كان بإمكانهم سماع أصوات الحركة ورائحة الغبار من خلفهم بينما واصل الحجر الاندفاع، ولم يتوقف لمجرد وصولهم إلى النهاية بينما حدق الجميع في مدخل القسم الأخير والنهائي من البرج، واستعد كل واحد منهم لمواجهة ما تبقى. كان بن هو من تكلم أولاً، وبدا مستسلمًا أكثر من أي شيء آخر لكل ما تخبئه لهم الطابق الأخير.
قال: "حسنًا، لننتهي من هذا الأمر إذن."
وبهذه الكلمات فتح الباب. وعندما خطو جميعا إلى الداخل وجدوا أنفسهم في غرفة واسعة، ولا شيء مميز يذكر فيها. كانت دائرية الشكل ذات أرضية متروسة بالبلاط، وتوسطتها لوحة حجرية ضخمة. وما امتلكته، وما جعلها تختلف عن الطوابق الأخرى، كان الشيء الوحيد البارز الذي تحتويه. لافتة، تخبرهم بوضوح بما ينبغي عليهم فعله في المكان الذي وجدوا أنفسهم فيه. كانت كبيرة، وواضحة بما يكفي للقراءة من حيث دخلوا، وبينما قرأها الثلاثة الأساسيون الذين احتجوا إلى خوض الاختبار بذهول، لم تستطع ثيرا إلا أن تنظر إلى بن.
قالت: "حقا لا يجب أن تبدو بهذا القدر من التباهي."
سأل وهو يلمس وجنتيه ويشعر بالابتسامة العريضة على وجهه: "أأبدو كذلك؟"
لكنه لم يستطع منع نفسه. إذا كان القسم الأول قد صمم لاختبار قدرتهم على حل المشكلات أو سرعة رد الفعل، والثاني لقتالهم، والثالث لتحملهم والرابع لقوتهم، فإن الطابق الأخير صمم لاختبار مهاراتهم التقنية، أو هكذا كان مفترضاً، بينما شعر بن مرة أخرى بعينيه تمران على اللافتة الماثلة أمامهم جميعا.
اصنع وعاء ليكون مجسداً لملك أرضي. المهلة: ساعتان
سأل ببراءة بينما رمقه الباقون بصمت: "إذن، يا جيك أو ثيرا، أيّكما يريد تولي هذا الأمر؟"
بدأت ثيرا قائلة: "يا بن..."
محاولة دفعه نحو النتيجة المحتومة.
أردف هو: "أعني، هذا برج الأرض، ويجب حقاً على شخص يمتلك مهارة تقارب الأرض التعامل معه. أظن هذا يعني أن إيمي تستطيع فعلها أيضا إن أرادت تقطيع الحجارة بسيفها، بينما أراقب أنا ويزو من الخلف ريثما تحلون أنتم الأمر."
"يا بن، وقتنا ضيق للغاية، توقف عن المزاح وابدأ العمل فوراً."
"حسناً، حسناً، هاهو ذا. لكني سأحتاج من أحدكم تعديل قوام الحجر لأتمكن من فعل أي شيء به."
أخبرته قائلة: "لقد بدأت بالفعل. فقط أعلمني إن احتجت إلى تعديله أو فعل أي شيء آخر."
"يبدو رائعاً،"
وهذا سيكون ممتعاً للغاية!
"ودون صنع تمثال لإينيث لإزعاجه،"
أضافت كفكرة متأخرة قبل أن يبدأ عمله.
"لا أُصيب بملِك يريد موتك أكثر ممّا يفعلون بالفعل."
...سيكون هذا أقل متعة بقليل، ولكن لا بأس، لتكن هيلوري إذن. مع تغيير ثيرا لقوام الحجر ليصبح أشبه بطين صلب، شرع بن في غرس أصابع يديه فيه. كان واضحاً كيف أراد الملوك إتمام هذا الطابق، فقد أرادوا لسحرة الأرض في المجموعة العمل على الحجر ببراعة وتفصيل يضاهيان مظهر أي ملك أو ملكة يعبدونهم، وبدرجة كافية لتكون وسيلة يتواصلون من خلالها مع العالم، وبينما قد يمثل هذا تحدياً لأي شخص يُلقى في موقف مماثل بلا تدريب، تحول الأمر بالنسبة إليه إلى مسرح لاستعراض مدى براعته التي بلغها، إذ انصبّ كل قدر من تركيزه على التحدي الماثل أمامه.
