المتبدّلة الفصل 108 — عشاء خارجاً

اقرأ المتبدّلة الفصل 108 — عشاء خارجاً باللغة العربية على مانجا تايم.

حين قادت نسترا سيارتها مارّةً بالبيت المحترق، كانت الشمس قد غابت منذ زمن طويل وكان روّاد المطعم القلائل المتعجلون في الداخل يرتدون معاطف سميكة. لعقت ألسنة لهب نيوني مدخل البناء، من دون أن تمنح أي دفء.

كان هناك مغزى في الأمر لكن نسترا لم تكن شاعرة.

لم يكن الوقوف مشكلة. ولا دخول المكان. لم يكن مهمّاً أنها كانت ترتدّي ملابس أقل بقليل ممّا يليق بأرقى مطاعم اللحوم في ثريشولد حين فتحت لها عيناها كل الأبواب ببساطة. العيش في الجانب المرفّه من الفجوة الطبقية لن يبدو مألوفاً أبداً. للاستينة، فضّل المطعم الآجر ولمسات تكس-ميكس بوضوح. طراز قديم جداً. كانت القاعة الرئيسية مكشوفة تماماً مع أفران واضحة للعيان في الخلف، قرب المطبخ، حيث يُعدُّ طبق لحم البقر الشهير الخاص بهم بإتقان تام.

كان ذلك بعيداً كل البعد عن تفضيل ثريشولد المعتاد للغرف الخاصة ذات الطاولات المستديرة، على الطريقة الصينية.

لكنّ نسترا اعتقدت أن وميضاً عبر نصف الكوكب ليصل إلى ثريشولد سيرغب في تجربة، لا تدري، أشياء محلية غير متوفرة بسهولة في الوطن؟ أطباقاً ماليزية أو فلبينية ربما. تنهدت نسترا، وانضمت إلى الطاولة حيث كان فاليريان وضيفه ينتظران بابتسامتين متطابقتين تقريباً لم تصلنا إلى عيناهما. بدا فاليريان متوتراً بعض الشيء. أمّا الوافد الجديد، فكان... جليديّاً. وكما هو متفق عليه، نهض فاليريان ليمنحها مقعده في ترتيب محرج نوعاً ما.

ولهذا السبب فضّل الناس الغرف الخاصة في الغالب.

"نسترا، يسرّني أنكِ تمكّنتِ من الانضمام إلينا. هذا ألكسندر رينولدز، زميلي المُجل. إنه مسعف قتالي مرتبط بجامعة يفرض عليَّ العقد ألا أذكر اسمها."

حقّاً. وكانت نسترا قرد بابون في ثوب زفاف. كان ذلك الرجل من الفئة باء، وليس طفلاً صغيراً أيضاً. تسلل هالات ناعمة من البرودة منه بطريقة جعلت روّاد المطعم الآخرين يرتجفون بشكل انعكاسي — رغم أن درجة الحرارة نفسها لم تكن لتُظهر ذلك. كان هناك شيء آخر هناك أيضاً لكنها لم تستطع تحديد ما يخفيه توهجه القطبي.

"سررت بلقائك"، قال ألكسندر، فيما لم تختفِ ابتسامته الرقيقة أبداً.

"يعرف ألكسندر مسبقاً من تكونين، صديقتي"، تابع فاليريان.

"وبهذا، جرى التعارف. ستسامحينني على المغادرة فمناوبتي تبدأ قريباً، وقد أتممت واجبي. امضيا أقصى الأوقات ممتعةً، أنتما الاثنين."

بإيماءة أخيرة لنسترا، غادر فاليريان. جلست نسترا. فرمقته بنظرة صريحة.

ومضا جليد كلاهما لكنه كان أقوى نسبيّاً. كان الفارق بين فئتين بمثابة القفزة بين تجميد غرفة وتجميد حيّ سكني.

"إذاً، كانت لديك أسئلة حول جوهري؟"

سألت نسترا.

لم يرد ألكسندر. كان يرتدي بدلة أنيقة ضاقت على بنيته النحيلة والعضلية. مقاتل سريع بالتأكيد مثلها. تشارك مع فال الشعر الأاصفر وجاذبية الوسامة التقليدية لكن وسامته بدت أشدّ حدّة. تحولت الكآبة المستمرة المخيمة على فاليريان إلى ازدراء متعجرف هنا، غرور راسخ لم يشتعل أبداً إلى جمرات من الغضب. حتى اهتمامه بها بدا بعيداً لا حارّاً، كأنه لن يأخذ شيئاً على محمل شخصي أبداً.

بما أنه كان يأخذ وقته كاملاً وهو ما يعدّ أسلوب سيطرة، التقطت نسترا قائمة الطعام المطبوعة من على الحامل. آه، قائمة ورقية. راقية. لم يسبق لها أن ذهبت إلى البيت المحترق في الواقع لأنه، رغم جودته، كان باهظ الثمن، وكان بإمكانها شواء قطعة لحم بقري ممتازة بنفسها. تكلف قطعة واغيو واحدة أكثر من أربعمائة ائتمان لعين ولم يكن ذلك متضمناً أي شراب. على الأقل كانت تأتي مع بطاطس مقلية منزلية الصنع.

