أصابت الدوار نيسترا من شدة التسارع. عجز الجزء المتعلق بالسرعة في دماغها عن استيعاب الأمر تماماً. أدركت فحسب أنه يتفوق حتى على رحلتها إلى سويسرا عندما اخترقت طائرتها طبقة الستراتوسفير. ولم تدرِ بأي مقدار. عزاؤها الوحيد أنه إن كانوا يقتربون من سرعة الضوء فإن تمدد الزمن يعني أن الرحلة ستكون أقصر بالنسبة إليها. لكن من يدرك كيف تعبث سحر أزجي بقواعد الفيزياء؟ لم يكن سريث نافعاً.
حلق متقدماً قليلاً في أنماط تنويمية جعلته يختفي في المسافة — المسافة الحرفية لا الأفق — قبل أن يعود في زوبعة من الالتواءات البهلوانية. كانت صرخاتها مكتومة لدرجة العدم أو أنه لم يستطع سماعها.
على الأقل عرفت الآن لماذا يمتلك الأزجي بصراً مجنوناً وسعماً مققبولاً. يستحيل سماع أي هراء في فراغ الفضاء البارد. آه لكن انتظر.
"حسناً، الجدة عاصفة الفراغ؟ أنا قلقة نوعاً ما بشأن تمدد الزمن. لن أظهر في عالمي الأصلي بعد سبعين عاماً أو ما شابه أليس كذلك؟"
ملأت ضحكة لطيفة صدرها بدفء الحب غير المشروط. تسللت ومضة من الصور برفق إلى عقلها. كان هذا الخليط أبسط الانطباعات، ومع ذلك ارتبط بشكل غريب بمفاهيم فهمتها كجزء من لغتها. لقد كان... أزجيّاً بدائياً. مفاهيم عارية الأساس، تتدحرج معاً مثل كرة سعيدة من صلصال النمذجة من بين قبضة طفل صغير. وما حصلت عليه ظل شيئاً يجعل دماغها يتوقف.
كانوا يتحركون أسرع من الضوء. أسرع بكثير في الواقع. وفعلوا ذلك عبر ثني الفضاء.
"سيصاب الفيزيائيون في كوكبي الأصلي بجنون شديد."
ملأت الجدة عاصفة الفراغ عقلها بزهور متطبقة تنطوي إلى أنماط مجردة انزلقت على خلاياها العصبية مثل الماء على جلد أبله.
"سأحتاج إلى بضعة عقود من التعليم الجامعي قبل أن أتمكن من استيعاب ذلك."
الصبر.
المرح.
التواجد في كل مكان.
ببساطة ستكون الجدة موجودة دائماً لمساعدتها في واجباتها المدرسية.
"إذن، أمم، هل أنت الأولى منا؟"
ضحك الصوت مرة أخرى، لكنه نفى. ثم انتابت نيسترا شعور يشبه وضعها في ساحة اللعب لأن لدى الجدة مهمة لإنجازها ولماذا لا تلعبين باللعبة الجديدة يا عزيزتي؟ لذا بدأت نيسترا تتلوى محاولة تقليد سريث. كان الأمر سهلاً، كان عليها فقط التفكير في التحرك في اتجاه ما ويمكنها ذلك. اذهبي يميناً. اذهبي يساراً. قومي بدورة برميلية — هه كان ذلك ممتعاً للغاية! كان هناك بعض الفراغ، ثم مزيد من الفراغ، ثم —
كوكب محطم بحجم عدة كرات أرضية، وقد انشقت قشرته كقطعة يقطين. دم صهارة متجمد إلى الأبد في قطرات سمينة شكلت سحابة متوسعة مثل بقعة دم في مسرح جريمة. ميت. جثة عملاق في ساعة موته، خمسة مليارات سنة من الوجود تخلت في لحظة.
شوهدت لجزء من جزء من ثانية إلى الجانب وبعد ذلك بفضل إدراكها من الفئة باء فقط.
ثم مزيد من الفراغ.
"تبّاً!"
جاء سريث بعينين قلقتين.
"قفزة مرعبة ملعونة. ماذا لو اصطدمنا بشيء؟"
توسلت نيسترا.
"أنا متأكدة تماماً أن ذلك سيقتلني ويهلكه. بهذه السرعة يمكنني على الأرجح تفجير الشمس!"
"أنت لا تسافرين بنفسك"، أخبرها سريث.
"أنت تُحملين بواسطة الجدة. استرخي! أقسم لك يا نيسترا، أنت حزمة من الأعصاب! أنت بأمان هنا."
منحته نيسترا أفضل نظرة شك لديها، لكن سريث تفجر ثقة.
"أنت بأمان مع العشائر. بعض المناطق ليست كذلك وأحياناً يتصارع الأزجي لكننا لا نكاد نقتل بعضنا أبداً، وهذا يتعلق بالذكور فقط على أي حال. أنت بخير يا نيسترا."
"حسناً حسناً."
ربما كانت تبالغ في التفكير في الأمور. لقد ذهبت إلى المقاطعة الخامسة عشرة وهي تتوقع القيام بعمل شرطي وانتهى بها الأمر في معركة محتدمة ضد معززات حرب. ذهبت إلى ملوك السيف في مهمة دبلوماسية وشقت طريقها خارجة ببندقية صدرية. انتهت غاراتها في عالم الجسر بمعركة محتدمة والتسلل لاستخراج وكادت تموت مخترقة برمح.
لكن بالتأكيد، بالتأكيد سيكون الأمر مختلفاً هذه المرة. لا يمكن للأمور أن تسوء كل مرة.
استمرت نيسترا في التأمل في أفكار مظلمة طوال التالي، حسناً، لم تكن متأكدة، لكنه لا يمكن أن يتجاوز ساعة. محاولة طرح سؤال على الجدة عاصفة الفراغ حول ماهيتها أثمرت إجابة مفاجئة: إنها أزجيّة. وسألت أيضاً عما إذا كان يحدث أن يفتح الأزجي بوابات لبعيد لدرجة تعجز عاصفة الفراغ عن إيجادهم. الإجابة هذه المرة هي أنه لم يبقَ مساحة كبيرة مع زوال معظم الكتلة. وكان ذلك مزعجاً للغاية للتفكير فيه.
