أن القليل من كل انتماء لم ينشط على الإطلاق في الأقسام التي كانت جيدة للآخرين بغض النظر عما سواه.
كان هناك أيضاً زوجان كانا أقوى أو أضعف باستمرار بغض النظر عن التعويذة المرفقة، لذا فقد يستحق ذلك نظرة أعمق أيضاً. أهي طريقة لتعزيز التأثيرات أم أنها صدفة؟ أربما تنتقل بعض الطاقة من الأقسام الأضعف إلى الأقسام الأقوى لتمنح التعويذة دفعة إضافية؟ هذه هي الكتلة الأولى فقط لذا نأمل أنه بعد بضعة أخرى، ستتكون لدي فكرة أفضل. أود الإشارة إلى أن اختبار تلك الكتلة الوحيدة استغرق منك ما مجموعه ثلاث ساعات.
قالت هيلوري بجفاف. بالنظر إلى ذلك، سيستغرق اختبارها جميعا أكثر من أربعة وعشرين ألف ساعة، أو أقل بقليل من ألف يوم متواصل. أتريد حقاً قضاء كل هذا الوقت في هذا؟ أي خيار آخر لدي؟ نأمل أنه بعد اختبار اثنتي عشرة أو نحو ذلك، سأكون قادراً على البدء في وضع توقعات حول كيف يجب أن تتصرف الأقسام، وإذا أصبحت بارعاً بما يكفي في وضع التوقعات، فربما لن أضطر لاختبارها جميعاً ويمكنني فقط معرفة الأمر بالمعلومات التي لدي.
علاوة على ذلك يا سيدة السحر، لا توجد طريقة يمكنك من خلالها القول إنك لست مهتمة. قد أكون فضولية بشأن ما تجده، لكن وقتي ليس فارغاً لدرجة تجعلني أشاهدك تفعل كل واحد بينما لا يزال مشروعاً لا أؤمن به. حسناً، لا داعي للتشاؤم بشأن الأمر، لدي ميرايد لأراقبه أيضاً لذا يمكن لكليكما تقسيم وقتكما، وليس الأمر كأنكما بحاجة إلى مشاهدة الإعداد، بل النتائج فقط. كلانا لا يزال غير متفرغ إلى هذا الحد!
تدخلت ميرايد، مما دفع بين إلى هز كتفيه. إذن أحضرا بعض الملوك السحريين الآخرين. ناري أيضاً، إنه ملك للصناعة والتحدي، أليس كذلك؟ التعويذة تشبه في أساسها قطعة من الحرافة السحرية ولا يمكنني تخيل أي شيء أكثر تحدياً من معرفة كنهها. بالإضافة إلى ذلك، اسمحوا لي أن أذكركم بأنكم جميعاً تقدرون تأثيرات الإيمان على الأجزاء التي ترونها، وأنا المغفل الذي يجمع البقية معاً. والآن هيا، الشكوى لا تنجز شيئاً وأريد إنجاز واحدة أخرى الليلة.
تجاهل التذمر في رأسه وهو يلتفت إلى رفيقته، فرأى ثيرا غارقة في النوم على سريره وفي يها كتاب بينما تخللته قسوة طفيفة من الشعور بالذنب. لم يستطع السماح لهذا المشروع بأن يستهلكه بينما قد يموت أيهما خلال أسبوعين، فبعد انتهاء الليلة سيحرص على العمل عليه حصرياً عندما يتيقن أنها ستخلد إلى النوم.