حقاً. حسناً، كان بإمكانها تحمل تكلفتها لأمسية واحدة.

من حولها، وفر صخب المحادثة غطاءً صوتياً مريحاً. ورغم تكلفته، ظل البيت المحترق مكاناً للعامة. كانت هناك مجموعات قليلة تحتفل بشيء أو بآخر، وحتى عائلة كاملة وصولاً إلى الأطفال الصغار تشغل طاولة عند الطرف، وكان الأطفال يتطارسون أحياناً. من وقت لآخر، كان شخص ما يجرؤ على رمي نظرة في اتجاهها. كان هناك ومضات أخرى قليلة لكن أياً منها لم يصرخ بصوت غزاة السلالات بالطريقة التي فعلتها نسترا وألكسندر.

لقد آلمها نوعاً ما أن تُرصَد في الحزمة نفسها.

كان للغزاة الحقيقيين أماكنهم الخاصة والأكثر حصرية.

"شكراً لقدرتك على لقائي، آنسة بالاديان"، قال ألكسندر أخيراً كأنه لم يكن يماطل في الحديث.

"أه لقد استيقظت أخيرأً؟"

أجابت نسترا.

"جميل."

تبادل اثنان نظرة. لم تكن نسترا تحب الألعاب. لو كانت هذه ظروفاً عادية، لكانت غادرت اللحظة التي بدأ فيها باللعب، لكن كان هناك ما يمكن تعلُّمه لمجرد المحادثة. مثل ما كان يريده في البداية.

"كنت أتساءل عما إذا كان بإمكانك مشاركة المزيد حول قضية جوهرك المفقود، وما إذا كانت قد حُلّت بما يُرضيك؟"

"لقد حُلّت. هل فكرت في الاتصال بعمتي؟ هي من قادت مشروع إصلاح الجوهر بأكمله."

"آه"، قال ألكسندر، مائلًا إلى الأمام.

"لكني مهتم أكثر بجانب المريض في المسألة. لقد قرأت الورقة الأكاديمية بالطبع. مانا محايدة مسالة، مفهوم آسِر. عمتك هي المستثمرة، ومع ذلك، بينما أهتم أنا بالجانب البشري من الأمور."

كان أسلوب إلقائه لبرود غريباً: ناعم، هادئ، بعيد بلا نهاية. كانت هناك هاوية بين العالم ومن يكون حقاً، ولم تكن متأكدة مما إذا كان الأمر يتعلق بها أم أنه كان هكذا حتى مع أقاربه.

لم يعجبها التشديد على كلمة البشري أيضاً. ربما كان ذلك مجرد خيالها أو قد يكون مجرد غرز خفي. لقد رأت محققين يفعلون ذلك أيضاً.

"حسنًا أخبرني الطبيب أن جوهري كان موجوداً لكن شيئاً ما أتلفه، في وقت مبكر جداً من حياتي على ما يبدو. إنه لا يعرف السبب ولا أنا كذلك. لا أذكر أي حدث صدمي كان يمكن أن يؤدي إلى هذا."

سيكون ذلك في ملفها لو تمكن من الوصول إليه. كان الأفضل لها دائماً، عند الكذب، الالتصاق بالحقيقة. لم تكن شخصاً مبتكراً للغاية. أو كاذبة بارعة، في هذا الخصوص.

سأل ألكسندر: "أحقاً؟"

بكل حماسة موظف حكومي عند السادسة مساء.

قالَت: "حقاً."

تابع: "كنا نتساءل... في الواقع، قبل أن نبدأ، يجدر بي غالباً أن أخبرك بما يركز عليه بحثي."

كان حتى تردّده مصطنعاً. يا لرية.

"أبحث أنا وزملائي في ومضات التبدّل عبر مقاربة شمولية. تملكون هنا القليل منها، لكنها في الديار وباء مستعر."

استغرق الأمر بعض الجهد لكيلا تصحح له. شيء ما جعله يبتسم على أي حال.

"خطيرة جداً وغير متوقعة. أه، نحن لا نلومهم بالطبع. لم يكن ذلك خيارهم، وهم عاجزون حقاً عن كبح أنفسهم خلال... النوبات. كما أن لهم نفعهم كأفراد منتجين في المجتمع متى ما جرى... احتواؤهم بالقدر الملائم، فنحن لا نبتغي سوى مساعدتهم على الاندماج، لكن الحقيقة تبقى أنهم خطرون. وقعت مآساوية، بعضها مؤخراً بخسائر بشرية مفجعة. شيكاغو، قبل أقل من شهر. لكن ذلك لم يكن حادثة معزولة. فواجبنا كمستخدمين يظل حماية المجتمع، ويشمل ذلك، في حالات معينة، حمايته من أنفسنا."

ابتسم مجدداً. لقد بدا حياً بعض الشيء وهو يلقي خطبته.

ردت نيسترا بتهكم يقطر من صوتها: "فكر في الأطفال، أليس كذلك؟"

"أنت تفهمين. الناس في حالة هلع. وهم بحاجة إلى رد حاسم يهدئ مخاوفهم المفهومة، ولا نسعى أنا وشركائي سوى للتصدي لها."