بعد ذلك، توقفت نيسترا عن طرح الأسئلة. كان شيئاً ما يتغير على أي حال. تلك النقطة الضئيلة من الضوء بدأت أخيراً تكبر وتكبر، وعندما أصبحت بحجم حبة رخام من منظورها، بدأت في تخفيف السرعة. أصرت معدتها ودماغها على أنه يجب أن تصبح كعكة نيسترا رفيعة جداً جداً (أو فطيرة رقيقة) لكن الفيزياء مرة أخرى ذهبت لشراء الحليب من المتجر فلم يحدث ذلك. سرعان ما تلاشت مخاوفها عندما تغير النجم البعيد، وأصبح بالإمكان رؤية المزيد.
أولاً، لم يكن نجماً واحداً بل اثنين، الثاني صغير جداً مقارنة بالآخر ومائل قليلاً إلى الجانب. ثانياً، كان ضوء النجم رمادياً. رمادياً مثلها. لم يكن أي لون رؤته قط في أي وثائقيات فلكية. كانت تلك الدرجة المحددة مستحيلة التحقيق، وما كان ينبعث منها لم يكن ضوءاً بذاته. بل طاقة بوابة نقية غير مدعوة. أصبح الإشعاع المحيط كثيفاً لدرجة أنه عندما أصبح بحجم الشمس تقريباً، شعرت نيسترا بضغط هواء منخفض على جلدها.
لكنهم استمروا مع ذلك في التقدم.
نمت من جديد. باتت ترى خيوطاً سوداء تمدد على السطح بخطوط ضبابية، لا على النجمة بل أمامها. كانت لا تزال تتباطأ ولكن ليس بالسرعة الكافية. لن تصطدم النجمة غالباً، فدفعت الخوف العائد إلى الخلف. ركزت عوضاً عن ذلك على المشهد الغريب.
حجم النجمة استعصى على استيعابها. كانت ضخمة لدرجة مستحيلة جعلت عقلها عاجزاً عن وضع تقدير تقريبي حتى. كان سييث إلى جانبها الآن، وقد كف عن اللعب في الفضاء. ارتسمت على محياه ملامح مسالمة مع ابتسامة سعيدة، وحين التفت إليها أبصرت الفجوة أيضاً. ومحبته لها.
"ستعشقين الأمر. أه، ليتني أستطيع رؤية ردة فعلك."
راقبَت نيسترا الخيوط تنمو، مأخوذة بها. لم تكن ملساء بل شائكة، وكل شوكة بحجم قارة. كانت تتباطأ، لا تزال، وأدركت أن ما رأتْه لم يعدو كونَه أكبر البراعم الفرعية. انبسطت أمام النجمة شبكة متناثرة من النموات المتشابكة، بعضها داكن وميت ومنفصل عن البقية، وأخرى رمادية نابضة بالحياة تنقطها نقاط بيضاء. أدركت أنه كائن حي. شتمت نيسترا بخفوت.
لا بد أنه أكبر مخلوق حي في الكون بأسره. أو الأكوان، إن جاز القول. كان... حسبت. محيط الشمس يزيد على أربعة ملايين كيلومتر — عجزت عن تذكر الرقم الدقيق. لم تقتصر ضخامة هذه النجمة على ذلك بل كانت الخيوط أبعد بكثير ونامية في طبقات وفروع. بالمجمل، لا بد أن طول الشيء يبلغ.... عشرات ملايين الكيلومترات. ما كان يجب أن توجد مادة في الوجود تتمتع بهذا المستوى من قوة الشد. لكنه كان هنا على أي حال.
تتباطأت نيسترا حتى بلغت سرعة مركبة فضائية فحسب. كانت تقترب من إحدى النموات الأكثر انكشافاً وحيوية. دفعتها الريح باتجاه بقعة غريبة، عند قاعدة شوكة وعلى مرأى تام من النجمة. كانت تقترب سريعاً وتأكدت نيسترا هذه المرة أنها عادت إلى مسافات تألفها، وإن بصعوبة بالغة. كانت هناك وديان وتلال وجبال تغطيها أشواك صغيرة تمثل جزءاً ضئيلاً من تلك الكبرى. تجلت النقاط البيضاء أشواكاً تغطيها نموات وضيئة غضة.
ثم لمحت وادياً غريباً شديد الاستواء ومنتظم الشكل لدرجة تنفي عنه الطبيعية.
جُذِب سييث بعيداً عنها. لوّح لها مودّعاً. بالكاد بلغت سرعة طائرة ركاب الآن. تدرّجت أشواك الوادي في ترتيبات منتظمة وأنيقة. بعضها مجوف، يتألق بنور داخلي — أول رشقة ألوان تصادفها منذ وصولها. امتدت مساكن الأشجار على طول الوادي المحيط بالبقعة المنبسطة. وشكلت فسيفساء خلابة تتنوع بقدر ما دُبّرت بعناية، وتناثرت تلميحات لمئات الأساليب المعمارية دفينة في متاهة النموات المُعتنى بها.
كانت لا تزال تتلفت حين حطت برفق على الأرض وسط الساحة.
وتوقفت.
وجدت جاذبية هنا، رغم أنها بدت كفكرة عابرة. امتلاءت رئتاها بالهواء، إلا أنه لم يكن سوى طاقة شديدة الكثافة قامت مقام الهواء. لكنها استطاعت التنفس. لم تكن المفاجأة بضخامة رؤية آلاف التماثيل الرمادية المتشحة بلباس داكن، من مئات الأجناس، وقد توارت الرؤوس تحت أقمشة سوداء. لأول مرة منذ وجودها هنا، شعرت بمانا الفراغ. بالكثير منه.
