نادى سيسيلى بن صباح اليوم التالي بينما كان يعمل قرب منطقة الحوريات الجديدة في البلدة: "تمنيتُ لو أنك ذكرت لي شيئاً كهذا مسبقاً"، وحولَه حشدٌ تجمّع لمشاهدة بناءه السريع لقوسين عملاقين، مع عمال استعداد لتوفير جميع المواد التي يحتاجها باستمرار بينما كانت المواد المنشأة تطير في الهواء بقوة سحرها، لتُشكل وتُنقش في الوقت عينه، "فأنا لا أحتاج أحداً يطرق بابي في الساعات الأولى من الصباح ليطلب مني جلبك".
أجابها أثناء عمله: "لا داعي لجلب أحد، فأنا لا أُحدث مشكلات هنا، بل أكاد أنتهي أيضاً، سأفرغ من هذا ثم أقفز لأفعل ما أريد وأتخلص من هذه بعدها".
قالت له، بينما كان القوسان الشاهقان مرئيين من كل أنحاء البلدة بفضل حجمهما الهائل: "حسنًا، انظر، حقيقة أن كلامك يلمح إلى أن لهذه الأشياء غاية ما وليست مجرد نزوة فنية عشوائية منك هي المشكلة بعينها، أليست هذه أسلحة؟".
"لا".
"ألن تنحرف بطريقة ما فتجعل نباتاتنا كلها مجنونة مجدداً؟".
"كلا".
"ألن تفعل شيئاً يزيد من حجم عملي؟".
"..."
"قُل لا يا بن!".
صاح رداً عليها: "لن يكون الزدياد كبيراً، وإن كان الأمر مزعجاً إلى هذا الحد بالنسبة لك، فاطلبي من رئيس بلديتنا أن يتعامل معي بدلاً من إلقاء عمله على عاتقك".
ثم التفتت لتسأل: "لسوء الحظ، التعامل معك يتطلب رغبة ما في مجابهة مهووس، وهذا ليس طبقاً للجميع، فهل يستطيع أحدكم إخبارِي إذن بما يفعله؟"، ولم تهتم بالحشد الأكبر الذي جاء لمشاهدة البناء الغريب، بل توجهت لمن هم أقرب إليه، حيث كانت ثيرا ومورا وديلير إلى جانب ساكيل هناك بناءً على طلبه، والبقية من الحوريات بالقرب منهن أيضاً.
هزت ساكيل كتفيها وقالت: "أُخبرت فحسب أنني سأكون مفيدة حين أمسك بي"، وظلت مستعدة للمساعدة إن لزم الأمر، بينما بدت مورا غير متأكدة بدورها، في حين لم تمنح ديلير زعيمة النقابة أدنى اهتمام، مركزة تماماً على عمل معلمها، ومستخدمة معرفتها التي غرسها فيها لتفسير الهياكل الضخمة والتعلم منها.
وأخيراً، حولت تركيزها نحو ثيرا، فنالت إجابة، وإن كانت أقل مما تمنت.
قالت ثيرا: "لا أظن أنك ستصدقين الأمر حتى تريه، فقط... حسنً، لن يؤذي أحداً لذا لا بأس، وسيضمن أن تكون الحوريات أكثر راحة هنا أيضاً".
"..."
أرادت سيسيلى ما هو أكثر؛ وكانت مستعدة لتصديق الكثير إن اضطرت، ولكن قبل أن تتمكن من الضغط أكثر، حدث أمران معاً. انتهى بن من عمله، وظهر كائن جديد.
هتف بن وهو ينظر إلى البوابات العملاقة التي صنعها بينما كان بقية أهل البلدة يراقبون في ذهول: "رائع!".
وبهذا، أصبح استطاعته صنع أمور كهذه مكشوفة تماماً أمامهم، ولكن نظراً لأن الكثير من مغامري ستونوول قد استخدموا البوابة المصغرة التي صنعها حين كانوا يساعدون في إنقاذ الحوريات، فالخبر كان سينتشر عاجلاً أم آجلاً على أي حال، فلا داعي لإخفاء سر بات معروفاً للناس في أنحاء العالم أجمع في تلك المرحلة، ومع تقريب البوابتين من بعضهما حتى لم تبقَ بينهما سوى أقدام معدودة، استدار بن ليخاطب القواف الجديد الذي جاء لمساعدته على الاستفادة حقاً من طبيعة بنائه الأحدث: "أوجيلت، لقد جئت في الوقت المناسب تماماً".
سأل روح الفضاء العظيم، وهو ينظر إلى البوابات الجديدة وكيف كانت تحور نطاق قوته باهتمام، قبل أن تقع عيناه على بن وتموجات الواقع المختلفة المتفشية من حوله: "ما الذي تحتاجه؟".
"هناك مكان أود منك أن تأخذ إحدى هاتين إليه، سأدلك على الطريق".
تواصل بن مع روح الفضاء العظيم لنقل المعلومات بكفاءة تزيد عما قد تفعله الكلمات، موجهاً إياه، ومراقباً أوجيلت وهو يومئ برأسه قبل أن يختفي بأحد الطرفين، بينما كشف الطرف المتبقي عن المكان الذي استقر فيه رفيقه.