لقد رأى هيلوري كثيراً لدرجة أنه لم يحتاج وقتاً لابتكار التصميم الذي يريده، فقد وضح بالفعل في ذهنه بينما كان يجرف الحجر الملين، مبدئياً من الأعلى حيث تركزت عنايته برأسها وجهها أولاً. أراد جزء منه التعبير عن الحماس الذي تغدو عليه حين يلفت انتباهها شيء ما، لكن ذلك لم يكن ليناسب بقية التمثال الذي يدور بخلده، لذا كان عليه اختيار مظهر أكثر هدوءاً ووقاراً يعرف أنها ستتبناه، حتى وإن لم يكن أول ما يخطر بباله حين يفكر بها.
البدء برأسها يعني أيضاً الفراغ من أمر واحد أراد بذل جهد إضافي فيه لو استطاع، وهو قرناها. كانا يتألقان بلا انقطاع بأطياف الضوء والمانا، ولم تكن هناك طريقة لمحاكاة هذا المظهر بالمواد المتاحة، لذا اكتفى بضبط الشكل الصحيح وانتقل لتصفيف شعرها، طالباً من ثيرا إعادة الأجزاء التي انتهى منها إلى حجر أكثر صلابة، ولم يسمع إن كانت قد ردت إذ استغرق كلياً في عمله. من هناك توغل إلى الأسفل، وتحركت يداه كالبرق بينما فعل كل إصبع بدقة ما ينبغي، مزيلاً ما لا لزوم له ومشكلاً ما يلزم، ليُظهر هيئة الملِكة الكامنة تحت الحجر حتى أتم جذعها وذراعيها المتقاطعتين بأناقة على حجرها، ثم انتقل إلى مقعدها وكذلك ساقيها المتدليتين منه، مستخدماً أظافره لصنع الدقائق من التفاصيل لافتقاره إلى الأدوات، بينما طفق ينعم مناطق أخرى بعناية، محاولاً نقل المظهر الناعم لبشرتها الذي يستحقه تمثال ملِكة.
وما إن فرغ حتى سار به خطوة للخور، وداس دائرة حوله في تفقد أخير، طالباً من ثيرا تليين مناطق مختلفة ليعدل عليها أو يضيف بعض التفاصيل الدقيقة قبل أن يرضى تماماً، والتفت إلى رفاقه ناوياً سؤالهم عن رأيهم، ليرى ما حجبه عنه ضيق بصره النفقي. كانت معظم الأرض من حولهم قد اختفت ببساطة، والبلاط عند الحافة الخارجية للغرفة يتهاوى إلى فراغ لا نهائي، ولم يترك لهم سوى بضع أمتار من المساحة ليقفوا في المنتصف بينما خطا كل منهم بحذر شديد لئلا يقتربوا كثيراً من الحافة، وفي الوقت نفسه لا يقتربان بما يكفي من أمان المنتصف ليعترضوا طريقه، مانحين إياه كل المساحة التي قد يحتاجها لإنجاز تحفة فنية في أسرع وقت.
بدا حقيقة عدم سقوط الأرض من تحت أقدامهم علامة جيدة بما يكفي على أنه لم يستنفد وقته المحدود، ولكن لما رأى أن الاختبار لم ينتهِ هناك بعد فلم تكن لديه فكرة عما يفعله، لذا فلم يجد بدّاً من إعادة تركيزه على التمثال وشبك يديه بالدعاء.
"هيا يا هيلوري، انزلي فوراً لأنه إن كنت ستزعمين أن هذا ليس جيداً بما يكفي فسأصفك بالكاذبة."
