حين وصلا إلى وجهتهما، عرض بن ما يدور في ذهنه.
"العصا التي معك الآن هي آخر ما أعطاك إياها فالك، أليس كذلك؟ الأفضل أن تحتفظي بها للطوارئ. أما الآن، هل تمانعين في تجربة ما صنعته وتخبريني برأيك؟"
نظرت إلى عصاها بتردد قبل أن تعلقها على ظهرها وتتناول تلك التي مدّها بها بن، ثم تفحصتها بمللي.
"التصميم بغيض البساطة وملمسها خشن، أمتأكد أنهم سيصمدون؟"
"لا علم لي، لكنها التي أنهيتها قبل أن يرتفع مستواي، الاثنتان اللتان صنعتهما بعدها ستكونان أفضل."
رفعت العصا أمامها وركزت، دافعة المانا من خلالها لتستجمع تعويذتها. راقبها بن بترقب، متلهفاً لرى ما ستخرجه. كان قد رأى بضع أفعال سحرية صغيرة في أشهره هنا، لكن بدا أنها تجهز لشيء ضخم. في تلك اللحظة تهززت الأرض وانقلعت كتل ترابية منها لتلتحم في كرة خشنة أمامها بقطر يناهز مترين. بهزّة من عصاها طارت الكرة... لبضعة أمتار، قبل أن تهوي على الأرض وتتفكك عائدة تراباً منثوراً.
كان الأمر مخيباً للآمال قليلاً، لكن حين التفتّ إليها مجدداً اتضحت المشكلة. مع نهاية التعويذة كانت العصا قد تحطمت إلى شظايا معدنية.
"عديمة الفائدة."
جرحه تقييمها الصريح قليلاً، لكن لا مجال للشك في أن عمله قصر دون المهمة.
"إذن لم تنجح الأولى، ما زال لدينا اثنتان أخريان."
قال لها بحماس مفتعل.
"ربما بإمكانك استخدام تعويذة أصغر هذه المرة؟ لا المفترض أن نحتاج شيئاً كهذا لصيد السكريل."
تمتمت من بين شفتيها: "لا أستطيع."
"عذراً، ماذا?"
تمنى لو أنه أساء سماعها، لكن ذلك الحلم تبدد.
صرخت فيه بغضب: "تلك أصغر تعويذة يمكنني إتيانها، حسنًا! ألديك مشكلة مع هذا؟"
لم يستطع حتى ملاحظة مدى دفاعيتها من كثرة ما دار في رأسه. هذه أصغر تعويذة يمكنها صُنعها؟ أهذا ما قصدوه حين تحدثوا عن كمية المانا التي تمتلكها؟ أيه ميرياد، أأنت هنا؟ ماذا يفترض بي أن أعل بهزاء الصدد؟ <همم، يبدو لي أنني أستمر في إدراك سبب استنفادها لهذا العدد الهائل من العصي. لا بد أنها تمتلك مستوى مانا مرتفعاً بشكل لا يصدق لكن بمستوى مهارة ضئيل.
لن تمتلك أي سيطرة تتماشى مع هذا، أشك في أنها تستطيع حتى استخدام السحر بلا عصا.> "أتمانعين في إيراد ما يمكنك فعله بلا عصا كي تكون لدي مرجعية."
سأل متمنياً أن يكون ميرياد مخطئاً. لارتياحه، بدأت في جمع طاقتها دون جدال، رغم أنها بدت ساخطة حيال الأمر، وشرعت في استخدام سحرها. ارتفع التراب المنثور في محيط عشرات الأمتار إلى الهواء. ثم هوى سريعاً إلى الأرض مجدداً.
"...أكان هذا كل شيء؟"
"ألديك مشكلة مع ذلك؟"
"كلا، أفكر فحسب."
أتعتقد أن أياً من العصيين الأخيرتين ستنجحان؟ <يجب أن تكونا قادرتين على الأقل على إطلاق تعويذة واحدة سليمة... أعتقد ذلك.> هذا لا يبعث على الاطمئنان.
"حسناً، لزاماً عليّ السؤال، كم طلقة تقولين إنك تحظين بها مع عصي فالك قبل أن تنكسر؟"
"...لا أرى أي صلة بين الأمر والسؤال."
تحاول تفادي الإجابة. <قال فالك إنها تدوم معها لأسبوع، لا بد أن الأمر ليس سيئاً للغاية.> حاول ميرياد التحلي بالتفاؤل لكن بن سمع حدة القلق في صوته.
"عصاي الأولى لم تدعك حتى تكملين تعويذة. إن كان معلمي يرى أنه يجدر بي صنع شيء يدوم معك يوماً أو يومين، فيجب أن أعرف العدد المتوقع للطلقات."