مهلا تلك ليست —
تحركت التماثيل. تحركت أذرعها، خيوطها، جساتها، خطاطيفها، زعانفها، لوامسها الفكية وغيرها من الزوائد المتنوعة إلى الأعلى بتناغم تام، وأثقلت كاهل نيسترا بكلمة واحدة عبر أصوات شتى راوحت بين النقيق والزئير والتغريد، وأحياناً بضوء خفيف، أو روائح حتى.
"نيييييي- زراة!"
انقبضت التماثيل من جديد، من حالة الانبساط إلى السكون.
"نيييييي- زراة!"
بقيَت نيسترا واقفة مكانها كطفلة في يوم ميلادها، تتلفت في كل اتجاه بينما غمرت السعادة الناس لأجلها. أولئك كنّ أزشي، الإناث بين العديد من شبيهات الثدييات التي تمكنت من رؤيتها. بعضهن بحجم الجنيات، وأخريات عمالقات بلغ طول إحداهن ستة أمتار على الأقل بسيقان كالعمود. وبعضهن حشرات، أو كائنات بحرية. وأخرى كانت كومة من ذرات الضوء الراقصة داخل غشاء ثخين. وأخرى شبيهة بسمكة صياد ترقص في الضوء الغريب.
كن جميعهن يتراجعن إلى الداخل ثم ينفجرن للخارج بكل البهجة وكل الأطراف التي استطعن حشدها.
"نيزرا! نيزرا! نيزرا! ها!"
تفككت التماثيل في خضم رقصات وثبات سريعة لدرجة يستحيل إدراكها ومع ذلك كانت بارعة بما يكفي لتجنب الاصطدامات. تلتفتت نيسترا، فاغرة فمها كالبلهوات، لكن ما إن أدركت الأمر حتى كان التجمع الهائل يصيح ويطلق صرخات ويومض بتحيات الترحيب.
"أهلاً أهلاً!"
"مرحباً!"
"سعداء برؤيتك!"
أقبل عدد لا يحصى من الوجوه وأدبر، محيين إياها بتشكيلة من التعابير المبهجة، أو هكذا ظنت.
بطريقة ما، استطاعت فهم كل الأصوات المختلفة الوافدة إليها على أنها «أزشي»، فاستوعبتها.
أما تعابير الوجه فلم تكن باليسيرة. سيما حين عجزت عن تحديد موضع الوجه ابتداءً.
"أول أنثى من جنس جديد! وأنت الطفلة الأولى أيضاً! يا لها من فأل حسن!"
قالت نملة عملاقة تكلل رأسها تاج من العظام.
توالت التعليقات من حديقة حيوانات ضخمة تضم أشكال حياة شتى. اكتفت نيسترا بالابتسام وتقديم الشكر.
"آمل أنك حظيت برحلة طيبة!"
"الإزهار الدائم يزهر الآن. أتيت في الوقت المناسب تماماً!"
"أأنت مستخدمة أدوات أيضاً؟ اذهبي لرؤية الصانع في أقرب وقت!"
"لا تعجليها، زيلشفكس. امنحي الصغيرة بعض الوقت لتتأقلم."
"يعجبني قولك شكراً لكل أحد! لابد أنك تنتمين إلى جنس شديد الاجتماع! أه، أأُخبرنا بذلك مسبقاً؟ عذراً أيتها الصغيرة، لقد عدت للتو من غارة طويلة."
قالت: "أأنتم تأكلون فرائسكم أيضاً؟ قال الشاب سيليثيون إنكم تفعلون ذلك. يا لهول السعادة، لقد وجدت روحي التوأم!"
جاءت تلك العبارة من مخلوق يشبه مزيجاً بين نمر ودبابة قتال رئيسية بفم بحجم عائلة، وكان لدى نيسترا شعور خفيّ بأن الطهي لم يكن جزءاً من العملية.
رغم ذلك، سايرتهن.
"نعم! لحم ونباتات، آكل كل شيء."
"يا للشراسة! ألا يسلم حتى النبات؟ أعجبني هذا."
كانت المجموعات تندمج وتتفرق في نقاشات هنا وهناك. انتظرت نيسترا أن يخرج أحدهم طعاماً لكن ذلك لم يحدث. فقط بعد مراقبة هذا الجمع العالمي العائم حولها أدركت أمرين؛ أولاً، كان الإشعاع كثيفاً لدرجة تعذر فيها تنفسه فحسب، بل كان يحمل الأصوات أيضاً، وثانياً، أغلبية إناث الأسزي الحاضرات كنّ من الفئة أ.
كان هناك ما يكفي من القوة في تلك الساحة لتدمير إمبراطورية كوكبية. بإمكانهن الظهور في عالم السحالي وإبادة سكانه من القطب إلى القطب في أسبوع على الأكثر، لكنهن كنّ منشغلات بوضوح بتبادل الثرثرة. بعد دقائق قليلة أخرى، أدركت نيسترا أن الإناث الأخريات كنّ يتحركن بتعمد شديد. تدفق بطيء جاء للترحيب بها قبل العودة إلى نقاشاتهن، لكن مجموعة ظلت إلى جانبها أيضاً. نظرت إلى التي تحرس جانبها الأيسر.
كان لتلك المخلوقة وجه حاد وغريب بعض الشيء على جسد نحيل، لكنها امتلكت أيضاً زائدتين قويتين للغاية شبيهتين بمنجلين مع ذراعين أصغر وأكثر رقة على صدرها. ثلاثة أصابع في كل يد. لوحت أسزي فرس النبي بمنجلها. بعد لحظة، أمسك بها أحد من الخلف.
كانت النتيجة مطابقة لكل مرة ينقضّ فيها أحدهم عليها. أطلقت نيسترا صرخة خافتة والتوت، لكن فرس النبي بدت محرجة بعض ولم يبدُ على أي شخص آخر شعور بالذعر فألزمت نفسها بالهدوء. أصدرت بعض الإناث الأكبر سناً المحيطات أصوات استنكار غامضة، لكن التعليقات افتقرت إلى الأنياب. استدارت نيسترا لترى من أمسك بها لتوشك على الذعر مجدداً. كانت نبيلة جنية تنظر إليها، وتتلوى أذناها الطويلتان حول هاوية أحلام عينيها.
