مع انقضاء اليوم التالي، أتمَّ بن المهامَّ التي أرداد إنجازها. صُنعت الدعامات، ووُجدت موادُّ طلبات كيليث في مساحة عمله منذ الصباح، فشرع في تنفيذها وأكملها فور فراغه. لم يكن الأمر بالأمر المثير، لكنّه نجح في تحسين تصميم السلاح منذ أن صنعه للمرّة الأولى، حتّى وإن ظلَّ سيئاً في استخدامه. وفّرت النقوش المنسوجة بكثافة على السلاح خبرة جيّدة على الأقلّ، بينما كان يدفع نفسه لحشر أكبر قدر ممكن من القوة فيه، وبعد صنع الدروع وفق المواصفات المحدّدة، انتقل إلى مشروعين شخصيين مختلفين.
كان الأول العمل على نقش كان يصنعه ببطء للقفازات الصغيرة التي اشتراها خلال عشاءه مع ثيرا في اليوم السابق، مطوّراً إياه تدريجياً، لكنّ تركيزه انصبّ أساساً على النقش الآخر الذي يدور في ذهنه، وهو الذي يحتاج إلى بلورة مانا قوس قزح كروية، ألا وهي بلورة مهامٍّ بحجم الجيب. ظلَّت الفكرة تدور في مؤخّرة رأسه منذ أن اضطر لصنع واحدة في قرية درياد. كان سيكره أن يجد نفسه في مكان لا يستطيع فيه تغيير مهامه بسهولة، ممّا يجعله يفقد كلّ تلك الخبرة، ولذا بدا صنع أداة محمولة الخيار الأمثل.
تكمن المشكلة في حجم النقش وتعقيده. ما لم يرد أن تحتلّ أداة بالحجم المعتاد مساحة كبيرة في حقيبته، كان يحتاج إلى مادة فائقة الجودة ليكون النقش أصغر ما يمكن، ومن بين كلّ بلورات العالم، لم تكن هناك بلورة أفضل جودة من بلورة مانا قوس قزح. استغرق الأمر بعض الوقت، لكن بعد عمل شاقّ بذل فيه عقله وماناه معاً لصنعهما في آنٍ واحد، استطاع إكمالهما. أنهى بن القفازات والبلورة، ودسّهما في جيبيْه لوقت لاحق، وشعر بسعادة بالغـة لنجاح الأمر بهذا الشكل الجيد.
وكلّ ما بقى فعله هو إبلاغ الملكة بانتهاء الدروع ليتسنى لها إرسالها. غادر منطقة عمله قاصداً إياها مباشرة، لكنّه توقف حين رأى ما يدور في الخارج. أتمزح معي حقاً؟ يونيكورن، حقاً؟ استقرت عربة مزخرفة بكثافة بجانب المنزل، مع يونيكورنين يستريحان بعد رحلة طالت أو قصرت، إضافة إلى بضعة حراس من الجان والسائق. لم يستطع إلا افتراض أن وجودهما مرتبط بعودة رفيق ميرسي، لكنّه وجد نفسه في وضع حرج لا يدري ما يفعله فيه.
ربما يستطيع المشي إلى الغرفة التي مُنحت له ليقرا قليلاً، أو يمكنه مغادرة المكان ليطوف بالبلدة، وربما يزور ثيرا أثناء عملها على سحر الحياة مع خالتها. أعني، ما يكتنفه الغموض يحدث غالباً خلف أبواب مغلقة، إن كان مهماً من الأساس، لكنّني أفضل تفاديه على أيّ حال. تلك العربة مبالغ في فخامتها بالنسبة لذوقي كي أرغب في الاصطدام بركابها. حسم أمره، وعاد إلى منطقة عمله ليفعل شيئاً لم يجد وقتاً له منذ وصوله، فأدخل يده في إحدى حقائب الأبعاد وأخرج كلّ أجزاء دراجته المفككة، ليجمع القطع سريعاً ويمتطيها منطلقاً عبر البوابة الأمامية ليستمتع بالبلدة قليلاً، لكن أحد الموظفين أوقفه مهرولاً خلفه قبل أن يمضي بعيداً.