سألت نيسترا: "من هم شركاؤك؟"

"أوه، أظن أنك ربما سمعت عنا. نطلق على أنفسنا اسم البعث، أو بالأحرى، أنتمي إلى مجموعة داخل البعث يصب تركيزها حصراً على ومضات التبدّل. لمهمتنا أبعاد أوسع، إن شئتِ القول. فبعدُ، مستخدمو التبدّل ليسوا سوى شريحة ضئيلة من مجتمع الغزاة، وهم أنفسهم مجرد جزء يسير من البشرية. وإذا كان لنا أن نلاحق غاية نهائية، فينبغي أن تعود بالنفع على الجميع."

علّقت نيسترا: "غاية نبيلة جداً."

قال ألكسندر بجمود: "اصوب نحو النجوم فلربما انتهى بك المطاف في السماء."

سأرسلك إلى السماء أيها اللقيط.

تابع ألكسندر: "عودة إلى مشكلة التبدّل. لقد درسنا كل شيء، بدءاً من الجوانب البيئية والاجتماعية، مروراً بمنظومات المعتقدات، وصولاً إلى الجينات..."

تعقّبت نيسترا: "لا يبدو ذلك علمياً للغاية."

"آه، بل على العكس تماماً. لم نترك حجراً دون تقليب. أليست تلك هي جوهر العلم؟"

أجابت نيسترا وقد بدأت تفقد صبرها تدريجياً: "أكاد أتيقن أن الأمر يتعلق بفرضيات وتجارب واستنتاجات، وإلا ستجمع الكثير من القمامة في طريقك، لكن تفضل بالمتابعة."

وبتوقيت مثالي، تقدم نادل مذعور قليلاً لأخذ طلبها. قفز ألكسندر على الفرصة.

"من الجيد أنك تأكلين اللحم. إنه مفيد حقاً عند التعافي من إصابة بليغة."

"لا داعي لأن تشرح لي العناصر الغذائية يا أليكس."

"آه، أجل. سمعت أنك تحبين الطبخ."

انتظرت نيسْترا دون أن تحرّك ساكناً. لقد كان مباشراً للغاية.

قالت بنبرة مشجّعة: "أنا متأكدة من أننا سنصل إلى غايتك قريباً".

بقي واجماً تماماً.

"في بحثنا، تساءلنا عمَّا إذا كان هناك ما يشوب المانا العالمية، وتخيلوا دهشتنا حين أدركنا أن المانا المحيطة ترتفع بدرجة ملحوظة كلما اقترب المرء من ثريشولد".

رفعت نيسْترا حاجبها.

"أظن أن هذا معلوم للجميع؟"

للمرة الأولى، ارتعش ألكسندر.

"يبدو أن الأمر ليس كذلك".

"يا له من أمر. حسناً. توجد بوابات أكثر هنا أيضاً، بالمناسبة. الأمران مترابطان".

"نعم، كنت أعلم ذلك".

هزّت نيسْترا كتفيها. كانت ضربة رخيصة، لكنها ستقبلها.

"لقد تقدمتُ ورفاقي بطلب إلى دوائركم الأكاديمية لنستفسر عن سبب ارتفاع تركيز المانا حول مدينتكم، لكنهم لم يقدموا إجابة مرضية. أَتُراكم تعرفون السبب؟"

ابتسمت نيسْترا.

"مجال دراسات المانا ليس اختصاصي تماماً، لكنني أعرف القليل عن التاريخ. هل فكرتم في أن ثريشولد أُسِّست هنا تحديداً لأنها منطقة تضم عدداً كبيراً من البوابات، وتطل على البحر، وتقع على بقعة أرض لم تكن قد طالبت بها أي دولة بعد؟ إنه لأمر مريح حقاً. أتريدون خام الحديد؟ الألومنيوم؟ العناصر النادرة؟ كل ما قد نبتغيه يبعد عنا غارة واحدة: مواد العالم الخام بين أيدينا ضمن أمان أسوارنا. رييل، لقد سمعتُ أنه يمكننا حتى الحصول على النفط والفضاء إن أردنا".

"تلك اللهجة الغريبة مجدداً. لا أدري أأفرح لكونك لا تنطقين اسم السيّد باطلاً، أم أحزن لكونك تعبدين البطل رييل كوثن".

"مجرد وسيلة لإظهار الاحترام. لكن لا تقلق، يمكنك أن تحلف بما تشاء هنا. نحن منفتحون جداً من هذه الناحية".

ردّ ألكسندر بنبرة حيادية تماماً: "منفتحون جداً حقاً. وأظن أن تفسيركم منطقي، ومع ذلك فقد قوبلنا بمقاومة غير مبررة حين طلبنا الوصول إلى، آه، مركز الظاهرة".

قالت نيسْترا بجمود: "تخيل ذلك! وأين قد يكون هذا المركز؟"

"أظن أنك تعلمين. إنه تحت المنارة مباشرة".

بالطبع كانوا يعرفون أمر الجسر، لكن وكما أخبارها راغناروك، فإن أغلب الحكومات إن لم تكن كلها كانت على علم بالأمر. إنهم ببساطة لا يريدون أن يُطالبهم مواطنوهم بالتحرك حين تنكشف الحقيقة.