ظهرت أسنان إبرية دقيقة من ابتسامتها. امتلكت النبيلة الجنية جناحين عملاقين رقيقين وواضحين لدرجة يكادان يكونان شفافين. كانت خفيفة للغاية أيضاً لكن نيسترا أدركت الآن أنها أصبحت حقيبة ظهر لأن النبيلة رفضت الإفلات.
"آه، أممم، مرحباً!"
واصلت الجنية التحديق فحسب، ثم نظرت حولها في كل الاتجاهات.
قالت فتاة فرس النبي: "أرجو أن تغفري لراقصة القمر، نيزهرا. عقلها يبحث عن نفسه لذا فهي قليلاً... غائبة في هذه اللحظة. يمكنك إبعادها إن شئتِ. لن تمانع. أعدك!"
"آه، همم، لا بأس؟ أعتقد ذلك. لا مانع لدي. يبدو أنها تحتاج إلى مرساة."
"نعم! إنها تفهم أننا نرحب بك. الالتصاق بك يجعل الأمور أسهل فحسب. اسمي سوراي. نحن عشيرتك الآن!"
"أه، جيد. إذن اخترتنني؟"
لم تكن نيسترا متأكدة كيف يفترض أن تسير الأمور.
"نعم! نحن سعيدات للغاية بوجودك. همم. ما لم تقومي بالرفض."
بدت سوراي مفاجأة مترددة قليلاً. ارتفع أحد منجليها ليغطي فمها، الذي كان واسعاً بالقدر الكافي ليدفعها نحو الوادي السحيق.
"ليس عليك الرفض الآن."
استدارت نيسترا نحو امرأة طويعة كانت بشرتها درعاً بقدر ما كانت زياً رسمياً. تسريحة شعر طويلة ومجدولة بعناية تساقطت نحو الجانب الأيمن من وجهها. كانت جميلة بطريقة صارمة، رغم أن ذلك لم يبدُ بارداً بل بدا رسمياً بطبيعته.
"أه أنتِ..."
"من فصيلة أخيكِ ذاتها، نعم. أنا كاراماهيل."
كادت المرأة تؤدي التحية العسكرية، لكنها اكتفت بإيماءة قصيرة بدلاً من ذلك.
"كما قلت، يمكنك تغيير العشائر إن شئت لاحقاً. غالباً ما نجري تناوبات. التناوبات مطلوبة كلما نما الأفراد وتغيرت تفضيلاتهم."
كانت تمتلك طريقة رسمية للغاية في الكلام. في الواقع، كانت تقف بانتباه تام تقريباً وهو ما بدا ليصبح أكثر كوميديا لو لم تكن بطول ثلاثة أمتار ومن الفئة أ أيضاً. كانت المرأة أشد رشاقة بكثير من العملاقة سيليث، لكن شعوراً راود نيسترا بأنها لا تقل خطورة عن ذلك.
"من الجيد معرفة ذلك رغم أنني لا أود التغيير الآن."
تلطفت تعابير الاثنتين الأخريين، ووجهت نيسترا انتباهها إلى العضو الثالث في المجموعة، التي ظلت صامتة حتى الآن. بدا واضحاً أن الأمر ليس خياراً نظراً لأن المخلوقة كانت، جوهرياً، قنديل بحر تحت قبعة لامعة، تسبح في الهواء مع أربعة مجسات طويلة تنتهي بملاقط حادة كالشفرات. ومض النور بأنماط كسرية في جميع أنحاء جسدها الرئيسي.
رمشت نيسترا. كادت تفهم الأمر.
"عذراً، أعيدي ذلك؟ ببطء أكثر؟"
أهلاً بك.
باتت قادرة على فهم التواصل القائم على الضوء الآن. بصراحة كانت ميزة التواصل هذا هي سرعته الفائقة.
"هاه. مرحباً، أنا نيزهرا. بماذا أناديكِ؟"
ليس لديك الأعضاء اللازمة لنطق اسمي.
يمكنك منحني لقباً تيسيراً للأمور.
"مثل... يومض؟"
لوحت المخلوقة بمجسها.
هذا وصف دقيق.
بدا ذلك وكأنه موافقة. لم تكن نيسترا متأكدة لكن بدا أن معظم مجموعات المحادثة تراوحت بين ثمانية واثني عشر عضواً.
أبلغتها كاراماهيل بنبرة حادة: "لدينا عضو آخر في المخبأ المشترك. سنذهب إلى هناك بعد الانتهاء من الترحيب بك."
بدت وكأن نيسترا تخضع لعملية في أسنانها أو ما شابه. تمتمت راقصة القمر بلحن غريب بينما استمرت الجولة. استغرق الأمر وقتاً. خمنت أنه لا بد من وجود نحو ألفي أسزي في الساحة.
سألت في النهاية خلال فترة هدوء في المحادثة: "كم عددنا هنا؟"
قالت سوراي: "من الصعب التقدير. الناس يأتون ويذهبون."
قال: "يوجد حالياً ما يقل قسماً عن أربعة آلاف أنثى حول المجمع، وعاد الكثير منهنّ لموسم الازهار. قد تكون أخريات يصطدن في حدائق الإزهار الأبدي. أقدر إجمالي عددنا بما بين سبعة وثمانية آلاف".
أومأت نسترا. بناءً على كلام سيريث، وُلد أكثر من مئة ذكر مقابل أنثى واحدة، ممّا جعل إجمالي تعداد شعب الأسجي يقارب المليون.
لم يكن الأمر كبيراً بالنسبة لجنس بشري، لكن إن أخذ المرء القوة النارية الخام في الاعتبار… لقد كان من حسن حظ الأجناس الأخرى أن الأسجي لم يكونوا مهتمين كثيراً بالحكم، على نطاق واسع.
أخيراً، خفّت حدة التجمع. طارت التجمعات أو مشت مبتعدة بعد بضعة وداعات أخيرة. طافت أخريات نحو الرمح الذي كان بحجم قارة حقاً الآن وقد تفحصته عن قرب.
