<ارتفع مستوى السباحة>
قال بن متذمراً: "لا أصدق أن هذا استغرق مني أكثر من أسبوع لعين".
وصل إلى المستوى الصفر في اليوم الأول، لكنه لم يبلغ الأول إلا بعد أكثر من أسبوع، مستهلكاً معظم كل يوم في فعله. لم أكن سباحاً سيئاً على الأرض قط! صحيح أنني لم أمارسها كثيراً، لكني كنت أعرف ما أفعله على الأقل! لماذا استغرق بلوغ المستوى الأول كل هذا الوقت اللعين؟ كان يأمل في الأصل بلوغ المستوى الثاني قبل الشروع في القسم التالي من الاختبار، لكن يبدو أن ذلك قد ينتهي به الأمر إلى استغراق شهرين.
كان بإمكانهما النجاة طوال تلك المدة بفضل تطبيق بن تعويذات على الاختبار كل ست ساعات، إذ يبدو أن البنية تتمتع بنوع من آلية الإصلاح الذاتي التي تزيلها بعد تلك المدة، لكن مع بقاء تسعة أقسام أخرى لتجاوزها، فإن استغراقهما مثل هذا الوقت قد يعني مع ذلك العجز هناك لأكثر من عام، وربما أعوام. لم يرغبا في التسرع، لكنهما لم يرغبا في البقاء محبوسين للأبد أيضاً. خرج وجفف نفسه ببعض الملابس القديمة المحيطة، غير مكترث بارتداء ملابسه أثناء ذلك.
كان التفاوت في بنية الجسد أكبر بكثير بينه وبين غريد لدرجة تمنعه من الاكتراث بالأمر، وسيتوجب عليه التعامل معه قريباً جداً في الاختبار على أي حال عندما يجري فحصاً أخيراً للمعدات التي صنعها حين لم يكن مشغولاً بالعمل على سباحته. في الحقيقة، كانت السباحة ملاذاً احتياطياً للطوارئ في حال أخفقه ما آمن به حقيقة، لا جسده البشري شديد الخطأ بل الأدوات التي صنعها به. كان العنصر الأول والأهم هو سكوتر البحر الذي صنعه، وهو دافع محمول باليد أُزيلت عنه الكثير من عوامل الأمان المتوقعة في هكذا غرض تسرعاً.
عمل عبر تطبيق تعويذات الأرض والماء لتدوير الشفرة بمستويات لم يكن ليطمئن لوجودها في أي مكان قرب وجهه لولا أن البديل هو الغرق، وقد بُني بداخله بلورة مانا بيضاء وحيدة للمساعدة في مدّه بالطاقة، مع أن مصدر طاقته المعزز الخاص سيفي بالغرض تماماً لأجله أيضاً. علاوة على ذلك، وبقدر ما يخصه، فإنه بنفس الأهمية سينشر حاجزاً حوله لحماية الجزء الأمامي من جسده. قد تعني سحر المياه الجليد بسهولة بعد كل شيء، ولم يكن يرغب في الاصطدام بأي شيء برأسه أولاً.
ثم كانت هناك الأدوات التي عدّها أقل أهمية بفارق طفيف، لمجرد حقيقة أنه فعل كل ما بوسعه لضمان وجود احتياطيات فوق احتياطيات لها. وسائله للنجاة من الغمر. منذ أن وصل هو وغريد إلى تلك الاستراحة الصغيرة، كاد لا ينام بسبب حجم ما يتوجب عليه فعله، إذ كانت إحدى مهامه صنع أكبر عدد ممكن من الحقائب المكانية محكمة الإغلاق عبر دمج بعض الأقمشة والمعادن المهملة بسحره المادي ونفخ كل منها كالبالون قبل حشرها جميعاً داخل بعضها بعضاً، ليترك في النهاية حقيبة واحدة متصلة بقناع يحوي بضع ميزات مختلفة مدمجة فيه.
صنعها بأفضل ما يمكنه، لكنه اضطر للاعتراف بأنه فعل ذلك مبكراً جداً. بما أنها لم تكن مصنوعة باستخدام أي شيء يزود بالمانا فقد كان عليه شحنها كل يوم، لئلا تنفجر أي منها نتيجة انكماش المساحة في الداخل بينما تظل كمية الهواء ثابتة. على الجانب الأكثر إشراقاً، أظهرت مدى روعة قدرته على صنع التعويذات المكانية. حتى حين كان في مستوى التسابيح السابع كان واثقاً من عدم قدرته على صنع أي شيء أفضل من الحقائب التي يمتلكها بالفعل، وحتى الآن لم يكن قد فكر في الأمر، فقد كان هناك دائماً شيء آخر ليشغل تفكيره، لكنها كانت إحدى أفضل نقاط مدى مهارته.