"إذن طلبتم دخول موقع محصن؟ آه، يعجبني هذا فيكم أيها الأمريكيون. مباشرون للغاية، جريئون للغاية. منعشون أحياناً".

زمّ ألكسندر صمته هذه المرة، مما أدهش نيسْترا قليلاً. لقد بدا كنوع الأشخاص الذين يمتلكون إجابة لكل شيء.

"تعلم أنه لا داعي للدهشة. معظم الحرس القديم هنا أتوا فور سقوط رييل لذا يمكنك تخيل أنهم لا يكنّون أي احترام يُذكر لأي حكومة أخرى. يبدو الأمر... كأنهم شعروا بالهجر ربما."

رد ألكسندر من بين أسنان مصطكة: "لقد عرضنا معاهدة."

سخرت نيسترا: "معاهدة! بينما كان العالم يحترق! اعرضوا معاهدة على الجيل الأول إذن بما أنكم بارعون جداً في الأمر."

قال ألكسندر بالنبرة الحيادية نفسها: "أرى أننا نحيد عن القصد قليلاً."

ربما استعاد هدوءه.

سألت نيسترا بصوت يغلب عليه لكنة ثريشولد بوضوح: "أكان لديك سؤال حقيقي أم أنك تثير الأعصاب فحسب؟"

"لا، بالطبع لا، أسئلتي تنبع من قلبي، أؤكد لك ذلك. قد يبدو الأمر غريباً لكني مهتم بك... كشخص تضرر جوهره لكنه صمد. أنا وشركائي نؤمن بأنك قد تكونين مصدر إلهام للناس."

هذه المرة، كشفت ابتسامته عن أسنانه.

أجابت نيسترا: "إنه لإطراء بالغ، رغم أنني أعتقد أنك تبالغ في تقدير أهميتي."

"على الإطلاق."

اتسعت الابتسامة.

"الحرب من أجل روح البشرية تدار على ميدان الأفكار. الرموز. القصص. نحن نعشق قصصنا، أليس كذلك؟ لهذا السبب أردت لقاءك. أعتقد أنه من المهم أن أمنح كل شخصية بارزة وقتي واهتمامي كلما كان ذلك ممكناً."

لم تجب نيسترا.

"من يدري متى سنتمكن من اللقاء في المستقبل؟"

هزت نيسترا كتفيها.

"لست متأكدة إن كنت سأسافر إلى دياركم يوماً، هذا صحيح."

"يا لها من فرصة ضائعة، سيما مع إسقاط عمتك ووالدتك لجنسيتيهما. لكنني أستطرد، وما كنت لأرغب في إزعاج شريحتك. سؤال أخير."

مال إلى الأمام.

"أتشعرين أحياناً وكأنك ترتدين قناعاً، قناعاً رقيقاً كجلد، شيئاً يخفي حقيقتك لكي تخدعي الجميع وتخدعي نفسك لتصدقي أنك تنتمين إلى هنا، لكن لو نزعه أحدهم لما وجد سوى الرعب؟"

"نعم لقد حضرت اجتماعات مع الموارد البشرية. لماذا؟"

ضحك حينها، ضحكة حقيقية تنبع من عمق حلقه فتبددت معها توترات الحاضرين. بين الجالسين على الطاولات حولهما، استرخيت الأكتاف واستأنفت الحوارات.

ارتعش البعض، كأنهم يدفعون برداً."

"إجابة عظيمة. سأحرص على تذكرها. استمتعي بوجبتك."

راقبَت نيسترا قفاه، وقد امتلأ رأسها بالتحذيرات. وحينها أدركت أنه ترك هدية مسمومة أخيرة. صكت على أسنانها.

لقد أوقعها في ورطة الحساب! اللعين اللعين! بإجفالة تذمر، أشارت للنادلة.

"سآخذ الوجبة للسفر إذن. نجل، كلا الطبقين. شكراً لك."

شريحة لحم باردة. يا له من يوم ملعين تعيس.

* * *

حتى الضوء الأزرق على الأسفلت المألوف عجز عن جلب طمأنينة الاعتياد. تفقدت نيسترا حالة الأمان لسيارتها ألدا ثلاث مرات للتأكد من عدم العبث بها، حتى عندما كان فاليريان ينتظر في الخارج لتقديم الدعم احتياطياً. حتى القيادة بعيداً كانت تمريناً في مراقبة ظهرها. رفعت هاتفها الآمن على الفور.

كانوا يعلمون. يقين مطلق. بشأن القناع، على الأقل. أرسلت لراغنابوك رسالة تخبره فيها بذلك لأنها جزء من تسلسل هرمي ذي بروتوكولات، وليست ذئباً وحيداً بعد الآن. لكنهم كانوا يعلمون. وكانوا بصدد فعل شيء حيال ذلك. ربما قتلها.

بدا أن الوقت قد نفد. توفرت فرص عديدة لتسرب هويتها لكن بالطريقة التي عرض بها ألكسندر الأمر، ربما حدث ذلك بعد إصابتها. لقد رأى جميع أعضاء فريق الإنقاذ العمة كلير والدكتورة مازينغوي تسرعان نحوها كأنهما تعرفانها. ربما سمع البعض كلير وهي تناديها بنيسترا. لم تستطع حتى لوم كلير على إفلات ذلك لأنها تلقت رمحاً في صدرها في ذلك الوقت. كان ذلك عذراً وجيهاً.