همست راقصة القمر في أذنها: "قطف الزهور! قريباً، المكسرات!".
أدركت نسترا: "أااه إذن من هنا أتين".
هتفت سوراي: "حسناً! يجب أن نذهب نحن أيضاً!".
أومض بلينكي مؤشراً إلى أن نسترا بحاجة إلى أن تُعلَّم… شيئاً ما.
"أوه، صحيح! إذن ربما لاحظتِ الطاقة المحيطة، أليس كذلك؟".
أجابت نسترا بنبرة خالية من التعبير: "نعم".
"نور الأبيسار لنا. أنتِ تستخدمينه بالفطرة لتقلدي الوسط الذي وُلِدت فيه. ولهذا السبب يستطيع صديقنا المضيء هنا أن يطفو فيه كما لو كان ماءً".
أومض بلينكي بسرعة، وتلقت نسترا هجومҷا جديداً من المعرفة بالتركيب الكيميائي لتدرك أن بلينكي كان يسبح عادة في هيدروكسيد الأمونيوم. لم تكن متأكدة مما إذا كان الأمر مهمّاً إلى هذا الحد حقاً.
"يمكنك استخدامه للطيران أيضاً! ببطء".
كررت راقصة القمر: "اطيري!".
"ضعي في اعتبارك أن جاذبية حدائق الإزهار الأبدي منخفضة جداً لذا بمجرد أن تفكري في تجاهلها، ستصبحين عديمة الوزن تقريباً".
"حسناً".
قالت نسترا كلمة طيري في رأسها، وهو ما بدا سخيفاً ولم ينجح. الآن كانت تبدو خائرة القوى أمام الأطفال المتصلين. ركزت متذكرة الإحساس الغريب عندما قبضت عليها الجدة عاصفة الفراغ. نجح الأمر بشكل جيد أكثر مما ينبغي.
"آه!".
"الأمر בסير! فقط قومي بسلسلة من الخطوات المستقيمة. بالتدرج يا نيشرا. بالتدرج".
الآن كان قانون نيوتن الأول يعبث بها. لم يكن النهوض مشكلة. أما تعديل المسار فكان كذلك. ما لم تركز حقاً، كانت تستمر بالسرعة نفسها في الاتجاه نفسه، وتطلب منها الإبطاء أن تفكر في التراجع للخلف ولكن بشكل أبطأ. ارتفعت نسترا فوق الساحة مثل بالون هيليوم أبله بينما رقصت الباقيات حولها برشاقة. تراجع المباني المختلفة لكشف نور الأبيسار المجيد والنجم الأصغر الذي يدور حوله. لقد كانا قريبين جداً لدرجة مزعجة حقاً.
ارتدت نسترا عائدة نحو أحد الابراج، تتبع راقصة القمر. مهما محت جاهدةً لتجد نظاماً هناك، نوعاً من البنية التي تُظهر مكان مركز القوة الحقيقي، لم تستطيع. تنافس كل برج ومسكن الآخر في غرابته، مزيج من البساطة المفرطة والأبهة، بعضها مقوس مثل مخالب وحش ضخم، وبعضها أملس مثل طائرات مقاتلة وأخرى بصليّة ومزخرفة مثل حلم باروكي متكامل بالجواهر اللامعة وحتى مصابيح المانا. لم تكن هناك أي منطق هناك.
لقد كان مختلفاً بالتأكيد عن العتبة. ربما كانت جديدة جداً لدرجة تعجز معها عن استشعار تدفق القوة، أو ربما كان الأسجي غير منظمين إلى هذا الحد فحسب.
القصر الذي هبطن فيه ضم قاعة احتفالات كبيرة تحيط بطاولة منوّتة تحت سقف شاهق الارتفاع يؤدي إلى قمة البرج. زادت ترتيبات الأطباق والأواني الفخارية وأدوات المائدة سطحه، بعضها عملي والبعض الآخر للزينة البحتة. تثاءبت نافورة بهدوء في زاوية، نافثة ماءً داكناً. طارت راقصة القمر حول الغرفة، وأسقطت أجنحتها قطرات لامعة تساقطت كالنجمات، لتختفي قبل أن تصطدم بأي شيء. جلست بقية أفراد التجمع.
سارعت الثلاث الأخريات لإخراج المؤن من جيوبههن البعدية، وسرعان ما عُرض على نسترا أربعة أصناف مختلفة من الشاي، وشرائح لحم مطهية بالكاد من سوراي، وخضروات مخبوزة بإتقان من كراماهيل، وعقدة ملتوية من الأعشاب البحرية المالحة من بلينكي. كانت الأعشاب البحرية حارة بنكهة خردل قوية تركت نسترا دامعة العينين قليلاً.
"حسنW هذا قوي حقاً".
في هذه الأثناء، أحبت الفتيات شراب البايجيو تماماً.
حتى حلم القمر توقفت لتجربه، مغادرة بعد صرخة "إيب"
صغيرة. كانت تطور سرعتها بالتأكيد بشكل أسرع بعد ذلك.
ظلت نسترا تنتظر منهن التحدث لكن بدا أنهن يستمتعن بوقتهن، أو بالأحرى، كانت سوراي تحدق في كراماهيل التي تجاهلتها غالباً.
قررت نسترا كسر الصمت وقالت: "إذاً، هل يجب أن أقابل العضو الأخير؟".
بدأت سوراي: "حسناً…".
بدأت كراماهيل: "ربما يمكننا منحها بعض الوقت. ستشرح سوراي الأمر".
ألقت سوراي نظرة قلقة نحو الباب. قررت نسترا تغيير الموضوع، وربما منحهن بعض الوقت.
"لدي سؤال إذاً. أنا متأكدة تماماً أننا تناولنا طعاماً ومشروبات للتو، ألا ينبغي أن يفسد هذا هنا فوراً؟ هذا فراغ الفضاء المشبع بطاقة الفراغ. يمكن الجزم بأن كل شيء يجب أن يتفكك عند التلامس".
