«أهنا فقط يا آنسة هنتاث؟»
سأل تولثو، وهو يساعد شيخة الدرياد في حديقتها، فيما كان أطفال من كلا العرقين يركضون حولهما، وكانت هنتاث تلوح له بيدها لتنصرف وهي تحصد محصولها.
«كفى من كلمة آنسة. لن تجد دريادا هنا ليست آنسة. نادني هنتاث فحسب.»
«حسنا، هنتاث إذن»، قال ضاحكا وهو يضع سلة الخضروات أرضا.
«في هذه الحالة، هل من شيء آخر أستطيع مساعدتك فيه؟»
«أجل. يمكنك مساعدتي في أكل هذا، ريثما نتأكد من أن الصغار لن يكسروا سيقانهم»، قالت، ثم رمت إليه ثمرة قبل أن تسحب بعض كراسي الحديقة إلى جوارها لتراقب الأطفال وهم يلعبون.
«لكن هل أنت متأكد من أنه ليس لديك ما هو أهم تفعله الآن؟ أستطيع أن أراقب صغارك. لا داعي لأن تقلق.»
«ها، لا. أشكرك، لكن هذه إحدى مسراتي الصغيرة، ومع انشغال آبائهم بأعمالهم، فإنها تمنحني شيئا أفعله. لا حاجة كبيرة إلى أن أقود قومي في بلدة كهذه، لكنني أستطيع على الأقل أن أراقبهم وهم يستمتعون بالحياة التي وجدناها هنا بعد كل ما مررنا به.»
«همم.»
وبينما استقرت الدرياد ببطء، أخذ الديميس يظهرون لمساعدتهم. وحتى لو كان ذلك بطلب من سيدهم، فقد كانوا جيرانا مرحبين بهم إلى أبعد حد، وكانوا كثيري الكلام بما يكفي لتعرف هنتاث أنهم انتقلوا إلى هنا في ظروف مشابهة.
«وماذا عنك؟»
تابع تولثو سؤاله.
«هل غير الانتقال منصبك بأي شكل؟»
«بفف، كان منصبي أنني بلغت من العمر حدا يجعل الصغار يلجؤون إلي طلبا للنصيحة، ويثقون بي في تنظيم أي هراء يحتاج إلى إنجازه. وسأكون محظوظة إن تغير ذلك أكثر»، أخبرته.
«لكن الأطفال سعداء، ولعل الانتقال إلى هنا كان تجربة جيدة بالنسبة إليهم، على الأقل. وهذا يكفيني.»
ورؤيتها لهم يركضون حولها، ممتلئين بالحياة والطاقة بعد ما مروا به، لم يكن ليسع قلبها إلا أن يهدأ. وساعد في ذلك أن للديميس صغارا من جماعتهم أيضا، مما سهل اندماج قومها وهم يبنون علاقات مع البلدة من حولهم ببطء. ولم تستطع إنكار ما حمله ذلك من منافع بدأت هي والجميع يقدرونها. فعلى الرغم من أنهم جميعا كانوا خجولين بعض الشيء في البداية، فإن وجود أشياء كثيرة يمكن شراؤها من دون انتظار تاجر جوال يمر بالبلدة كان فائدة لا تنكر.
ومن خلال ذلك أخذوا يبنون علاقاتهم الخاصة، التي بدأت تتجاوز الديميس وحدهم.
«حسنا، إذا احتجت إلى...»
«آه، كفى حديثا عما أحتاج إليه. اجلس واسترخ قليلا، هلا فعلت؟ لا تكف عن العمل، أنت أسوأ من رسولك.»
«ها، لعلّك محقة، لكن الاسترخاء ليس من طبعي. ستعملين قريبا في كشك بالسوق، أليس كذلك؟ أعرف أن محاصيل الدرياد ومؤنهم المحفوظة لاقت استحسان أهل البلدة. دعيني أساعدك في إدارته.»
«... كما تشاء»، قالت له هنتاث وهي تهز رأسها، بينما أخذ تولثو يضحك من جديد.
ومهما حاولت أن تبدو فظة، فإنه لم يعد يعرض مساعدته استجابة لطلب من سيده، بل لأنه وجد نفسه يستمتع بصحبتها. ولم تكن فظاظتها تردعه، إذ كان يرى أيضا مدى رعايتها للأطفال، أيا كان العرق الذي ينتمون إليه. وبعد أن وافقت على أن يساعدها، سمح للصمت المريح أن يستقر بينهما وهما يراقبان الأطفال يلعبون، سعيدين معا بالروابط التي كانت تتشكل. وبينما كان الديميس يندمجون في البلدة، فيلتقون بالناس ويكوّنون الصداقات بفضل الأعمال التي تولوا بها، كان التعرف إلى مزيد منهم وبناء الروابط معهم نعمة، وكان أسعد ما فيه أن الأطفال حظوا بفرصة اختبار ذلك أيضا.
