قال لفونتيش حين عادا إلى منزلها: "حسناً، مادمت هنا فدعيني أتدبر أمر العشاء. وبما أن ديلير كانت تتباهى بحصولها على مهارة الصناعة، فهل لديها أي ممارسة لها؟"
ابتسمت فونتيش وهي تداعب رأس ابنتها: "قليلاً. حين رحلت أصرت بشدة على محاولة اكتسابها، لذا جعلناها نوازن بين تعلم القليل من الطبخ والخياطة والفن مع بعض القرويين الذين استطاعوا مساعدتها في ذلك."
قال: "رائع، حسنًا، لمَ لا أُحاول مساعدتها على صقل هذا الجانب قليلاً أيضاً مادمت حولنا، إن كان هذا يناسبكم؟"
كانت الفتاة تومئ بحماس بينما اكتفت أمها بالضحك.
"إن أرادت التعلم فلن أمنعها. علّمها ما يكفي لتتولى أمر وجبات الطعام، فهذا سيترك لي بعض الوقت لأمور أخرى أيضاً."
"هاه، يبدو جيدا. وأنت لا مانع لديك من استخدامها للسكين، أليس كذلك؟ سأعلمها أساسيات السلامة مادمت هنا، ولكن إن كان الأمر يروق لك فهذا يعني أن بإمكاني تعليمها القليل من نحت الخشب أيضاً. إنه جانب آخر من الصناعة لذا سيكون تمريناً جيداً، سيما وأن لديكم الكثير من الأشجار للاستفادة منها. وعلاوة على ذلك، إن تمكنا منجعلها تتقن التنجيم قبل أن أرحل، فسيوفر ذلك لها شيئاً لتتدرب على صنع التنجيمات عليه أيضاً."
وافقت بسهولة قبل أن تحول انتباهها إلى ابنتها: "لكن ديلير، إن كان بن سيوظف بعض الوقت الذي يقضيه هنا لتعليمك فعليك أن تبذلي قصارى جهدك في التعلم، أفهِمت؟ إنه يحاول بالفعل القيام بشيء شديد الصعوبة بمفرده، لذا لا يمكنك تشتيته حين يحتاج إلى بذل أقصى ما يمكنه من جهد في هدفه."
قالت: "حاضر أمي."
ابتسمت لها فونتيش. كانت تقدر مدى صعوبة إيقاظ مهارة ما، ولم تكن ترغب في الوقوف في طريق هدف بن الأصلي في الخارج، ولكن بما أنه بدا سعيداً بما يكفي بتدليل ابنتها، فقد كانت سعيدة بتركه يفعل.
قال بثقة وهو يبعثر شعر الفتاة: "حسناً، لنبدأ. أول الأمور وأهمها السلامة السليمة في التعامل مع السكين. سأريك كيف تقطعين الخضروات للعشاء وخلال الطهي سأحاول توجيهك. ربما يمكننا التحدث عن كيف يمكن اختيار النكهات لتتكامل معاً أيضاً. أتمنى أنك مستعدة لهذا يا صغيرتي، فمادمت قد قررت ذلك، فسأجعلك تتعلمين قدر الإمكان في الأسابيع التي أقيم فيها هنا."
قالها بابتسامة، ونتيجة لذلك، أشرقت عينا ديلير بالحماس، مستعدة لاستغلال الوقت لتعلم كل ما تستطيع.
بعد الوجبة، أمضى بن ساعتين في الحديث مع الفتاة بينما وقف فونتيش وثيرا بالقرب، قريبان بما يكفي للاستماع لكنهما أقل انجذاباً لدقائق الصنعة والتسحير كي يرغبا في الانخراط بالحديث، وراحا بدلاً من ذلك يدردشان عما جرى في الفترة منذ آخر لقاء بينهما، حتى حان وقت الخروج إلى النوم. تودعا بعبارات المساء بينما تحرك بن وثيرا نحو الغرفة ذاتها التي نزلا فيها خلال زيارتهما السابقة، ونظرا إلى السرير المشترك قبل أن يركز بن على وجه صديقته.