كانت كل حقيبة بحجم الحقيبة التي اعتاد استخدامها، لكن مع مساحة تفوق خمسة أضعاف، حتى دون توافق مرتبط بها. إن نجا فسيكون لديه مسار أكثر ربحية لجني المال أثناء بيعها، لكن ذلك كان هماً لوقت لاحق بكثير. مع ذلك، لم تكن سوى ميزة طوارئ. ستكون أداة نجاته الحقيقية في الأعماق شيئاً عليه صنعه ليس فقط عبر جمع فروع التسبيح الثلاثة التي يستخدمها معاً، بل وبعض المعرفة التي كان يتلقاها من كويليث.
كان الكائن الفضائي متفرغاً لفعل ما قال إنه سيفعله بالضبط، معلماً بن علوم المواد، طارداً إياه في كل مرة يشكك فيها بمدى قابلية تطبيق ذلك على المجال ميدانياً. رويداً رويداً صار ما يتعلمه أشبه بعيولوجيا أو فيزياء مقارنة بكيمياء الكون، لكنه لم يعد يملك إلا أن يشعر بالامتنان لأن الرمادي شعر بحاجة لتجاوز حدود ما اتفقا عليه مبدئياً، فقد سمح له ذلك بصنع شيء يحيط المياه حوله إلى هواء.
كان الأمر أكثر تعقيداً من مجرد شق مكونات السائل الأساسية، لكن المهم أنه نجح. لتذمر غريد، قام بتجربته فور إتمامه، لكنه لم يعانِ أي آثار سيئة جراء التجربة، حتى بعد ساعتين تحته. كان ذلك لا يزال قصيراً مقارنة بالمدة التي قد يجد نفسه فيها هناك، لكنه منحه الثقة اللازمة بأنه سينجح. لم يبقَ سوى الجليد. فكر في نفسه، مادّاً يده إلى مبرّد صنعه ومخرجاً كتلة، متفرساً إياها في كفه ومطبقاً آثار التدمير عليها، شاهداً إياها تتحول إلى ثلج في لمح البصر.
لقد جعل سحره يبلغ المستوى الأول، لكن كان هناك احتمال بأنهما سيحتاجان إليه فعلياً إن صادفا أي حاجز جليدي. مهما كانت تعويذة النار مغرية، فإن أي شيء قد يفكر في استخدامه ضدها سيكون عديم الفائدة تماماً تحت الماء. بالطبع، سأشعر وكأنني أبله لعن حقيقي إن كان تخميننا هنا خاطئاً. لقد بدا منطقياً للغاية بالنسبة إليه. جعله سحر الهواء يهوي عبر السماء، فلمَ لا يجعله سحر الماء يسبح عبره؟
لكن ظل هناك احتمال دائماً بأنه كان مخطئاً تماماً، بأن أي إلملك صنع الاختبار كان يملك مفهوماً مختلفاً تماماً عما يجب أن يكون عليه قسم المياه. أراد جزء منه أن يضحك وهو يفكر في الفارق عن اختباره الأول في أنايليا. في تلك المرة لم يكلف نفسه عناء تعلم ما يكفي حين علم أنه مقبل عليه وعانى جراء جهله، بينما تعلم هذه المرة كل ما استطاع بشأنه، ظاناً أنه كان يتعلم لفضول عقلي بحت، ولم يكن ذلك كافياً قط.
حسبي، لقد فعلت كل ما بوسع لهذه القطعة على الأقل. نظر إلى غريد بجانبه بينما كان يحزم سترته داخل الحقيبة، ومعها بلورة الوظيفة. لم يرغب في المجامرة بالخطأ بشأن ظهورها في الاستراحة التالية، كانت أهم من أن تُترك لتضيع، لذا تم تأمينها في مكانها، مربوطة بإحكام بظهر حقيبته.
سأل: "حسناً، أنت جاهز؟"، وهو يعلم أن رفيقه سيكون أهم بكثير منه في هذا.
كانت عيناه مهيأتين لرؤية ما تحت الماء بطريقة عجزت عنها عيناه، مما يعني أنه مسؤول عن إيجاد ضوء المخرج.
"بقدر ما سأكون أبداً."
"وتتذكر ما يجب فعله في الطوارئ؟"
قال وهو ينقر بخطاف معدني مربوط بإحكام حول مخلبه على الأرض: "للأسف. أمتأكد أنك تريد فعل شيء مجنون هكذا؟"
"ليس هناك أمر واحد أفعله هنا ليس مجنوناً يا رجل. إن كان الخيار هو الموت المحتم أو رمي عملة معدنية بين النجاة أو الموت، فسأختار رمي العملة المعدنية على الأقل."
"حسناً حسناً، لننتهي من هذا فحسب."