قالت سوراي: "أوه، سيحدث ذلك إن تُرك دون مراقبة!".
أضافت كراماهيل بصوت يغمره الاستخفاف: "ما تحاول صديقتي هنا قوله هو أن المادة القابلة للتلف ستظل دون مساس طالما قمت بمعالجتها، أو ظلت في محيطك. الطعام الذي يُترك دون مراقبة سيتفكك. أما المادة غير القابلة للتلف التي تُترك دون مراقبة فستظل دون مساس طالما أحضرها إلى هنا أحد الأسجي. إذا أحضّرت أثاثاً، يمكنك تركه في وكرك بعد أن تقومي باختياره".
"أنا، أمم، أرى ذلك. كيف… يعمل هذا؟".
قالت كراماهيل برصانة: "حقل تحديد ميتافيزيقي".
بدا الامر كفكرة اشزية مالوفة كافحت نيسترا لاستيعابها سريعا.
قالت سوراي بحدة زائدة: "ما تقوله صديقتي هو ان القوة ذاتها التي تتيح لك ارباك انظمة المراقبة باخبارها بانك غير موجودة هناك تنعكس هنا. انت تخبرين الابيسار غريزيا ان العنصر موجود هنا ولذا يسمح له بالوجود".
قرصت نيسترا اعلى انفك.
"انا لا احب هذا الفرع من الفيزياء".
قالت سوراي: "ستعتادين عليه! لا استعجال!".
قالت نيسترا: "حسنا".
ربما كان الوقت مناسبا للتطرق الى احد الكايجو في الغرفة.
"اذن لاحظت ان التجمعات الاخرى تضم اعضاء اكثر؟ هل تبنون عادة تجمعا واحدا في كل مرة ام...".
اطلقت راقصة القمر تنهدة حزينة. تباادلت سوراي وكاراماهيل نظرة.
كانت بلينكي هي من "تحدثت"
اولا. انتابت نيسترا شعور بانها تفقد صبرها.
فقدنا اثنتين في الحرب الاخيرة.
سيله وولولو.
كان الامر صعبا منذ ذلك الحين.
املت نيسترا راسها الى الجانب.
قالت وهي تحاول تحويل الامر الى وحدات محلية: "الحرب الاخيرة قبل... نحو مئة دورة؟".
قال كاراماهيل: "نعم. خلال الهجوم الاخير".
ساد صمت محمل بالمعاني.
"قصرت في حمايتهما".
ضافت سوراي بمرارة: "فشلنا. كانوا اكثر من ان تحصى".
بدا اثنان في التماري بحملة شجارات بسرعة الفئة بي ثم بسرعة عجزت نيسترا عن تتبعها. قدمت بلينكي ملخصا طوعيا.
كان المختارون من العالين امبراطورية من قوم على يقين بان الكون ملك لهم حقا.
كان ذلك يتغلغل في كل جانب من مجتمعهم.
الاشزيون المولودون هناك غالبا ما وشوا بانفسهم وماتوا.
هذا ما نبه الامبراطورية الى وجودنا مبكرا جدا.
ارسلوا مفارز غارة الى اكبر عدد ممكن من العوالم للعثور على اطفالنا وقتلهم رغم انهم سيخسرون المفرزة.
هذا اغضب التجمعات.
قالت نيسترا وقد تجاوزها الحديث قبل أن تتمكن من طرح سؤالها: "انتظري".
ومضت بلينكي باحباط قبل ان تشرق باعتذار.
انا اسفة.
ينفد صبري.
"اتخيل ذلك مع الاتصالات بسرعة الضوء ولكن كيف وجدونا اصلا؟".
عازب متفوق يغارات على اطفال عائلات كبرى لم تنجبامهاتهم اطفال قط بعد ذلك بشكل محير.
"اه. لكن لابد ان لديهم بعض الانذارات الكاذبة ايضا".
لم يكترث المختارون. كما اغضبوا خلقا كثيرا.
لحسن الحظ لم تكن هناك امبراطوريات اخرى بالجوار تمنحهم خصما معتبرا.
لسوء الحظ شرعوا ايضا في ابادة انواع استمتعنا بلقائها.
بلغت ترنيمة الغضب ذروتها. هزت مياهي. احدى المرات القلائل التي اظن فيها ان الصوت يعلو على الضوء في نقل المعنى.
تجمعنا كجسد واحد. انقضضنا عليهم كقطيع اسماك قرش. مزقناهم اربا. مستعمرة تلو مستعمرة. جيشا بعد جيش. كان هناك... خلق كثير منهم وكانوا مصرين لكننا كنا كذلك بمجرد ان شرعنا حقا.
ماتت شقيقتا خلال الهجوم الاولي على كوكبهم الام.
ركز احد حراس الشرف لديهم على مجموعتنا حتى اثناء موتهم. تلقوا الامر باعطاء الاولوية للاناث.
ارتجفت نيسترا. صدمها الامر قليلا بالطبع لكن كان عليها ان تقر بانها كانت استراتيجية سليمة على الأرجح. لابد ان الاشزيين استشاطوا غضبا مع ذلك.
"اذن هل ينبغي لي ان اكون على حذر منهم؟".
حدث توقف قصير كان بالنسبة لبلينكي طويلا نوعا ما.
لا.
لم يعد هناك مختارون.
ابدنناهم عن اخر نبيل.
"يا لها من روعة".
عادت سوراي الى الطاولة وقالت: "مع ذلك قد يكون هناك ناجون. اعتقد؟".
ضاف كاراماهيل: "تركنا بعض اعضاء الطبقة الدنيا احياء. ومعسكرات أسرى. لربما شرعوا في اعادة البناء. او ربما قتلهم المسوخ جميعا".
هزت كتفيها.
"لا نعبأ بايي الطريقين. سيتعافى عالمهم. لن تتعافى حضارتهم".
قالت سوراي بشيء من الحماس: "ربما يجدر بنا تففقدهم المرة القادمة؟".
قطب كاراماهيل جبينه.
"ماذا!".