لم يدر إن كان هذا قد نفع، لكن بعد لحظات قليلة امتلأ الطابق بنور، واختفت الهوة اللانهائية، مما سمح للجميع بالتنفس بسلاسة أكبر قبل أن يشعر الجميع ما عدا بن بتدفق مفاجئ للألوهية ينبعث من التمثال، بينما شعر هو وحده بارتفاع حاد في مقدار كفره حين رفع التمثال يداً إلى خده، موضحاً جلياً أنهم قد نجحوا. لقد أتموا كل تحدٍ احتواه البرج ونجوا حتى النهاية، وحان وقت حصد جوائزهم.
لكن عوضاً عن تهنئتهم، وإبداء الاحترام لعملهم الشاق ونصرهم المنتزع بالقتال، استهلت هيلوري الحديث بسؤال: "أحقاً احتجت إلى إقامة تمثال كهذا؟"
"ما عساي أقول، حين أفكر بك، هذا ما أراه."
لقد كان مشهدا مر به مرات لا تحصى حتى الآن، الملِكة ماثلة أمامه متصدرة مكعباً خاصاً بينما يتجاذبان أطراف الحديث قبل أن يقتحم عليها للمساء، فلماذا يختار أي شيء آخر لتمثيله؟
"ممم، حسناً، ما تم فقد تم،"
تمتمت قبل أن تمد يداً أمامها.
"وهذا عالي الجودة بشكل مزعج. أظن أن هذا سينتهي به المطاف كأجمل تمثال لي في العالم كله، لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة حظيت فيها بنحات مستيقظ بين مؤمنيي."
"ستحتفظين به؟"
"من استغنى التقى. على أي حال، وبصفتي من صنعتَ لها وعاءً، أنا هنا لأهنئكم جميعاً على إتمام البرج وبلوغ أعلى طابق. إنه إنجاز نادر، ويمكن لكل منكم الوقوف بفخر لفعلكم ذلك."
تمتموا بكلمات الشكر، وبقي بن الوحيد القادر على النظر في عينيها بينما تعامل الباقون مع شعور القوة الذي تنثره بدرجات متباينة وهي تومئ برأسها موافقة.
"وبالطبع، بما أنكم بلغتم القمة فقد حان وقت المكافأة. لا أظن أنني بحاجة لإخبار أي منكم بماهية الجوائز، لذا فلنبدأ بالمهارة التي..."
"انتظري!"
نادى بن مقاطعاً إياها ودون أن يكترث البتة.
"البركات أولاً."
لم يكن لدى باقي رفاقه أدنى فكرة عن سبب تفوهه بذلك، إذ منعهم حضور الملِكة أمامهم من إدراك سبب إصراره على سير الأمور على هذا النحوَ، لكن هيلوري رمقته بصمت لدقيقة قبل أن تتنهد.
"عليك حقاً الإصرار على كونك بشرياً مزعجاً، أليس كذلك؟"
<اكتمل برج الارض> <حازت مباركة مجمع الارض> <ارتفع مستوى التامل> <ارتفع مستوى العقل الخفي> <ارتفع مستوى التدوير> <ارتفع مستوى مقاومة الامتصاص> <ارتفع مستوى الحساب> <ارتفع مستوى العقل المعقد>
ترنح عقله مع آخر تلك القائمة الطويلة من الإشعارات حين نبت عقلان آخران في رأسه المزدحم أصلاً، ولكن على غير عادته، انتهى الأمر عند هذا الحد تقريباً. ربما كانت هناك زيادة طفيفة في صداعه المزمن، لكنها لم تكن شيئاً يُذكر مقارنة بآخر مرة رفع فيها مستوى التوسع العقلي. بدا الأمر منطقياً بمجرد أن أمعن التفكير فيه، فقد كان أحد العقول الجديدة التي اكتسبها حديثاً يتولى تنظيم مثل هذه الأمور.