وحتى لو اضطروا، في صغرهم، إلى التعثر في بعض الأمور وهم يتعلمون الفروق بين عرقيهما، فقد كان واثقا من أن أمثال هذه الفروق لا بد أن تستكشفها في أرجاء العالم جماعاته كلها. ومع ذلك، كلما صار جزءا أكبر من هذا كله، اتضح له أن تلك الفروق تجعل العالم أغنى، وغمره الفرح حين عرف أن من شاهدهم يكبرون منذ يوم ولادتهم سيشبون وهم يدركون ذلك. ولم يأمل إلا أن يدوم هذا الفرح.
«حسنا، ما دمت هنا، هل تمانع في مراقبتهم جميعا بينما أبدأ إعداد الغداء للجميع؟»
سألته هنتاث، قاطعة الصمت.
«أظن أن وقت ذلك قد حان.»
«بالطبع، يسعدني أن...»
لكنه لم يتم كلامه. فقد اعتاد هو والديميس منذ زمن أن يمنحوا الصوت كامل انتباههم، ذلك الذي عرفوا أن بقية العالم يطلق عليه إشعارات النظام، حين مر في رأسه إشعار مفاجئ. وانقسم تركيزه بالقدر الكافي ليرى بقية أطفال الديميس يتجمدون في ألعابهم، منصتين على ما يبدو إلى الشيء نفسه.
«يا للهول، لا يوجد شيء هنا اليوم حقا»، تذمر سكو، فقد بدا أن رحلة الصيد التي خرجت جماعتهم من أجلها تحولت إلى يوم لجمع الأعشاب، إذ لم تظهر الوحوش التي قصدوا العثور عليها أدنى علامة على وجودها.
قالت ساشل وهي تلمح رقعة أخرى من الأعشاب الطبية البرية وتستخدم سحرها لتنمي منها المزيد قبل أن تحصدها، مواصلة ملء أذرع أفراد جماعتها بالنباتات: «ربما كانت القطيعة عابرة فحسب. لا آثار أقدام، ولا فضلات، ولا دماء. لم يقتلها شيء، ولسنا نتعامل مع شياطين، لذا فهي لا تختبئ أيضا. يحدث هذا أحيانا. سنعد تقريرا في طريق عودتنا ونسلم هذه الأعشاب. سيكون المقابل جيدا دائما لجمع هذا القدر، حتى إن لم نجد شيئا نصطاده».
في الواقع، كان وجود ساحرة نباتات مستيقظة في جماعتهم يضمن أن تكون أي مهمة لجمع الأعشاب شديدة الربحية، إذ كانت كل رحلة يعودون منها ببضع أعشاب على الأقل، مهما كان الغرض الذي خرجوا من أجله في الأصل. كانت قوة ساشل نافعة إلى حد لا يصدق، وكان الخيميائيون يسرون كثيرا بوصول هذه الأشياء إليهم من النقابة، حتى لو اضطروا إلى تجميدها أو تجفيفها قبل إرسالها، لكن الثلاثة الآخرين، الذين يركزون على القتال، كانوا يشعرون أحيانا بأنهم يفوتون فرصة للتدرب على مهاراتهم.
ومع ذلك، كانت بعض الأيام تمضي هكذا، وبما أن ساشل تؤدي كل العمل ومع ذلك سيتقاسمون المقابل بالتساوي، فلم يكن أي منهم يتطلع حقا إلى الشكوى، فصار سيرهم بين الأشجار أقرب إلى نزهة عابرة منه إلى أي شيء آخر.
سأل آسو، بينما كانت الجماعة تخطط ليوم راحة: «هل لديكم خطط للغد؟ أرجو أن يكون أحدكم يفعل شيئا ممتعا، فأنا لا أملك سوى عمل العيادة».
رغم وجود أنصاف الأعراق الآن للمساعدة في أمور كهذه، ظل والد آسو يصر على أن تحافظ على حدة مهاراتها، حتى مع امتلاكها وقت فراغ أطول للمغامرة، ورغم أنها لم تكن مسرورة بذلك، فإنها لم تكن تختلف معه تماما، ولذلك كانت معظم أيام راحتها مشغولة سلفا.