التقط بن رفيقه وأحكم ربطه في مؤخرة رقبته لكيلا ينفصلا، مكلّفاً غريد بتوجيهه بالطريقة التي اكتشفاها معاً أثناء تقدمهما، فضلاً عن منحه طريقة لملامسة الحقيبة المكانية إن تأزمت الأمور. كان هناك دائماً احتمال بأن يجعل شيئاً ما التواصل عبر مهارة الاتصال أمراً عسيراً وهما في الأسفل، لذا وعلى سبيل الاحتياط كان الأمر متروكاً لتقديره وحده إن كان سيستخدم خيارهما الأخير، لكن بن آثر وضع ثقته في السرطان الصغير.
في ظل الوضع الذي غرقا فيه، لم يملكا ما يؤمنان به سوى بعضهما بعضاً.
حين عبرا الباب ووجها أنفسهما مُحاطين بضغط الماء المباغت، لم يستطع بن إلا أن يشعر بشيء من الرضا لكونه أصاب هدفه، حتى وإن بدا ذلك خبراً سيئاً لهما بكل المقاييس. كان يقبض بقوة على الدراجة البحرية بالغة القوة التي صنعها، وشعر بشفرتها الحادة قريبة للغاية من وجهه وهما يشقان طريقيهما في الأعماق بينما بذل قصارى جهده للحفاظ على هدوء تنفسه. كانت الرؤية أفضل بقليل ممّا توقع من الاختبار، لكنها ظلّت ضئيلة.
استطاع رؤية مترين أمام وجهه لا أكثر، ومع غياب أي إشارة من غريد لم يكن أمامه بدّ سوى الهيام على وجهه بلا هدف في الأعماق، بحثاً عن أي بصيص ضوء يلفت انتباههما. طوال اللحظات الأولى لم يحدث شيء، لكن ذلك أبقاهما على أعصابهما أكثر من أي شيء آخر، وهما يتساءلان عمّا يُوشك أن يُلقى في وجهيهما، بينما اتصل بن بغريد وهو جالس ملتصقاً بلحمه. هل من شيء على الإطلاق؟ ضوء، أمر للقلق حياله؟
موت وشيك ليس بعيداً؟ سأل بن، متلبّساً بالتململ من الموقف وهو يتساءل عمّا قد يباغتهما أيضاً. ليس بعد. نأمل ألا يحدث شيء بالمرة. الأمور لن تظل بهذه السهولة. هذا لن يمنعني من الأمل مع ذلك. فكر غريد مجيباً بضحكة. أبقى الاتصال مفتوحاً وهما يشقان طريقيهما في الأعماق، إذ لمر يُرِد تفويت أي شيء أثناء تقدمهما، حتى وهما يتحركان في صمت. احتاج اثنوهما إلى كامل تركيزهما تحسّباً لأي طارئ، إلى أن بادر غريد بالكلام.
هل شعرت بهذا؟ للأسف. يبدو أن لدينا بعض التيارات المائية اللعينة، يا للروعة. لم يستطع بن إلا أن يفكر بسخرية. إذا قارناها بالأختبار الأول حيث أخذت الرياح تشتد ببطء، أنا متأكد من أننا سنواجه الأمر ذاته هنا. أترى سنحصل على دوامة ماء بدل الإعصار في هذه الحالة؟ علقت الفكرة بينهما وهما يواصلان التقدم. ومهما بلغت مزعجة تلك التيارات، فمع وجود أداته في يده كانت تكاد تكون غير ضارة بالنسبة لهما، في الوقت الان على الأقل.
اشتدت التيارات مع مرور الوقت، لكن ليس لدرجة تعجز السيطرة عليها، ولم يستطع بن إلا أن يستبد به القلق جراء ذلك. كانت الأمور تسير بسلاسة أكثر من اللازم. لقد بلغ به التوتر مبلغه لدرجة أنه لم يلاحظ ما يجري في البداية حتى بدأت الأمور تتضح. كان يشعر بالبرد. غريد، على مقياس من واحد إلى عشرة، ما مدى برودتك الآن؟ خمسة تقريباً؟ بنيتي تتحمل درجات الحرارة جيداً، ماذا عنك؟ سبعة، وحين وصلنا هنا كنت لأقول إنني أربع.
أيها السادة، بماذا تفكر غارقاً؟ أفكر في أنه لأمر غريب حقاً ألا أرى قطرة جلض واحدة طوال فترة وجودنا هنا، ولا تعجبني حقاً التداعيات. كان لا يزال يرتدي خواتمه، وسرعان ما أدمج تعويذة نار في مقبض الدراجة البحرية المعدنية التي كان يمسكها لتدفئة يديه، وجعلها أشد حرارة بكثير ممّا قد يحتاجه تحسّباً لما هو آتٍ على الأرجح. وحتّى لو أخذ احتياطه بربط نفسه بها، فلم يكن حذره ليزيد عن الحد.