"أنت تمرين."
"لسنا كذلك"، أخبرته بحزم، صافعة ذراعه وهي تشيح بوجهها.
"اخرج فحسب ودعني أبدل ملابسي."
فعل تماماً ما طُلب منه، مانحاً إياها بضع دقائق قبل أن يعود ويجدها وقد غطت في الفراغ بالفعل، وما زال توهج ذهبي ينتشر عبر وجنتيها. كان مشهداً ظهر أكثر فأكثر مؤخراً حين يفترقان طوال الليل ولا يسعه سوى التساؤل عما يدور في رأسها، مانحاً إياها لياقة عدم التحقق دون إذنها، بغض النظر عن مدى الفضول الذي ربما تركه داخله.
"أتريدين مني أن أنام على الأرض؟"
"اصعد إلى هنا فحسب أيها الأحمق."
كانت تلك كل الدعوة التي يحتاجها، فمضى ليستلقي، لافّاً ذراعاً حولها أثناء فعله.
"شكراً مجدداً لحضورك طوال هذه المسافة معي."
"تباً، إن لم أفعل فمن يدري ماذا سيحدث لك؟ فقط لا تجعل نفسك تتعرض للهجوم بينما أزور القرى المجاورة."
ما زالت ثيرا ترغب في تقديم خدماتها كمعالجة بعد كل شيء. الشهر الذي خطط للبقاء فيه للتدريب لم يكن فترة قصيرة بأي حال، وكانت تنوي تماماً بذل قصارى جهدها للحصول على أكبر عدد من المستويات في مهنتها قدر الإستطاعة قبل أن تسوء الأمور.
"سأبذل قصارى جهدي. أضيفي إلى ذلك، أتمانعين في جلب بعض الأشياء لي بينما تتجولين؟ سأحتاج إلى الكثير من الورق للملاحظات، والحصول على بعض الأدوات لتستخدمها ديريل سيكون مفيداً لتتدرب بها بعد رحيلي."
وبينما كان يقول ذلك، لم تستطع ضحكة خفيفة إلا أن تفلت من ثيرا وهي تقترب أكثر.
"أنت تشبه أبًا يريد إفساد ابنته."
"مهلاً، لستُ بهذا الكبر. قل على الأقل أخاً يفسد أخته الصغرى."
"ممم، لا. الشعور الذي تمنحه هو بالتأكيد شعور أب متحمس لأن ابتنته تظهر اهتماماً بما يفعله. تبدو مهتماً بمساعدتها الآن أكثر من محاولتك دفع اتصالك إلى الحافة."
"التفكير في كيفية تدريب شخص ما أمر محفز فحسب"، قال دفاعاً عن نفسه.
"بالنسبة للاتصال، كل ما أحتاج إليه هو الارتباط بالغابة والأمل في ألا يجعل دماغي ينفجر. أما بالنسبة للتدريب، فيجب أن أأخذ في الاعتبار أفضل طريقة لمساعدتها على النمو بناءً على تجاربي الخاصة مع مراعاة الموارد المتاحة لها أيضاً. إنه مستوى اهتمام طبيعي تماماً."
"هاه، بالتأكيد، بالتأكيد، إن كنت تقول ذلك"، أخبرته، غير مصدقة له لثانية واحدة.
لم يكن متطلباً معرفته شخصياً لترى كم استمتع بقطعة الوقت التي قضاها بالفعل في تعليمها، وبدت ديريل وكأنها مصممة على الارقى بوعدها لوالدتها لتكون طالبة متيقظة. إن نجوا حتى الموجة الثالثة وتمكنت حقاً من أن تكون نهاية للأمور كما أراد كثير من الناس بيأس شديد الأمل، فهناك احتمال كبير للغاية بأن ينتهي المطاف ببن مع متدربة خاصة به. لم تستطع إلا تخيل هذا المستقبل. إن كانت ديريل ستصبح متدربة بن فهذا يعني أن الفتاة ستحتاج إلى الانتقال إلى ستونوول، لكن بدا أن ذلك قد يكون صعباً عليها بطريقتها الخاصة.