قالت راليا للفتاة الأخرى، وقد بدا أن أيام راحتهم ستظل مشغولة لبعض الوقت: «بعد ما حدث، سنعطي نحن الثلاثة الدريادات دروسا قتالية أساسية. وربما نحاول تسجيلهن في النقابة لنصطحبهن في بعض مهام الصيد. ما حدث كان سيئا، لكن كان يفترض بهن أن يتعاملن معه على نحو أفضل، لذلك علينا أن نعمل على ذلك».
لم تكن تلومهن. كن مجرد مدنيات، ولم يسبق أن واجهن شيئا أعظم من صد شيطانين اقتربا أكثر مما ينبغي. كان القتال ضد حشد بدا بلا نهاية أكبر مما يستطيع معظم الناس الاستعداد له، ومع ذلك، لم يغير هذا حقيقة أن القوى التي يملكنها كانت تتيح لهن فعل المزيد. كانت أرواحهن، شأنها شأن أرواح كثيرين غيرهن، قد عدلت بطريقة جعلتها تفيض بالقوة والطاقة، لكن الذعر حال دون استخدامهن لها بالقدر المفترض.
والآن، بعد أن أدركن أن ذلك يمثل مشكلة، كان لا بد من تغييره. لم يكن بوسع الاثنتين أن تساعدا كل دريادة على اكتساب مهارات استخدام السلاح في ذلك الوقت، لكنهما استطاعتا، في أقل تقدير، أن تتباريا معهن أملا في أن يصبحن أكثر استعدادا لأي قتال مقبل.
سأل سكو، حين رأى عيني راليا الشبيهتين بعيني الأفعى تضيقان: «مهلا، هل يعني هذا أنني قادم أيضا؟»
«يمكنك أن تجادل إن شئت، لكنك ستنتهي مقيدا ومكمما ومتطوعا لأي اختبار يريد ذلك المختل إجراءه».
«مهلا، مهلا، تمهلي. أنا لا أمانع المساعدة»، أسرع سكو إلى القول.
«كان من اللطيف فقط أن تسألوني أولا».
قالت له ساشل بأدب أكبر: «سنقدر مساعدتك يا سكو. ما زالت عائلتي تعتاد التعامل مع الأعراق الأخرى عموما، لذا سيكون القتال معك تجربة مفيدة. لكن، وبعيدا عن ذلك، لا يمكن أن تظل خائفا من بن. لقد منحك حرفيا ذلك الشيء الذي تعرفه».
لم يكن أي منهم على وشك أن يقول صراحة إنهم نالوا تلك الهبة، فقد أقسموا على السرية لقاء حصولهم عليها، إلى جانب وعدهم بالمساعدة في بعض الاختبارات المستقبلية إن ظهرت الحاجة، لكن سكو اكتفى بهز رأسه.
«لا. مع أنني أقدرها، فإن قدرته على فعل ذلك أشد إخافة. ثم إن التفكير في أي تجربة مستقبلية غريبة قد نخضع لها يجعلني أشعر بأنني في الجانب السيئ من ملك شرير».
ابتسم آسو للرجل، مستمتعا بالطريقة التي جعلته يتلوى بها: «سواء كان شريرا أم لا، فأنت في الجانب السيئ من ملك. هذا جزاء كونك أحمق فظا».
ورغم أنها لم تمانع العمل معه، كانت صديقة لثيرا، وكانت سعيدة بما يكفي لرؤية الرجل يواصل دفع ثمن إساءته إليها في السابق، من دون أن يجد ما يقوله. ما حدث قد حدث، والآن لم يعد أمامه سوى التعامل مع عواقبه.
فكرت ساشل متنهدة: «مع أنه لو كان أقل غباء، لاستطاع أن يحاول الاعتذار»، وكانت هي وراليا تشعران بندم صادق على المعاملة السيئة التي شاركتا في السماح بها، ما أتاح لهما أن تطورا صداقة حقيقية مع الفتاة الأخرى.
«ربما ينجح يوما في التفكير في ذلك من تلقاء نفسه».
وحتى يحدث ذلك، لم يجد الآخرون مشكلة كبيرة في تركه يعيش خائفا من بن، رغم أن خوفه كان في تلك المرحلة مبالغا فيه إلى حد بعيد. بالطبع، ما زالت راليا تخاف منه قليلا أيضا. همم، ربما يجدر بي أن أرى إن كانت ثيرا ترغب في أن نخرج معا في موعد مزدوج ذات يوم، لمجرد محاولة تهدئة الأمور و... انقطعت أفكارها، والتوى وجهها معها. توقفت ساشل عما كانت تفعله ونظرت إلى بطاقتها، فرأت أن الإشعار غير المتوقع كان حقيقيا، رغم أنها لم تفهم سببه.