هتف به بينما كان يزن في عقله مدى الإزعاج الذي قد يسببه ما يجري، مفكراً بجدية فيما إذا كان عليه متابعة التبدال متظاهراً بأنه لم يسمع: "أنا آسف، لكن الملكة تطلب حضورك!".
لا، الأمر على ما أظنّ على ما يرام، وقد تلقيت الكثير من العون من بيلينا، ليس عليّ الهرب هكذا ببساطة. استسلم لأمره، وسمح بأن يُقاد إلى غرفة جلوس، ليجد بيلينا وميرسي وثلاثة من الجان في نقاش عميق بينما انحنت السُّكّوب التي قادته إلى هناك وغادرت. شعر بن بعيون الجان تفحصه فتجاهلها، ومحض بيلينا كامل اهتمامه.
أخبرها غير آبهٍ بسبب وجوده هناك: "مهلاً، لقد أنجزت تلك الأغراض لترسليها متى شئت".
"هذا ممتاز، شكراً لعملك السريع يا بن، لكنّ من الواضح تماماً أننا لم نطلبك لهذا السبب. كما لا شكّ أنك تدرك، عاد رفيق ميرسي لذا كنا نأمل أن تبرهن على فاعلية أداة ورقتك الجديدة. افترضتُ أنك تريد رؤية كيف أدت الغرض لتتأكد مما إذا كانت تحتاج إلى أي تعديلات؟".
"أوه، إن كان هذا كلّ شيء فنعم بالطبع! في الواقع أود إعادة صنعها مرّتين أو ثلاثاً لأرى مدى جودة صنع باقي النقاشين لها إن كان هذا يناسبك؟".
"لا أرى مانعاً في ذلك إن لم يكن لدى الجميع اعتراض؟".
وافقت ميرسي بسلاسة بينما أومأ الجني الأنيق موافقاً. افср بن أنها ستتناول طعامها من ذلك الجني، لكن بدلاً منه تقدم جني آخر أبسط بكثير، كاشفاً عن رقبته لتغرس أنيابها فيها، وهو ما فعلته مسرعة بعد أن دست الأداة في فمها.
لم يطرأ تغير يُذكر على تعبير الجني، بل ربما بدا محبطاً قليلاً، لكنّه صرح بالنتائج كما اختبرها: "لم أشعر بأي من التأثيرات التي أضطر عادة لمقاومتها. لا متعة من التجربة ولا قوة تحاول كبح أفكاري. نظراً لضعف مقاومتي للظلام فأنا مطمئن بالقول إنها نجحت".
تمثل التغير الوحيد لدى الجان الآخرين في اتساع طفيف لأعينهم بينما بدت ميرسي متأثرة بالمشاعر. لقد حُلّت المشكلة المزمنة التي واجهها شعبها. سيبقى الأمر شاقاً، لكنّه قد يمكنهم إيجاد المزيد من البشر المستعدين للسماح لهم بالتغذّي الآن، مانحين إياهم فرصة للشبع. فكرة أنهم لن يعودوا على حافة الجوع المستستمر من أجل سلامة القلّة التي سمحت لهم بالأكل كانت كفيلة بجللب الدموع إلى عينيها، على الأقلّ حتى اقترب بن محاولاً وضع يده في فمها.
استطاعت بالكاد إخراج الكلمات دافعة إياه بعيداً ورغم امتلاء فمها: "انتظر، انتظر ماذا تفعل؟".
"قلت سابقاً إنني أود إعادة صنع النقش مرة أخرى على الأقلّ، لذا لا وقت أفضل من الحاضر. والآن كفّي عن كونك طفلة، لقد اضطررت لفعل هذا مرة بالفعل".
"نعم، لكن لم يكن أحد يراقب في تلك المرة...".