"انت تعلمين ماذا".
"ان كانت لديك مشكلة فقوليها!".
رفرفت اذنا كاراماهيل واشتعل الامر مجددا. طعنت بلينكي بياس قطعة لحم نحيلة من طبق سوراي قبل ان تدخلها داخل غشائها الرئيسي حيث هضمت فورا.
"افترض انه نقاش قديم".
متعلق بالعضو الاخير في المجموعة.
ابنة سوراي.
سألت نيسترا: "ماذا؟ اقصد ان سيليث ذكر حقا ان بإمكاننا انجاب اطفال ايضا على ما اعتقد لكن لدى سوراي ابنة؟".
نسميهم مولودي الفراغ.
جروك لا تحسن صنعا هنا لكن سوراي تكافح لاخراجها من الجحر.
كنا نأمل...
خلصة نيسترا: "كنتن تأملن انني بصفتي عضوا شابا في كائنات اجتماعية سأساعد. في كل من الحزن و... جروك".
تملكت بلينكي من الشجاعة ما جعلها تهز راسها خجلا. توقف الاثنان الاخران ايضا.
ضافت سوراي: "آسفة. ليس عليك فعل ذلك بالطبع".
ضاف كاراماهيل برصانة: "سنجهر بنقلك الى تجمع اخر متى اردت ودون قيود".
بدت وكأنها تؤدي تقريرا.
طفت راقصة القمر حاطة على ذراع نيسترا. ادمت ايماءة قصيرة.
قالت نيسترا: "لا بأس، لا مانع لديّ من البقاء. لكل جماعة مشاكلها. لكن لا تنتظروا مني صنع المعجزات، حسناً؟"
أبدين موافقات متفرّقة.
"أنا فقط مندهشة من وجود أطفال. أعني، نحن... لا نملك رغبة كبيرة، أليس كذلك؟ إلا إذا... اكتسبناها لاحقاً؟"
قالت كراماهيل: "الأمر يختلف من واحدة لأخرى. أنا شخصياً، ليس لديّ أي اهتمام قط."
وأضافت سوراي: "لكنه قد يكون ممتعاً للغاية! غالباً ما أسافر لاختبار أنواع جديدة!"
بصقت كراماهيل: "لا أحد يهتم بعطلاتك الجنسية يا سوراي."
صرخت الفَرَسُ النبيّ: "آه!"
أصدرت سوراي صوتاً يشبه غلاية شاي غاضبة. دويّ خافت لاصطدام، ثم فجوة في السقف وأصوات معركة بعيدة. تنهّدت راقصة القمر. بدا بلينكي الوحيد الذي تنفّس الصعداء.
أخيراً.
هذا سيفرّغ عدوانيتهم.
تصبحن لا تُطاق حين يشعرن بالتوتر.
كما أن وميض رسائل الأعصاب الدائم تحت الجلد يدخل المرء في حالة من الإرهاق البصري.
"أه. عذراً."
ليس هكذا.
إجابة عن سؤالك، بعضهنّ يطورن شغفاً به، وبعضهنّ لا يفعلن.
قد يحدث هذا معك أيضاً، أو لا.
ستكتشفين ذلك بنفسك.
لاحقاً.
بعض أخواتنا يكوّنّ عائلات، أحياناً.
"أرى هذا. لقد ذكر سيريث أن الذكور يفعلون ذلك أيضاً. لقد جعل الأمر يبدو شاذاً بعض الشيء."
قالت سوراي، وقد عادت بغتةً وتحمل كدمة سوداء تحت عينها: "ليس الأمر هكذا أبداً!"
عادت كراماهيل بدورها. كان شعرها أشعث قليلًا.
"يفضلن العيش بين سلالة مضيفة. نحن نُعيد نسْلنا إلى هنا. ليس الأمر ليفرق مع غروك. فصائلها يعشن في عزلة، وتتولى الأنثى رعاية النسل. لا يقع التزاوج إلا إذا نجح الذكر في إخضاع الأنثى في قتال فردي. لقد جربت حظي! حسنُ، تبين أن والد غروك كان مذهلاً رغم قامة الأقصر. تعلمتُ حيل مصارعة جديدة ما زلت أستخدمها حتى يومنا هذا. لقد أُعجبتُ كثيراً. وارتبكتُ قليلاً."
راحت تروح وتجيء بالمروحة مستخدمة شفرتها.
"وجرّ شيء شيئاً آخر... وُلِدت غروك. أعدتها إلى هنا بعد فترة وجيزة."
أدارت كراماهيل عينيها.
"لا يُولَد أبناء الفراغ بأقنعة، لذا لا يمكنهم البقاء في معظم مجتمعات السلالات المضيفة. لكن العيش هنا ليس جيداً لصغار السن. لهذا السبب نحاول دفعهم نحو العالم. أيّ عالم. من أجل مصلحتهم."
ردّت نيسترا ببلاغة شديدة: "هاه."
قالت سوراي والشعور بالذنب ينضح من كل مسامها: "غروك خجولة جداً. لست متأكدة مما يجب فعله. إنها لا تاتي حتى الآن."
قالت نيسترا: "سأحاول التحدث إليها لاحقاً. لا مانع لديّ."
علّقت سوراي: "إنها أصغر منك سناً، ولم ترتقِ سوى مرتين، وهو معدل بطيء جداً بالنسبة لواحدة منا."
أحَدّت كراماهيل النظر قبل أن تشعر نيسترا بالأسف على حالها.
"ما تقصده صديقتي هو أن هذا بطيء بالنسبة لمن لم تعانِ من نقص المانا طوال حياتها."
"أه نعم بالطبع! لم أكن أعني شيئاً بذلك!"
لوحت نيسترا بيدها لتبديد القلق. بدا ذلك على الأقل تصرفاً مألوفاً للجميع. ثم عقدت حاجبيها.
"بالمناسبة، من يتحدث مع سيريث؟ كنت أظن أن إداة الحوار ستكون من إحداكن."