سأل آسو، وقد انتبه إلى ملامح قائدتهم الحائرة: «هل هناك خطب ما؟»
قالت: «لا، ليس الأمر سيئا. أنا فقط...»
جلست فالاريا في معبدها يوم عطلتها لتؤدي واجبها ككاهنة كبرى بعد أن بدأ عدد المحتاجين إلى الجبائر يتناقص أخيرا. أخرجت عددا من القطع المختلفة لتنقش عليها متدربة على النظام الذي علّقها إياه رسولها وشعرت بأن رأسها يكاد ينفجر كلما توغلت أكثر. لم يأت مؤمنون آخرون ولذا لم تكن بحاجة إلى تقديم أي توجيه فامتلكت الوقت على الرغم من أن التدريب جعلها تتمنى لو تجد ما يلهيها. كان العمق الكامن خلف نظام النقش فوق طاقة البشر بكثير.
على الرغم من وجود طرق بسيطة للقيام به فقد بدا وكأن إمكاناته لا تنتهي وكلما توغلت أكثر اتضح أكثر فأكثر أنه لا يناسب العقول الفانية. حتى مع الاستيقاظات التي حصلت عليها فكيف يُفترض بأي شخص أن يدير هذا القدر الكبير من ترتيبات المانا دفعة واحدة ثم يخرج بشيء متماسك في النهاية؟ حتى لو كانت تنجح فقد بدا مرجحا أن يتحول هذا إلى فن منسي خلال ججيل أو جيلين. بغض النظر عن المستوى الهائل من الإمكانات التي يمكن استخلاصها منه فما لم يبدأ النقاشون في مختلف أنحاء العالم بالاستثمار في مهارات العقل فمن المرجح أن يستمر النقاش العادي في العمل بنظام أبسط.
قالت لنفسها وهي تتنهد حتى لو كان جميليا بينما جعلها عملها الأصلي نقاشة تشعر بأن المهمة مرضية على الرغم من تذمرها ورغبتها في دحض كل فكرة راودتها عنه. ماذا لو كان أصعب من أن يستخرج أي شخص إمكاناته الكاملة؟ كان ينبغي للإمكانات الجزئية وحدها أن تكون أكثر من كافية لهزيمة أي نظام آخر وماذا لو احتجنا النقاشين الآخرين للبدء في التدريب على مهارات العقل وتطويرها أيضا؟ ألم يكن هذا ثمنا زهيدا مقابل الوصول إلى ذلك المستوى من الكمال في حرفتهم؟
حسنا ربما إذا وجد أي شخص يوما طريقة أسهل لاكتساب مهارات تعزيز التفكير فسوف يرى هذا النظام استخداما أوسع حدثت نفسها عاجزة عن إنكار رغبتها في رؤية الحرفة السحرية تزدهر. وإضافة إلى ذلك —
<تم بلوغ الحد الأقصى لمستوى مهنة سيّد العقل>
أمم؟ ماذا؟ تساءلت فالاريا وهي تسحب بطاقتها وترى أن الإشعار الذي تردد صداه للتو في رأسها لم يكن هلاوس سمعية. لقد أنهت مهنتها حقا وبكر بكثير عما كانت تتوقع. بالطبع لم تكن تتابع الأمر باستمرار فلم تكن من اللائي يتفحصن تفاصيل حالتهن يوميا لكن المرة الأخيرة التي تفحصتها فيها كانت قبل بضعة أيام وأقسمت أنها كانت في منتصف الطريق فقط.
عللت الأمر قائلة: "لابد أنني قرأت الخطأ".
وإما أن العمل على هذه النقوش يمنحني خبرة أكثر مما ظننت أو أن التغييرات في سماتي تقدم لي مساعدة أكبر بكثير مما توقعت. إن كان الأمر الثاني فهذا يعني أن الشيء نفسه يحدث يقينًا في شتى أنحاء العالم مع تعديل أرواح الكثيرين وخوضهم للنمو المتفجر الذي رافق ذلك. حتى في الأيام القليلة التالية ظلت تحصل على مستويات لسحرياتها ومهاراتها الأخرى بفضل القدر الهائل الذي باتت قادرة على فعله بها أثناء التدريب لكنها بعد إنجاز ذلك لم تكن لتضيع أي وقت.