كان ما ظهر عبر البوابة للجميع هو ما تبقى من قرية الحوريات، وقد تفاعلت الحوريات أنفسهن بسلبية مع أنقاض موطنهن القديم، فاستدار بن ليخاطبهم: "إن أراد أي منكم البحث عن ممتلكات قديمة تحمل قيمة عاطفية، فهذا هو الوقت المناسب، وبوجود أوجيلت هنا، فلن يضطر أي منكم للقلق بشأن البحث حوله، ولكن بينما تفعلون ذلك، يا ساكيل وهينث، أريد من كليكما أن تأتيا معي ومع ثيرا".
وعندها حملهما الثلاثة، واثقاً من أن الصغار سيساعدون الحوريات الأخريات أيضاً بينما حلق بمجموعته خارج الغابة، متوقفاً حين بلغوا وجهتهم.
ألقت هينث شتمتها في وجهه قائلة: "حذرْ أحداً قبل أن تفعل شيئاً كهذا"، وتشتت انتباهها للحظة بسبب الرحلة السريعة عبر الأشجار والبوابة العملاقة التي صنعها قبل أن تدرك المكان الذي جُلِبت إليه: بستان الحوريات أمامهم.
وما إن وصلوا، حتى تواصل بن مع تلك الغابة، متحدثاً إلى الأشجار هناك في الوقت ذاته. مهما بدا الأمر باهتاً، فقد تعلم مبكراً في مهارته أن حتى النباتات قد تمتلك قدراً ضئيلاً من الوعي، بغض النظر عن مدى غرابة ذلك، وحين تعلق الأمر بكل تلك التي تبادل معها الأفكار، كانت نباتات عالم الحوريات الأصلي تتصدر القمة، ودون منافس حتى. ورغم أنها لم تصل إلى الحد الذي يجعلها تُعتبر بشراً، فقد وضع ذكائها في مرتبة قريبة مما يتوقعه المرء لكائن أدنى بقليل من حيوان أليف؛
إذ كانت قادرة على التفكير بسرعة تعادل شخصاً عادياً. لم تكن شديدة الذكاء، لكنها نشطة لدرجة سمحت بالتواصل لصالح سحرة النبات الذين استطاعوا تفسير إراداتهم عبر سحرهم، والأمر أصدق بالنسبة لبن الذي استطيع لمس عقولهم مباشرة. وبينما كان يفعل ذلك، مخلفاً وراءه محادثاته الخاصة والصغيرة التي لم تستطع كل من هينث وساكيل استيعابها تماماً من الجانب الذي سمعتاه، أومأت الاثنتان بفهم مختلف.
أومأت ساكيل قائلة: "أظن أننا سنحتاج دائماً لجمع البذور للبدء بإعادة الإنبات"، حيث افتقرت ستونوول إلى أي من نباتات الحوريات التي اعتدت قريتها رعايتها منذ تأسيسها، "فجمعها وبدء بستان قريب سيساعد الجميع على العودة إلى روتينهم المعتاد بعض الشيء".
أجابها بن قبل أن تتمكن هينث من قول أي شيء بخصوص الفكرة، بينما استمرت محادثته الذهنية: "قريب، لكن ليس تماماً، فقد حققت القرية تقدماً هائلاً في زراعة هذا منذ أن ساعدت في إيقاظ بعضكم. قضيتم، كم؟ قرنين من الزمن تعملون على إنباته، وبعد بضع سنوات من امتلاك سحرة نباتات مستيقظين للمساعدة، لا بد أنه بلغ ثلاثة أضعاف حجمه الأصلي".
قالت له هينث، ظانة أنه يتودد للمديح: "لقد كان مساعدتك محل تقدير. وإن لم تكن قد جلبنا إلى هنا لجمع البذور إذن، فما الذي يدور في ذهنك بالتحديد؟".
"جلب الغابة نفسها. أو على الأقل، جزء صالح منها".
"ماذا؟".
أوضح بن، ظاناً أن تلك هي المشكلة: "لا يزال جلبها كلها أمراً غير منطقي، أدرك أن هناك بساتين حوريات أخرى هناك، ولن تهلكوا تماماً إن ظهر شيء ودمرها بالكامل، لكن لا داعي لوضع البيض كله في سلة واحدة، سيما وأنه بالنظر إلى حال الأمور، لا ينبغي لأحد منكم حقاً التخطيط لاستخدامها لإنجاب الأطفال حتى تنتهي الموجة الثالثة. لذا، كنت أفكّر في جلب ربع هذا إلى ستونوول ليمنحكم جميعاً ما تعملون عليه، إلى جانب مهمة مألوفة. وإن اخترتم جميعاً البقاء في ستونوول إن توقف العالم عن التهاوي، فهذا رائع، سيكون لديكم هذا، ولكن إن أراد أي منكم يوماً العودة لمحاولة إعادة بناء قريتكم القديمة، فسيكون ذلك خياراً متاحاً أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، ورغم أنني لا أظن أن شيئاً هاماً سيحدث لأي من مجتمعي الغابة، إلا أنه لا ي ضر وجودها هنا، كإجراء احترازي فقط. وأيضاً، بينما تظل آراكم بالطبع ذات أهمية في هذا الموضوع، فقد جعلت أشجاركم توافق بالفعل".