تباً. وماذا الآن؟ إن كان لديهم شخص في فصيلتهم يملك معرفة صلبة بقاعدة بيانات باندورا، فربما استنتجوا أنها فضائية أيضاً، بغض النظر عن كرههم الشديد لبريق التمويش. لكن بعد ذلك... ماذا كانوا ينتظرون؟ كان بإمكان الدكتور دانيالز أسرها ببعض التعزيزات. لم يكن الأمر صعباً لتعديمها لبضعة أفراد من الفئة بي الضعيفة مع العمل الجماعي اللائق. لمَ يجعلونها تعلم أنهم كشفوها؟ أكانوا يتوقعون منها ارتكاب أخطاء وكشف نفسها؟

الهرب؟ أأخطأ ألكسندر بكونه عدوانياً أكثر من اللازم، أم كان ذلك جزءاً من الخدعة؟

"آآه هذا معقد للغاية بالنسبة لي!"

لقد ذكر أنه جزء من البعث. إنهم متعصبون وأولئك يميلون للتصرف وفق عقيدتهم لا الواقع، لكن العملاء الأكفاء يضعون النتائج أولاً ودائماً ما يتحرون النجاعة بغض النظر عن العقيدة...

أدركت أنها كانت تقضم ظفراً. حسناً، لقد بدأ يتسلل إلى عقلها.

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. اتصل راغنابوك بالفعل.

"ألو؟"

"السؤال الأول أولاً. أأنت في خطر مباشر؟"

أجابت نيسترا: "لا أعتقد ذلك. الأمر غريب. لمَ يجعلونني أعلم بهذه الطريقة؟"

قاطعها راغنابوك: "أعتقد أنه يمكننا الاستغناء عن المجاملات. لدينا عدة فرضيات، وأرجحها أن تحرياتك تعبث إحدى عملياتهم الجارية. أحتاج لسؤالك عما إذا كنت مستعدة للاستمرار أم لا."

كادت نيسترا تسخر.

"بالطبع. إن كانوا يريدونني حقاً، وأعتقد أنهم يفعلون، فلدي الكثير من نقاط الضعف التي يمكنهم استغلالها للوصول إليّ على أي حال. الاختباء عديم الفائدة. سيتعقبون عائلتي أو أصدقائي ببساطة. لقد فات الأوان جداً لكي تختبئ."

"شجاع. جيد."

"لكن إن كنت تعلم أنهم يدبرون الشر، فلمَ لا تقبض عليهم؟"

مرّت ثانية من الصمت، وهي مدة طويلة للغاية بالنسبة لمقاتل من الفئة الممتازة مثل راغ.

قال: "إنها مسألة... توقيت. سيتضح الأمر جلياً بعد أن يضغط الطرفان على الزناد".

قالت: "أتعلم حقاً ما يبتغونه؟"

قال: "أشياء عدة، في الواقع، وأتوقع أن يلجأوا إلى تدابير قاسية. ركزي على معرفة ما يريدونه في العمق السادس فنحن لست متأكدين بعد. سيقدم لك أشقاي الدعم".

قالت: "حسناً".

قال: "وهل... يا كريستنت؟"

كانت على وشك أن تنطق باسم نيسترا الحقيقي. حتماً.

قالت: "نعم؟"

قال: "المدينة تقف خلفك، مهما كانت الظروف. لقد أثبتِ جدارتك لي وللآخرين مراراً وتكراراً. أتمنى أنك تدركين ذلك".

قالت نيسترا مستندة إلى سنوات من الخبرة في التعامل مع هرميتها السلطوية: "أشعر أن هناك كلمة لكن في الطريق".

قال: "لا لكنّ. إن ساءت الأمور فانجي بنفسك. لا تحاولي إثبات بطولتك مرة أخرى. إنهم يستهينون بالتبعة أو أن الأمر لا يعنيهم أصلاً. سنكون في حال أفضل وأنت حيّة مقارنة بما لو كنت ميتة. لا بطولات".

قالت: "فهمت".

أنهى راغناروك الاتصال.

إذن هكذا سيكون الأمر، فكرت نيسترا. ربما. على الأرجح. حقيبة الطوارئ الخاصة بها جاهزة وتنتظر في براري التبعة، لكنها كانت الخطوة الأخيرة حرفياً في خطة طويلة.

كان عليها تحذير الآخرين. أرسلت رسالة إلى كيم الذي سيستفيد من الحماية الحكومية، وأخرى إلى ستيبس رغم أن مهاجمها هالك لا محالة، ورغم كون غورج وغداً بعض الشيء إلا أنه ظل رفيقاً مخلصاً تحت تلك القشرة الفظة. ربما كان الأكثر عرضة للخطر رغم قلة علمه. وتلقت مازينغو وكاميل رسالة رغم أنهما لم تكونا في دائرة الخطر بشخصيهما. أما رفاقها في نقابة الصغار، فقد أخبرتهم أيضاً رغم أنهم سيُتركون وشأنهم غالباً.