كان لمعبدها مثل العديد من المعابد الأخرى بلورة مهنة متاحة للاستخدام العام ومع ذلك كان لديها بلورة أخرى أقرب. حول عنقها انتظرت بلورة أكثر قابلية للحمل هدية من رسولها لمسته وأعطت إجابتها دون تفكير ثان وتم اتخاذ القرار لحظة تأكيدها للخيار الجديد.
<تم اكتساب مهنة: سيّد الروابط - المستوى 0> <منح مكافآت هائلة لتحسين الذكاء> <ستحصل جميع مهارات الروابط على مكافأة نمو كبرى> <ارتفاع مستوى النقش> <تم اكتساب مهارة: ميل الروابط - المستوى 0>
يبدو أن النظام يعامل الروابط كمهنة عقلية لدرجة أن المرء لا يفتح مهنة سيّد الروابط إلا بعد الانتهاء من سيّد العقل أولا وهو أمر حُذّرت منه مسبقا لكنها تركت ابتسامة ترتسم على شفتيها مع المستويات والمهارات التي جاءت معها وإلى جانب القدر الأكبر من القوة الذي يمكن جني مثل هذه الأمور. دامت ابتسامتها لثانية كاملة متخذة منحنى أغرب بكثير حين ملأ إشعار جديد رأسها بعد لحظة واحدة فقط وغير متوقع أكثر من سابقه.
<تم بلوغ الحد الأقصى لمستوى مهنة سيّد الروابط>
ماذا؟ تفحصت بطاقتها مرة أخرى لتكشف مجددا عن حقيقة الإشعار مع السؤال الإضافي عما إذا كانت قد سمعت خطأ مرة أخرى قبل أن تأخذ بلورة مهنتها وتتخذ خيارا آخر ليملأ الخيار الجديد رأسها من جديد.
<تم اكتساب مهنة: مستخدم العقل الأركاني - المستوى 0> <منح مكافآت كبرى لتحسين المانا ومعدل استعادة المانا والذكاء> <ستحصل جميع مهارات العقل والسحر على مكافأة نمو كبرى> <ارتفاع مستوى السحر المظلم> <ارتفاع مستوى سحر الماء> <تم بلوغ الحد الأقصى لمستوى مهنة مستخدم العقل الأركاني>
حسم ذلك الأمر. لم تكن تفهم ما يجري، لكنها لم تكن لتفوّت شيئا مع كل تلك المكافآت التي يمنحها، فاختارت فورا خيارا آخر، وظلت البلورة في يدها منذ المرة السابقة وهي تنتقي، وأنهت خيارين آخرين من المستوى الثاني قبل أن تنتهي أخيرا البركة التي كانت تغمرها. حتى عندئذ، كانت بطاقتها ترتجف في يدها، لكنها أظهرت لها أنها تجاوزت منتصف خيارها الأخير لهذا اليوم، فشعرت بالوهن في ركبتيها وأسندت نفسها إلى المكتب أمامها.
لقد حدث أمر مذهل، شيء لم تختبر مثله قط، إذ انهالت عليها دفعة واحدة مكافآت كثيرة بالغة الأهمية. ترددت بين أن تصلي وأن تحاول استجماع نفسها، فغلبها الخيار الثاني في تلك اللحظة، وجلست تحدق في كل التغييرات التي طرأت معها، حتى إنها بالكاد أدركت صوت الباب وهو ينفتح.
"أوه، مرحبا يا فال"، رحب بها أحد أتباع ميارياد الآخرين في تلك المدينة، وفي صوته مسحة من الحماسة لم تلاحظها فالاريا، فقد كانت شاردة الذهن.
"لدينا بلورة مهام هنا، أليس كذلك؟"
"آه، أجل، إنها في الخلف"، أجابت شاردة، فلم تنتبه حتى إلى هوية التابع، ولم تنتبه إلى ما قاله إلا حين كان قد بلغ الخلف بالفعل.
"لحظة، بلورة مهام..."
وما إن انفتح الباب من جديد حتى دخل تابع آخر، مبتسما حين رآها.
"مرحبا يا فالاريا، كنت آمل أن تكون بلورة المهام متاحة."
"آه، ثمة شخص يستخدمها الآن، لكنها ستصبح متاحة بعد لحظة على الأرجح، فتفضل"، قالت وهي تشعر كأنها في حلم، ثم مشت إلى باب الكنيسة وأخرجت رأسها، فرأت وجهين آخرين تعرفهما يشقان طريقهما إلى المكان، وتوقعت أن ينضم إليهم المزيد في نهاية المطاف، ولم يعلق في ذهنها سوى سؤال واحد.
ماذا حدث هنا للتو؟