انقطعت كلماتها حين دبرت يده في فمها، متصلة بها بينما حطم وأعاد صنع النقش، شاعرأ بأسنانها تغرز في لحمه مجدداً. حقيقة أن الأمر نجح مع وجود مقاومة تبلغ ثمانين، إلى جانب المهارات ذات المستويات الأعلى، ربما أظهرت أنه يستطيع صنعها، ولكن ماذا عن النقاشين الآخرين؟ أصبح الأمر أكثر صعوبة عندما أعاد صنعه ليطابق بدقة أكبر ما يتوقعه منهم، ضاغطاً مقاومة بثلاثة عشر فقط والمستوى الأول من المهارات الأربع التي يمكنه توجيهها إليها، حتى وإن لم يكونوا في مرحلة القدرة على النقش بالنقوش بعد.
فور انتهائه، مسح يده طالباً باحترام من بيلينا معاملته بينما مسحت ميرسي فمها قبل أن تحاول مجدداً، غارزة أسنانها في رفيقها الجني ومراقبة ردّ فعلها. أدرك بن فوراً أن الأمر لن يكفي. اكتسبت النظرة في عيني الرجل أثناء مص دمه قدراً من المتعة لم يكن موجوداً من قبل، وإن كان طفيفاً.
"حسناً، لقد كان أضعف بكثير مما اعتاد عليه، لكني بالكاد احتجت لمقاومته. أسوأ من تلك التي كانت عليه وحدها، لكنّه تحسن إجمالي".
"هممم، وما هي مقاومَتُكَ للظلام؟"
سأل بن، ليتلقى إجابة غير متوقعة.
"ثلاثة فقط، للأسف".
"ماذا؟ إذن كنت تدفع آثار السيطرة بقوة الإرادة وحدها؟".
"نعم، للأسف يمتلك الجان مقاومة منخفضة للظلام بطبيعتنا، لكن مصاصي الدماء أهلنا، ومع قلّة الأجناس المستعدة للمساعدة، يجب على الأقوياء منّا مواجهة العبء".
أمعن بن التفكير في الأمر. علم أن السيطرة تتطلب مقاومة تصل إلى ثلاثين، ممّا يعني أنه حتى يحقق بقية النقاشين تقدماً ملحوظاً ليس فقط في تواصلهم، بل في النقش أيضاً، فقد لا يتمكنون من صنع أغراض مماثلة لمصاصي الدماء. مهلاً، لكن ربما لا يكون الأمر سيئاً إلى هذا الحدّ؟ أعني، لا يستطيع معظمهم استخدام التواصل للنقش بمهارات أخرى بعد، لكن فالاريا قادرة على ذلك على الأقلّ وبقية الفريق لا يحتاج سوى مستوى واحد إضافي.
قد يوجد حلّ هنا.
"إذن ربما يعني هذا أنني الوحيد الذي يمكنه صنع نقوش تغطي سيطرة مصاص الدماء بالكامل في الوقت الحالي، لكن لن يكون رائعاً أن أكون الوحيد الذي يفعل ذلك. إن حدث لي أي شيء فلا مزيد منها. بالطبع، إن صنع باقي النقاشين بعضها فسيمكنهم حجزها جزئياً فقط، ربما تركها في نطاق العشرة إلى العشرين اعتماداً على مقاومة كلّ منهم للظلام. لو كان هناك جنس يتمتع بمستوى أعلى من المقاومة ويضطر طبيعياً لوضع بعض قوة الإرادة لتفادي الوقوع تحت التأثيرات العقلية لمن حولهم".
لم يحاول حتى التلطف في الأمر وهو ينظر إلى بيلينا، ملمحاً بقوة إلى أن السُّكّوب يمكنهن تقديم بعض العون حتى تصبح مهارة النقاشين جيدة بما يكفي لتغطية آثار السيطرة الكاملة، لكنّها بالمقابل لم تكن تنظر إليه ولا إلى ميرسي، بل إلى الجني الأنيق الجالس مقابلها.