حتى المتطتعون سيتخوفون من ملاحقة أطفال اللمعان. كان الأمر منبوذاً عالمياً.

والآن يأتي الجزء الصعب.

قالت: "كلير؟"

قالت: "أهلاً نيس. نستعد للإغارة غداً لكننا سمعنا أخباراً. أجد جديد؟"

قالت: "نعم. يوجد أمريكيون هنا. وهم يعرفون حقيقتي".

سمعت نيسترا صوت هواء منزاح، وشيئاً من التشويش، ثم صمتاً.

قالت: "حسناً أنا في مكان آمن. هل هذه مسألة زينونيَس؟"

قالت: "أخشى ذلك. لا أعرف على وجه الدقة حجم ما اكتشفوه لكن... قد يكون هذا سيئاً، وربما يأتي أحدهم لملاحقتك".

قالت: "يعجبني حين يأتي الناس لملاحقتي. فهذا يقصر المسافة".

قالت: "أنا جادة. قد تكون هناك أسئلة. قد يكون هناك، لا أدري".

توقفت نيسترا عن الكلام.

قالت: "حقاً لا أعرف ما قد يحل بك".

قالت: "نيس، أقدر حرصك علينا".

قالت: "أسئلة، و، و..."

كان صوتها يتقطع قليلاً هناك. شعور بالذنب.

قالت: "نيس. لم يكن هذا ذنبك قط".

قالت: "وما فائدة ذلك؟ ما زلتِ تتلقين الرذاذ".

قالت: "نيس. لقد نجونا من التوغل. ورأينا أصدقاءنا يموتون. هذا؟ هذا لا شيء. سألغي الإغارة. وستتولى أن رين الأمر مع نقابتها المئوية".

قالت: "حسناً... أنا، حسناً".

قالت: "سنكون مستعدين إن حدث شيء. أنت فتاة كبرى الآن ولكن، إن ساءت الأمور، اتصلي بي حسناً؟"

قالت: "نعم".

حسنًا، انتهى الأمر. أسندت نيسترا ظهرها إلى مقعدها. لقد تم تحذير كل من يرتبط بها جلياً الآن.

أحان الوقت؟ لقد كانت مهملة لفترة طويلة لذا فهي تستحق ذلك، ولكن مع ذلك. كان الأمر مؤلماً.

قالت: "لماذا لا يتركونني وشأني فحسب؟"

لأنهم أوباش، تدفق الجواب في دماغها.

أمسكت نيسترا بالمقعد وأوقفت القيادة الآلية. إن كان لزاماً عليها أن تتضرر لمجرد جريمة تنفسها، فأقل ما يمكنها فعله هو جعلهم يدفعون الثمن.

* * *

خلافاً لتوقع نيسترا، جاء الخيط التالي المباشر في قضيتها من فورتسي في الصباح التالي مباشرة. التقيا في مطعمه المتهالك لتناول الإفطار قبل مناوبتهما، رغم كون الأمر متعلقاً بعمل رسمي. ارتسمت على وجه المحقق ابتسامة رضا من أوقع شخصاً ما في شرك محكم.

قال: "بالاديان. رؤسائي مسرورون للغاية بمبادرتنا. قالوا إنها براعة جيدة من أهالي التبعة. فكرت في رد الجميل".

التقط كوب إسبريسو وورقة بيانات، مقدماً الاثنين كقرابين. كان الفيديو على الورقة ممتعاً بقدر إمتاع القهوة.

سألت: "كيف حصلت على هذا؟"

قال: "ستندهشين مما يمكنني العثور عليه إن سُمح لي بفتح تحقيق رسمي واستخراج مذكرة تفتيش. التقطت هذه اللقطات طائرة توصيل تابعة لشركة توهي. إنهم لا يشاركون المقاطع دون مذكرة لأسباب تتعلق بالسرية، لكنهم ساعدونا بعد أن طلبنا ذلك. شاهدي الآن".

أظهر الفيديو هجوم الطائرة المسيرة ولكن من الجو. كانت جودة الفيديو رديئة بعض الشيء لكنها واضحة بما يكفي لإظهار حجر يرتفع بسرعة من ظهر طائرة البناء، ثم ينطلق هبوطاً. تبين شكل الجسم المتحرك بسرعة بوضوح بمجرد أن عرفت أين تنظر، حتى مع رداءة الجودة.

همست نيسترا: "يا للرعب".

قال فورتسي ويبدو عليه الحماس جلياً: "ما رأيك؟ مانا ضوئية؟ تمويه بصري؟ أنت تفقهين في هذا أكثر مني".

قالت: "لا أعتقد أنها مانا ضوئية. فضلاً عن كونها نادرة حقاً، فالأوهام تومض أكثر مما تتشوش عندما تتلاشى. أرجح أن يكون تمويهاً بصرياً".

سأل: "أليس مكلفاً للغاية؟"

قالت: "بلى، وكما ترين فهو يميل للفشل عندما يتحرك ارتديه. اللعنة..."