كان العقل المعقد مهارة تمنحه خيطين إضافيين من التفكير. لقد كانت المهارة الأكثر إرباكاً بين مهاراته العقلية حين نالها للمرة الأولى، ولكن مع نموها وتضافرها مع مهارتيه الأخريين، صار لهما تأثير أكبر فأكبر بحكم كونهما تؤثران معاً في كل الخيوط القائمة بالفعل. لقد كان تأثيراً تراكمياً هائلاً لمهارات خرجت عن السيطرة، لكنه على الأقل بدا وكأنه لن يحتاج إلى القلق بشأن ذلك لفترة أطول.
كان تجاوز العقل المعقد حافته نحو المستوى التالي نتيجة للمباركة الكبيرة التي نالوها للتو، ولكن نظراً لعدم استيقاظ تركيزه ولا اتصاله، فقد شكك في حاجيته للقلق بشأن أمور كهذه تخص مهارة سينوي إهمالها عن قصد. ما يعني أنني إن نجحت في رفع الاثنين الآخرين إلى المستوى التاسع أيضاً فلن أضطر للقلق بعد الآن، وهذه مزية. أما بالنسبة للمباركة، فلم تسر تماماً كما تمنايت، لكن نأمل أن يكون إيمى أو جيك قد نال منها شيئاً.
كان السبب في إصراره على نال المباركة أولاً مرتبطاً تحديداً بعلمه بأن المباركة ستكون ضخمة، مما يعني أن فرصة رفع مستوى مهارة أو ست جيدة للغاية. لقد كانت أمنيته أن تدفع اتصاله متجاوزة الحاجز الذي علقت عنده، أو إن فشل ذلك، أن ترفع مستوى المهارة التي يخطط أصلاً لمنحها الجزء الثاني من المكافأة ليحصل على مساحة أكبر للعمل، لكنه اضطر في النهاية إلى تقبل ما آلت إليه الأمور.
قال هيلوري موجهاً حديثه إليهم لانتشال عقولهم من الإشعارات الدائرة في رؤوسهم قبل أن يركز على بن بالذات: "وبعد الفراغ من هذا، يمكنكم جميعا إما التفكير في المهارة التي تودون رفع مستواها أو النطق بها، أيهما ترونه أريح لكم. حسناً، عداك أنت فما زالت أفكارك تزداد فوضى".
رد: "حسناً حسناً، في تلك الحالة، سأأخذ مستويي إلى مستخدم المواد".
<ارتفع مستوى مستخدم المواد> <ارتفع مستوى مستخدم المواد>
ومهارة أخرى بالمستوى التاسع، شكراً جزيلاً. مع إجمالي أربعة الآن واقتراب المزيد، لم يسعه إلا أن يأمل في بلوغ مستقبل تدفع فيه المهارة التي يريدها حقاً لتتجاوز حافتها. حتى وإن لم تفعل المباركة ذلك، فقد قربته خطوة أخرى نحو ذلك الهدف على الأقل. راود جزء صغير منه إغراء التوجه نحو التدمير بدلاً من ذلك نظراً لأنه رفع مستوى تلك المهارة داخل البرج للتو، مما يعني أنها لم تحظَ بكل ذلك التدريب الذي بذله بن مسبقاً في مستخدم المواد، لكنه لم يستطع إجبار نفسه على النظر إليها بمثل تلك الطريقة في النهاية.
فبغض النظر عن مدى إمتاع تلك المهارة وفائدتها، لم تقترب قط من سحر مواده.
قال: "على أي حال، لقد واجهتم التحدي جميعاً ونلتم المكافآت، ولكن كما هي الحال مع أي شخص يقتحم برجاً، فأنا متأكد من أن لديكم الكثير ممن ينتظرون للاطمئنان على سلامتكم، لذا من الأفضل عدم تركهم ينتظرون".
ومد يده إثر ذلك، مشيراً إلى باب خلفهم لم يكن موجوداً من قبل، بينما تلقوا الإشارة وغادروا، متمترسين خارج البرج في العودة إلى ضوء الشمس الساطع بينما امتصه بن على وجه الخصوص، إلى جانب شعور بالنجاح إزاء ما جرى لتوه.