"ليس لدي مشكلة في تقديم العون لمصاصي الدماء والعمل على ضمان تغذيتهم بأمان نظراً لوجود بضع مئات منهم فقط، لكنّني لا أستطيع فعل ذلك من طيب خاطر".
"وبماذا تبحثين تحديداً؟"
سأل الجني، وهي المرة الأولى التي يتكلم فيها منذ وصول بن.
"يبدو أنه حتى مع الدعامات، تتردد بضعة أمم في السماح للأجناس ذات السحر الكامن بدخول أراضيها. مقابل دعمكم في ضمان حصولنا على نفس مستوى حرية الحركة الذي تعده الأجناس الأخرى أمراً مفروغاً منه، فضلاً عن إرسال عدد من سحرة الماء لديكم للمساعدة خلال الفصول الحارة، فلن أجد مشكلة في استقبال جنسهم بأسره".
"الشروط مقبولة. ميرسي، ألديك أي اعتراض على ما ذُكر؟".
هزت رأسها ناظرة بذهول لعدم توجيه الكلام إليها أصلاً قبل أن يتابع الجني: "إذن فهو اتفاق. أنت هناك، أتلتمس لطفاً إعادة الأغراض إلى أقصى أداء لها، وسنرحل بعدها".
فعل ما طُلِب منه قبل أن يتبادلا الوداع.
أخبرته منانية بانحناء: "لا أستطيع حقاً شكرك بما يكفي لما فعلته من أجل شعبي. إن احتجت يوماً لأي مسونة، فلا تتردد في الطلب".
"لا تقلقي، لقد كان مشروعاً ممتعاً. وبقول هذا، أترغبين بقضمة قبل رحيلك؟"
سأل ناصراً رقبته ومطلقاً ضحكة خفيفة.
"سأكون بخير مع رفيقي. يجب أن أقول إنني سأفتقد النكهة مع ذلك، امنحني تذوقاً آخر إن التقينا مجدداً. وبيلينا، شكراً على ضيافتك. سأحرص على بذل قصارى جهدي لأردها لك حين أعود".
"أتطلع إلى ذلك"
أخبرته بابتسامة، ومع ذلك غادر الجميع تاركين بن وبيلينا وحدهما بينما استرخت هي إلى الخلف.
"ملوك، تلك الاجتماعات مرهقة دائماً".
"إذن من كان الجنيان الآخران على أي حال؟ إن استطعت التفاوض معهم فلابد أنهما مهمان".
"واحد فقط بالحقيقة، فهما الملك وحارسه"
أوضحت، ملقية بقنبلة أكبر بكثير مما توقع.
"حتى وإن لم يعش مصاصو الدماء بينهم، ما زال الجان يقدّرون الصلة، مهما بلغت تعقيدات العلاقة. بالطبع، خطتك الصغيرة للتخلص من صنع تلك لكلّ مصاص دماء منحتني شروطاً ملائمة منه أيضاً، لذا أقول إن الأمور سارت بشكل رائع للغاية. مع ذلك، أتمنى ألا تفقد كثيراً شعور امرأة جذابة تمرّ بلسانها على رقبتك"
مازحتْه.
"أرجوكِ، أعرف المدة التي يعيشها مصاص الدماء، فضلاً عن حقيقة مشاركتهم للجان في عدم التقدم بالعمر. إن كانت ميرسي قائدتهم فيجب أن تكون في الثلاثين على الأقلّ، وربما أكثر بكثير".
"هممم، إنه لأمر مملّ بعض الشيء أنك تعرف ذلك، لكنني أتخيل أن هذا يفسّر سبب إظهارك لكلّ هذا القدر القليل من رد الفعل. بالطبع، لا يمكن قول الشيء نفسه عن ابنتي العزيزة"
ضحكت بيلينا.
"إنها تصبح شديدة التعبير حقاً عندما تكون بالقرب".
صحيح، لم تبدُ ثيرا متحمسة حيال ما دخلت عليه في اليوم السابق ولم يتمكن من رؤيتها كثيراً منذ ذلك الحين. يبدو أن الوقت قد حان للحديث عن ذلك.