بالتأكيد، سيكون لها عائلة على شكل ساشل حاضرة، لكن ثيرا كانت تعلم أنها ستخوض مهاماً أبعد، فضلاً عن الاضطرار للخروج للتبشير كعرافة ميرايد. وبالنظر إلى ذلك، سيكون من المنطقي حقاً أن تبقي ديريل معها وبن بدلاً من ذلك وهي تترك نفسها تتخيل الأمر. لن تكون هناك مساحة كافية في منزل خالتها لاستضافة شخص ما، لكن بن امتلك بالفعل منزلاً كاملاً آخر في البلدة، ومكلته الوحيدة هي عدد أفخاخ الموت التي بناها فيه.
إن أخرجها فسيكون المكان المثالي لعائلة— "ما الذي أفكر فيه بحتى؟"
تمتمت، مهزوزة رأسها من الفكرة بينما نظر إليها بن بفضول.
"ثيرات؟"
"لا تقلق بشأن ذلك"، أخبرته، مقتربة لتقبل وعيناه فيه وهي تفعل.
"مهلاً يا بن؟"
"أنا؟"
"أتريد... في الواقع، لا تقلق بشأن ذلك. أنا ذاهبة للنوم."
كانت قريبة بما يكفي ليعلم أن ذلك لم يكن صحيحاً، شاعرًا بضربات قلبها ضد صدره، لكن بينما استلقت هناك بهدوء، مصرة على التظاهر بأنها فعلت ما قالته، منحها قبلة خفيفة قبل أن يغلق عينيه ويدفع عقله قسراً إلى عالم ملكه.
ما إن وصل حتى لاحظ أول ما لاحظ أن القاعة ممتلئة تماماً تلك الليلة، وكل مَلِك حاضر مصرّ على الصراخ في وجهه.
قال ميرياد أولاً: "إياك أيها اللعين! عد إلى الأسفل واطلب منها أن تكمل ما كانت توشك على قوله!"
وقالت هيلوري من فوق مَلِكها وفي يدها وجبة خفيفه، وهي أول نموذج يراه لمَلِك يأكل، بينما كانت أنايليا ملتفة حولهما وتضحك على حالهما: "لقد كانت الأمور تزداد تشويقاً كذلك".
قال ناره: "من الجيد احترام من تحبون، لكن أحياناً يكون من الأجدى فرض الأمور أتعلمون؟"
وأضاف ناره: "حسناً حسناً، دعوهما يحلان أمورهما بنفسيهما. قليل من الاحترام الزائد أفضل من قلة الاحترام. وعلاوة على ذلك، يبدو أن الفتاة ستفرض الأمر بنفسها عاجلاً لا آجلاً".
سأل بن بعد أن بدا أن الجميع قد أدلوا بدلوهم: "هل هناك سبب لوجودكم جميعاً هنا؟ هل أقاطع شيئاً ما؟"
أجابته أنايليا: "أبدأ. أخبرتني هيلوري أن شيئاً مشوقاً قد يحدث فجئت لأشاهد".
وعقب ناره: "وبدا الأمر ممتعاً فانضممت. فمن المهم الحصول على فترات استراحة بين حين وآآخر بعد كل شيء، ولكن بما أن الأمر انتهى على نوتة باهتة فسأمضي في طريقي".
وبهذه الكلمات اختفى، وذهبت أنايليا معه ولم تركت في العالم سوى الثلاثة المعتادين.