حسنًا، لقد أكد هذا ما قاله راغناروك. لا توجد طريقة يمكن لصص عادي من خلالها تحمل تكلفة بدلة تمويه كهذه. تلك معدات عمليات سوداء. لم تكن مسألة مال أصلاً. فهي ببساطة غير قابلة للبيع، وحتى لو سُرقت، فإن استخدامها يمثل مخاطرة هائلة. لا. لا بد أنهم عملاء سريون. كان راغناروك محقاً. إنه تدخل أجنبي.

قال فورتسي باهتمام بدا مصطنعاً: "يبدو الأمر خطيراً. ألا يجب أن تتصلوا بالجيش؟"

"نحن الجيش."

كان محقاً نوعاً ما، لكنه لم يكن يعلم أيضاً أن نيسترا تمتلك دعماً. وجود بدلة تمويه يحيي ظنوناً… هممم.

"شكراً لتحذيري. أظن أن هذا سيكون مفيداً جداً حقاً. أرسل لي الفيديو؟"

"أُرسِل."

أصدرت نظارة نيسترا طنيناً. أرسلت الملف فوراً إلى أشكاي. إذن، أراد راغناروك الانتظار؟ حسناً. لم يعنِ ذلك أن نيسترا لا تستطيع تجهيز الميدان.

* * *

استمر البحث عن أحجار المانا الضائعة بغض النظر عن مشاكل نيسترا الأخرى. أوقد شخص ما النار تحت مقعد أشكاي بالنظر إلى كومة القهوة ومشروبات الطاقة التي راكمتها اللامعة على مكتبها المستعار. لم تشارك نيسترا في البحث المنهجي — فقد كان لديهم ما يكفي من الناس لذلك — لكنها ساعدت في الاستجوابات.

عذراً، «المقابلات».

للإنصاف، كشف شرطيون آخرون عن جلبة من المخالفات البسيطة بدءاً من السرقات الصغرى وصولاً إلى تبديل الورديات غير القانوني. أدار أحدهم حتى ألعاب بوكر منتظمة خارج غرفة الصيانة في الطابق الثاني، وهي لم تكن مخالفة فظيعة تماماً إذ أُجريت خلال الاستراحات لكنها ظلت كذلك. عُريت خطايا العمق السادس بكل شرورها واتضح أنها لم تتعد سيّدة منزل مرتبكة بعض الشيء. مخيب للآمال.

كان الشخص الذي تهتم لأمره اليوم منظفاً يعمل في أحد أعمق المستويات. أنزلها المصعد إلى هناك بعد غوص دوّار.

كان المكان مظلماً في الأسفل. أخفى أعمق قاع في المنشأة آلات وقطعاً لم يكن متوقعاً استخدامها كثيراً — وفقاً للدليل. بدلاً من روبوتات ملائمة، خُزنت البضائع على رفوف تخدمها رافعات شوكية قديمة. سطع ضوء أحمر بشكل ينذر بالسوء، ملقياً بظلال ساكنة.

"ضوء أحمر. لماذا يجب أن يكون الضوء أحمر دائماً؟"

بعد متاهة من البضائع الموسومة جيداً، وجدت نيسترا مصدر ضوء خفي… حسناً لقد أشارت إليه الأسهم جيداً لكن لا بساطَة. تسبب ذلك الكهف برهاب الأماكن المغلقة فيها أكثر من عالم بركاني محكم الإغلاق.

كان نظيفاً على الأقل. بشكل ملحوظ. طرقت الباب، ودخلت وكراً مريحاً نوعاً ما تفوح منه رائحة خفيفة من البخور، وبشكل غريب، تبغ الغليون. عبس شخص أساسي ذو شعر متناثر وعيون داكنة عندما وصلت. لم تستطع تحديد عمره، سوى أنه تجاوز الأربععين في مكان ما.

تذمر بلهجة ثخينة: "وأنتِ لابد أنك الشرطة."

"آه، نجل، مرحباً، أيها السيد… هم، لست متأكدة كيف أنطق اسمك."

أجاب الرجل. قررت نيسترا أن بعض المعارك خاسرة منذ البداية وأنه يجب على الناس المضي قدماً وحسب.

"تلك فنلندية، أليس كذلك؟"

"نعم. ماذا تريدين؟"

كانت نبرته حادة. نفوراً. وجدت نيسترا الكثير من التعاطف مع الرجل باعتبارها شخصاً كان في الموقف المعاكس.

والآن ماذا؟ ماذا كان سيعجبها هي؟

كانت تتكوّن لديها انطباع قوي بأن كونها «محترفة عتبة»

لن يفيد شيئاً هنا. كانت استجوابات الأولوية المنخفضة هذه أشبه برحلة صيد بما أن الفريق كان ما زال يغدو باحثاً عن خيط جدي. لعلها تجرّب الصراحة وحسب؟

"نحن نبحث عن الأحجار. أيمكنك المساعدة؟"

هتف الرجل بلهجة ثخينة: "مساعدة مساعدة! تريدون المساعدة دائماً! لا أحد يؤدي عمله بشكل صحيح. أنا هنا للحفاظ على نظافة الأشياء، لا لأبحث عن ممتلكاتكم الضائعة، ألا؟ ألا؟"

اللعنة.

"اسمع، عملي هو إيجاد الأحجار، لا الحفاظ عليها آمنة. أنت تتجول في كل المستويات السفلى، أليس كذلك؟ أنت ترى الأشياء. وأنت تعلم كيف يجب أن تكون."