"الأمر يقع دائماً على عاتق إحدى الحكيمات، ولكن بما أن تجمعنا يضم واحدة، فهي راقصة القمر."
أدارت نيسترا رأسها لترى أن راقصة القمر كانت لا تزال معلقة بذراعها ككسلان ذي أسنان كثيرة.
"همم."
"أه، راقصة القمر موجودة في عدة أمان في آن واحد الآن. لا تقلقي بشأن ذلك."
"حسناً؟"
قالت كراماهيل بنبرة تحسر: "سيريث رجل طيب. يسرني أنه كان من اخترناه. وخصيصاً من أجلك."
تذمرت سوراي: "لا يمكن الوثوق بالذكور! إياكن والوثوق بالذكور!"
حتى الجديرون بالثقة سيستغلهم بطاركتهم.
سألت نيسترا بلينكي: "تقصدين أولئك الذين أنجبوا أطفالاً كُثر ثم جعلوا الأطفال يجتمعون؟"
نعم. إنهم يريدون المزيد من القوة. يريدون بوابات متى شاءوا. لا يمكنهم أبداً امتلاك التجمعات، لكنهم قد يغوون الإناث المعزولات أحياناً.
قالت كراماهيل بنبرة منخفضة تحمل خطراً داهماً: "إذن علينا اتخاذ التدابير اللازمة."
سألت نيسترا: "أليس هذا محفوفاً بالمخاطر؟ إنهم يفوقوننا عدداً بكثير."
أطلقت سوراي زفيراً حاداً: "معظم الذكور أعقل من ذلك. حاولوا السيطرة علينا مرة في الذاكرة الحية. لم يُمضِ الأمر على ما يرام بالنسبة لهم."
"كانت راقصة القمر حية في ذلك الوقت،"
هكذا قالت كراماهيل.
"ليس الأمر لأننا الأقوى، بل لصعوبة الإمساك بنا حقاً. لكن قبل أن يبدأ سفك الدماء..."
تدخل الجدّ مراقب الشمس.
التفتت نيسترا إلى بلينكي.
"الجدّ مراقب الشمس؟"
أشارت قنديل البحر إلى الأعلى. ظنت نيسترا في البداية أنها تشير إلى الهاوية ولكن لا. كانت مخالبها تتجه نحو النجم الأصغر بين النجمين، ذلك الذي يدور حول الآخر على مسافة كانت ستستحيل لو كانت للشمس الأولى كتل. وحينها أدركت.
"مراقب الشمس؟ انتري. النجم الأصغر هو أزيثي؟ النجم بذاته؟"
قالت سوراي بحماس: "نعم! النظير المقابل للجدة عاصفة الفراغ."
"حسب تقديراتنا، فهما من الارتقاء السادس."
"ماذا؟"
ذهلت نيسترا تماماً. أيعني هذا أنهما من الفئة الخارقة؟ هذا جنون. سيكون على الأرض إعادة النظر في نظام تصنيفها.
وأيضاً، لن تتعرض كوكب أزيثي الأصلي للغزو قط. أبداً. انسوا الإشعاع. هناك جدّة تطوي الفضاء تحكم الفراغ، ونجم قادر على رمي نفسه على أي شخص يقترب. جنون حقاً.
قالت سوراي: "أنا تفاجأت أيضاً. جدّي ليس كثير الكلام. لن أُحاول إيقاظه".
همست مون دانسر من ذراع نيسترا: "تغشاه سنة عميقة".
أجابت نيسترا بلا مبالاة: "حسناً، سأحذف 'محادثة مع الجِرم السماويّ' من قائمة أمنياتي".
لم تفهم سوراي، لكن كراماهيل ابتسمت ابتسامة خفيفة للغاية، وأومض بليнки بسرور.
أحبّ عندما لا تتطابق الرسالة المنطوقة مع النيّة!
يا لها من طريقة ذكية لإهانة شخص ما.
قاطعت كراماهيل: "قبل أن يتأخر الوقت أكثر، علينا الانتقال لتفقد اختيار وتجهيز وكْرِك الشخصي".
"آه. همم".
"إن رغبتِ، سأُريك وكْري لتعرفي ما تتوقعين وما تسعين إليه، مع متسع من الوقت لجمع الأثاث والزينة".
احتجت سوراي: "لماذا أنتِ؟ وكْري جيد أيضاً!"، لكن كراماهيل كانت جاهزة بردّها.
"نوعها ونوعي يُظهران تشابهاً فيما يخص الراحة، بحسب سيريثيون. لا شيء يمنعها من زيارة وكْرك لاحقاً في سبيل..."
ضاقتا عيناها.
"التثقيف".
"الوكْر اللائق يجب أن يُزّين بالعظام! الكثير من العظام!"
اعترفت نيسترا: "أنا أُفضل الوسائد".
لكن قبل أن تتمكن من القيام بأي زيارة، رفعت مون دانسر رأسها. كان هناك ما يُكافئ طَرْق الباب بالطاقة السحرية، ثم الكثير من الآشزي العائمين المتحدثين في الوقت ذاته. دسَّ أحدهم جوزة كيرو في يد نيسترا.
"خذيها! أولى ثمار الموسم!"
سألت سوراي: "بالفعل؟"
"سافرنا بعكس عقارب الساعة خلف السلسلة. بعض أصغر الثمار وأبكرها قد نضجت".
وأضاف صوت آخر: "إنها صغيرة لكنها لذيذة".
دفع الآشزي النمر العملاق كيسًا صغيرًا نحو يد نيسترا، لكنها لم تلتقطه فوراً.
صرخت نيسترا: "أه! أه! نسيت!"
توقف الآخرون عما كانوا يفعلونه.
"أرجو ألا تقتلوا سمكتي القرشية؟ قرش الفراغ خاصتي؟ لقد روضتها، نوعاً ما. يمكنكم التعرف عليها من أثر العضّة على زعنفتها الظهرية. إنها، أمم، على شكل فكي".
حلَّ صمت بينما استوعبت الشقيقات طلبها.
قالت فتاة النمر: "أه، لقد أحببتها بالفعل".