تمتم بن: "أتساءل عما إذا كان بإمكاني الحصول على بعض الخصوصية إن حصنت غرفتي بأكملها بملك التدنيس. إن حاولت فقط منعكم جميعا من رؤيتي فقد تركزون على ثيرا وحدها، لكن إن غطيت غرفة فقد يمنحني ذلك قدراً من الخصوصية التي افتقرت إليها في السنوات القليلة الماضية. حسناً، باستثناء الرماديين، لكني سأكتفي بإخبار نفسي أنهم لا يراقبونني أكثر من اللازم".
قال ميرياد ببهجة: "الأمر בסدر، الأمر בסدر. تصرف كأنه لا توجد عيون عليك ودع ما سيحدث يحدث".
"لماذا تبدو سعيداً جداً بفكرة حدوث شيء ما؟"
"أوه، أنا متحمس للمستقبل فحسب".
"المستقبل الذي سنموت فيه جميعا؟"
"لا، جزء مختلف تماماً من المستقبل. وإن كان سيُلغى حتماً بموت الجميع. لن أهتم بالأمر".
بالتأكيد يجب أن أفكر في تحصين مكان صونيا بأكمله بالتدنيس. أو ربما يمكنني مد تأثيراته إلى ثيرا وأنا معها؟ شيء آخر للاختبار على ما أظن.
قالت هيلوري وهي ترمي وجبة خفيفة مجهولة في فمها: "أوه، لا تكن مملاً. مشاهدة الفانين ممتعة فحسب، فالكثير من الناس توجّه عيوننا إليهم في وقت فراغنا الضئيل حالياً. إن لم يعجبك الأمر فحاول أن تعيش حياة أقل إثارة".
"عفواً، أنا أحرص على أن أعيش أكثر حياة مملة ممكنة. ويبدو أن هذا الواقع ككل هو ما يعارض هذه الرغبة".
قالت وهي ترفع كتفيها: "إذن لُمِ الكون على أي اهتمام تناله. على أي حال، على ماذا نعمل معك الليلة؟"
في ذروة صداع دراسته، كان قد أوقف التدريب على دراسة اللغات وكذلك العمل على فحص تعويذة استدعاء، ولكن مع خلو عقله من ألمه السابق عاد إلى الأمر بكل قوته، محاولاً تعويض الوقت الذي فاته.
"كلاهما، ولكن لنركز على الاستدعاء. كما أننا سنتخطى أي لغة من لغات ميرياد. لقد جعلني اكتساب تعقيد إحدى اللغات وحدها أكتسب مستوى واحداً من التوسع العقلي في الماضي. أشعر أنني إن شرعت في تعلم لغة جديدة فوقها سيجعل عقلي يمزق نفسه مرة أخرى".
"مهلاً!"
قالت هيلوري متجاهلة شكوى المكعب كلياً: "هذا عادل. في هذه الحالة، يا ميرياد أتعيد إبراز تعويذة الاستدعاء؟ سنناقش جوانبها عبر عدسة لغات قومي لنعمل على الأثنين معاً".
"يبدو جيدا".
دائماً هناك الكثير للقيام به. كان عليه إيقاظ الاتصال، وبناء جسد جديد لأنوكس، ومعرفة كل ما يمكنه معرفته عن تعويذة الاستدعاء الغامضة التي جلبته إلى العالم، ومحاولة تكوين فهم أفضل لكيفية عمل اللغات ككل ليأخذ كل ما يستطيع أخذه من الأرشيف، إلى جانب العديد من المهام الأصغر الأخرى. بدا كل منها كافياً ليشغل سنوات من حياته بمفرده، لكنها معا بدت عصية على الاحتمال إن سمح لنفسه بالتفكير فيها لفترة أطول من اللازم.
والآن أضيف شهراً من التدريب لديلير إلى القائمة. لا توجد حقاً ساعات كافية في اليوم، لكن هذه كلها أشياء اخترتها لنفسي. في النهاية، عليّ فعلها فحسب.