فقدانها كان خطراً عليه بقدر فقدان أي شيء آخر دون وجود مخرج في مرمى بصر أيهما. شرع في التأمل، مستخدماً كل مستوى يملكه من المهارة لكل عقل من عقوله، متذكراً أن الطريقة ذاتها استُخدمت للتعامل مع البرد في عالمه القديم من قِبل هواة المخاطرة والمؤدين، ممّنياً نبضه وتنفسه بالتباطؤ مع فعله ذلك. كان البرد يشتد مع كل دقيقة تمر، ورغم أنه بدأ يأخذ منحى سيئاً، فلم يظنه خطيراً بعد.
بدأ جلده يوهزّه، لكنه تجاهل ذلك أيضاً. المشكلة الحقيقية ظهرت حين بدأت دراجته تتراجع في السرعة. أيقظ نصف عقوله، محاولاً إدراك المشكلة ليعثر عليها بالسرعة الكافية. فالماء يتجمد حول نقاط التنوّع أولاً، ممّا يعني أن أدواتهما وهما أيضاً سيتأثران، رغم أن حرارة جسديهما كانت توفر بعض الحماية في الوقت الحالي. أمّا طبقة الصقيع الرقيقة المتكونة حول الشيء الذي يمسكه فكانت قصة أخرى.
في ثوانٍ معدودات، استحدث تعويذة جديدة على الأداة، تعويذة نار تغطيها بالكامل بدل الاكتفاء بتدفئة يديه، لكن التغير صار محسوساً عند تلك اللحظة في المحيط اللانهائي بأسره. بدأت بقع الجليد تظهر في كل مكان، صاعدة ببطء من الأعماق مع شروع الماء في التجمد. كان البرد يشتد بوتيرة أسرع، ومعها كان الأمل يتلاشى سريعاً وهما يتقدمان. وما إن أحس بإشارة من غريد حتى أدرك أنه قطع الاتصال بطريق الخطأ في لحظة ما، فأعاد تفعيلها وهو يمضي حيث وُجِّه.
إلى الأسفل. آسف. قال له بن. أظن أن هذا بدأ يؤثر فيَّ. أترى شيئاً؟ كل ما أستطيع قوله هو أنني أظن ذلك. إنه خافت حقاً لذا قد لا يكون الوصول إليه سريعاً. أستكون بخير؟ لا بد أن أكون كذلك. سأسكب فيها أكبر قدر أستطيع. ضخّ كل مانا فاضت بها طاقته في أداته، مانحاً إياهما دفعة سرعة بينما يستطيع، فيما كانت بقع الجليد حولهما تكبر حجماً وهما يهويان نحو الأعماق وتصطدم بالحاجز أمامه.
ومع ارتفاع سرعته، بدأ جسده يثور عليه رغم يأس الموقف. كان يهوي عميقاً وبسرعة مفرطة. اشتد الضغط وتألم كل شبر فيه، وشعر كأن معدته تتمزق وتناهى إلى سمعه شعور كأنه طُعن في أذنيه، لكنه واصل المضي. لم تكن لديه سبل لمعرفة ما إذا كانا قريبين سوى تشجيع غريد. وحتى لو كانا، لاستحال التيقن من ذلك. حجبت رؤيته كتل جليد أكبر فكبرى، بلغ العديد منها حجم القبضات لتزداد ضخامة كلما تقدما.
صار التفكير عسيراً بل تعذر حتى سماع غريد، وأدرك السلطعون ذلك. قبيل أن يشعر بأن وعيه يشرع في التلاشي التام، سمع الصرخات في عقله من الاتصال الذي كان يحاول جاهداً الحفاظ عليه. ألغِ الدراجة وائلِ جسدك إلى يمينك، الآن! وبآخر قطرة من قوته، ومع شروع العالم في الإظلام، نفذ ما أُمِر به، مطفئاً أداته ومحركاً جسده بينما أخذ غريد خاتم الموريبيوس الذي أعاض بن تشكيله ليلائم مخلبه وضغطه ضد الحقيبة المكانية الممتعة عن آخرها بحقائب هواء أخرى، نازعاً المانا منها ومحدثاً انفجاراً هوائياً عارماً أفضى إلى تفجرها من نقطة ضعف مصممة خصيصاً.
ورغم حدوثه ملتصقاً بجسده، لم يشعر بن بشيء. كان مخدّراً لأبعد الحد بحلول تلك اللحظة. وكل ما كان بوسعه فعله هو الأمل في أن تكون إصابة غريد دقيقة وهو يشق عباب الهاوية، ليعيش إما ليلاقي نهايته الباردة.
<ارتفع مستوى التأمل>