سألته هينث، وقد جرفتها سرعته لدرجة عجزت فيها عن فعل أي شيء آخر بينما اكتفى هو بالابتسام: "بحق الجحيم كيف فعلت ذلك بالسرعة دي؟".
أوضح قائلاً، بينما كان فريدريك لا يزال يطور ذكائه رغم كل النمو الذي حققاه، وحقيقة أن ما كان في الأصل مجرد شجيرة توت قد نما بفضل محبة بن ليقترب حتى من بعض أكثر نباتات العالم ذكاءً كانت كافية لتكون مصدر فخر بذلك الرفيق العزيز: "لدي الكثير من الممارسة في التحدث مع نبات أقل ذكاءً بقليل من هذين، أضف إلى ذلك أنني الخبير الأول في العالم، وربما الوحيد، في اللغات، وكان الأمر سهلاً، وهو ما يقودنا إليكما الآن. أنتم لا تريدون أن تُؤذى غاباتكم بأي شكل، وأنا أدرك ذلك، لذا يأتي الآن ما سيكون بلا شك عملية طويلة لاستخدام سحركم لفك تشابك جذور الأشجار عن بعضها البعض حتى لا ينكسر أو يتمزق شيء أثناء النقل. سأرشدكم لذا ابذلوا قصارى جهدكم، والهدف هو الانتهاء خلال الساعتين القادمتين".
تسارعت أفكارهما وتدفقت المانا فيهما وقت الحاجة، وأنجز الساحران المستيقظان مهمة بن في المدى الزمني المحدد، لتأتي نوبة ثيرا وتلعب دورها التالي. تواصلت معه، فحدد لها أين تنفق طاقتها وأُلقيت سحرتهما، لتفصل جزءاً من الغابة عن بقيتها وترفعه في السماء فوقهم، حاملات إياه معهن في طريق العودة وجاذبات الأنظار إليهن أثناء ذلك. لم يبقَ سوى أوغيلت على الجانب الآخر من البوابة حين عادوا، بعد أن أخذت بقية درياد كل ما أرادته من البقايا، ولكن ما إن عبروا حتى رأى كل من نظر في جهتهم بـ ستونوول ما كان يحدث، وهو السبب ذاته الذي جعل بن يصمم تلك البوابات بهذا الحجم الكبير خصيصاً لتناسب قمم الأشجار التي ستحتاج إلى المرور من خلالها.
وبينما كانت سيسيلي قد رحلت منذ وقت طويل، إذ كان لديها من العمل ما يكفيها لئلا تنتظر أي فوضى سيجلبها، فلم يكن لديه أدنى شك في أنها ستعود قريباً لتؤنبها بكلمات قاسية، لكن ذلك كان همّاً مؤجلاً. وحين وقفوا على حافة موطن درياد الجديد، شقت ثيرا فجوة في الأرض تطابق ما كانت تحمله معها، ووضعت تلك الغابة الصغيرة لتملاها بينما استخدمت في الوقت ذاته التراب الذي اضطرت لإزاحته لبناء سور حولها، فاربطة إياه بأسوار ستونوول لكنها جعلته منفصلاً بما يكفي لئلا يتمكن الناس من التوغل فيه باستهتار.
لتلك الأشجار أهميتها للـ درياد بعدكل حال؛ فلا يمكن إلقاؤها هكذا دون تدبير للتحكم فيمن يمكنه الاقتراب منها، على الأقل ليس حتى يُقدم شرح مناسب بشأنها. لكن هذا أمر يمكنني تسويته خلال ما بقي من اليوم، هكذا حدث بن نفسه. اجعل البلدة تعي أن درياد تحب الأشجار وألا يعبثوا بها، خشية أن يغضب الرجل القادر على صنع البوابات والفتاة القادرة على حمل غابة فوق رأسها. وما عدا ذلك، عليّ فقط أن أجعل أوغيلت ينقل جانبي البوابات إلى أطراف أنايليا لتدع بيلينيا تقرر ما تفعله بهما إذ لم أعد بحاجة إليهما ومن ثم يمكنني الانشغال بأمور أخرى.
بالطبع، كانت الأمور الأخرى تعني على الأرجح تلقي توبيخاً لاذعاً من رئيس النقابة المحلي بينما يجوبون المكان شارحين أمر الغابة الجديدة على حافة البلدة، لكن ذلك لم يكن يهم. وبذلك، ستشعر درياد براحة أكبر قليلاً بشأن انتقالهم، ويمكن لـ بن التركيز على ما يحتاجه دون القلق بشأنهم. وبما أن كل من حوله تجاوزوا ما حدث، كان بإمكانه التخطيط لخطوته التالية نحو السلطة.