أشرفت بوجهها بعيداً، جليّاً أنها لا توّد خوض هذا الحديث. بذل بن قصارى جهده لكبح تنهيدة مطولة وتابع.
"انظري يا ثيرا، سأبذل قصارى جهدي لأصنع لك أفضل منتج أستطيعه. ربما لن ترقى للمستوى الذي اعتدتِ عليه، لكنني أريد على الأقل معرفة مدى حاجتي للتحسن إن كنت سأبلغ توقعات معلمي. وكي أفعل هذا، أحتاجك أن تتعاوني معي، ولن أحكم عليك."
"...حسناً، لكن احتفظ بالأمر لنفسك. حوالي أربع عشرة أو عشرون."
أحافظ على استقامة وجهي، أليس كذلك؟ لا يبدو وكأنني على وشك الصراخ أو ما شابه؟
<أنت في الجانب الآمن.> "لنفترض عشرين إذن. أَتخرجين للصيد سبعة أيام في الأسبوع؟"
"ستة. آخذ يوماً للاسترخاء."
"حسناً، لِنقل إذن إنني بحاجة للوصول بعصيّ إلى جودة تمكنها من الصمود لنحو ثلاث طلقت في اليوم. أيعلم فالك أنك لا تستمدين سوى عشرين استخداماً من كل عصا؟"
مجدداً اكتفَت بالتململ وحاولت تفادي السؤال، وهو ما مَثَل الإجابة التي أرادها بن.
"وصلت الرسالة. حسناً، سنغير خططنا، جرّبي العصيين الأخيرتين ثم لنرجع. سأحتاج إلى بعض التجريب لأصنع شيئاً يؤدي بشكل أفضل."
"لكننا لم نصطد شيئاً بعد حتى الآن!"
"ألهذا الحد أنتِ شحيحة المال؟"
"المال ليس المسألة. لن نرفع رتبة مغامرينا أبداً إن لم نصطد بانتظام."
بدا أن طمعها يميل نحو المكانة لا الثروة، ولم يكن بن ليقبل بهذا.
"إن كانت العصي التي صنعتها بالفعل لا تستطيع الصمود خلال تعويذة واحدة فلن تكوني قادرة على صيد أي شيء على أي حال. دعيني فقط أراقبك وأنت تطلقين تعويذاتك، وآمل أن أملك شيئاً أكثر قابلية للاستخدام الأسبوع القادم."
لم تستطع مجادلة حقيقة أنهما لن يحققا أي نجاح على أي حال، لكنها ظلت أبعد ما تكون عن الرضا جراء مجريات الأمور. رغم ذلك، فعلت ما طُلب منها وتناولت العصي التالية، خشبيّة ملفوفة بسلك معدني عولج بدم الهونتار، وأعدت التعويذة ذاتها كالمرة السابقة. بدأت باستخدام سحرها ومجدداً تشكلت كرة أرضية ضخمة تطفو أمامهما قبل أن تدفعها لتطير، لتصل هذه المرة إلى نحو عشرة أو خمس عشرة متراً قبل أن ترتطم بالأرض، وتتحطم العصا في يدها.
"حسناً، كان هذا تحسناً على الأقل، أيعمل الخشب كموصل أفضل لسحر الأرض، أم لعل خصائص تعزيز دم الهونتار هي ما أبقاها متماسكة لفترة أطول؟ على أي حال، جرّبي الأخيرة ثم لنخرج من هنا."
أسقطت شظايا العصا الأخيرة وتناولت الأخيرة، مفضلة بن الشخصية. كانت عصا معدنية أخرى، لكنها توهجت بزرقة خافتة نتيجة تفاعل بين النحاس المصنوعة منه وعظام كابوس.
"لم تبدو هكذا؟"
سالت بتردد في استخدام الغرض الغامض بين يديها.
"بما أنه سُمح لي باستخدام أي شيء، فقد جربت بعض المواد غير العادية في المتجر. لا بد لي من القول، أنا راضٍ حقاً عن النتيجة التي آلت إليها."
"تبدو شريرة قليلاً."
بينما تقبض يداه على قلبه، حاول تنحية كلماتها جانباً.
"تلك على الأرجح أفضل عصا صنعتها حتى تاريخه. إن أخذنا بالحسبان المواد التي استخدمتها لقلت إنها أكثر قيمة من أي عصا قد يستخدمها مغامر متوسط من الرتبة السادسة. حسناً، أظنك معتادة على استخدام عصي استثنائية، لكنني ما زلت حقاً حقاً- آآه، تبّاً."