"نعم. وأعلم أيضاً أنني لا أُحب الناس وهم يتكلمون يتكلمون يتكلمون. إذا أجبت عن أسئلتك، فهل ستترعينني وشأني؟"

هزت نيسترا كتفيها.

"أنا هنا لأجل الأحجار، لا لأجل الحديث."

"همف!"

قادها المنظف إلى الخارج، متذمراً لنفسه بتدفق مستمر من الفنلندية. إن لم يكن يريد التفاعل مع الناس، فلماذا أتى إلى العتبة أصلاً؟ لقد كانت إحدى أشد معاقل البشرية كثافة.

لعل الرجل أراد أن يكون عميقاً أيضاً. قررت ألا تسأل.

"غبار. أتريدين الحديث عن الغبار؟"

"أوووه."

"لا يوجد غبار أيضاً."

"أهو غبار «أنا فعلت ذلك» أم «شيء كان يجب أن يكون مغبراً لكنه لم يكن»؟"

"الأخير. انعدام الغبار. بالقرب من بوابة الوصول."

كادت نيسترا تتعثر.

"عذراً؟ أتعني، تلك المؤدية إلى أنفاق الإخلاء؟"

"نعم."

"عُبث بالغبار؟ ظننت أن الأنفاق محكمة الإغلاق؟"

"إنها كذلك! إلى أن لا تكون كذلك!"

عبست نيسترا. كان ينبغي أن يكون فتح الأبواب مستحيلاً دون نوع من الإنذار العام ينطلق، لكن…

حسنًا، لقد تعرّضت طبقة واحدة «للاختراق»

فمن يدري؟

"أيمكنك أن تريني أين هي؟"

"وأين نظن أننا ذاهبون؟"

أهملت نيسترا طوفان التذمّر الفنلنديّ لتعيد النظر في خياراتها. كانت متأكّدة تماماً من بقاء البلّورات داخل المنشأة بما أن أبواب الإخلاء صُمِّمت لصدّ المتفجّرات العالية، لكن إن جُهِّزت برمجياً لتخلو من إطلاق الإنذارات عند فتحها... تبّاً، ربما كانت البلّورات في طريقها إلى البرازيل الآن. لكان نقلها على متن سفينة شحن كيساً بكيس أمراً سهلاً. لكنه غير فعال... شرد ذهنها. قادها عامل النظافة إلى مصعد خدمات صعد قليلاً، ثم عبر عدة ممرات طويلة اجتازها بلا قناع، بل وبلا النظر إلى أيّ إشارة.

كادت تتوقع أن يهاجمها المينوتور بنفسه، لكن نقطة وصول قادت إلى منطقة مضاءة جيداً ذات قضبان، ثم إلى باب ضخم كان ليوقف آلية قتال. تذمّر عامل النظافة وهو يشير نحو الباب، متذمّراً بلغة إنجليزية مكسورة بشأن خروقات البروتوكول أو ربما الكورتيزول، لم تكن متأكدة. على أي حال، اقتربت منه.

وأقسمت.

"تبّاً لجيل."

كانت البوابة سليمة وغير منكسرة، وهو أمر غير مستغرب بالنظر إلى طبيعتها. اللوحة القريبة من عتلة الفتح الطارئ لم تكن كذلك. شوّهت آثار لحام واضحة سطحها.

سألت: "أيمكنك فتحه؟"

أخرج عامل النظافة مفتاحاً حقيقياً من سلسلة ضخمة كان مفترضاً أن تصدر خشخشة مع كل خطوة. أكد كشف الأحشاء الداخلية شكوكو نيسترا: فُصِل نظام الإنذار يدوياً عن مقابسها بالطريقة السريعة المتمثلة في قطعها بنوع من الكلاّبات. كان عملاً جزاراً.

تذمّرت: "كيف بحق الجحيم لم تلتقط الصيانة هذا؟"

أجاب عامل النظافة بنبرة قد تكون ساخرة، أو ربما لا: "الصيانة؟ لبوابة؟ تبّاً. كل الأدوات الفاخرة في الأعلى أهمّ!"

كان من الصعب جداً قراءة ما يدور في ذهنه.

لكن نيسترا باتت تواجه مشكلة الآن، ومشكلة لا تستطيع حلها بنفسها.

قالت فور أن ردّ رئيسها: "أهلاً أشكاي."

"أنا مشغول للغاية يا بالاديان."

"ما رأيك في استكشاف الأنفاق كنوع من التغيير؟"

"... مشغول حقاً، حقاً."

"أنظمة إنذار بوابة الإخلاء معطلة في..."

تحققت من العمق.

"المستوى الثاني والثلاثين. لربما جرى فتحها."

"ولن يلاحظ أحد. علينا تفقد الأنفاق نفسها. اللعنة. حسناً، أمعك عتة الغارة خاصتك؟"

توقفت نيسترا عند ذلك. عتة غارة؟

"دائماً. لماذا؟"

"لأن اللصوص لو سلكوا هذا الطريق، فلربما تركوا مفاجآت صغيرة وراءهم. استعدي. أنا وأنت سنذهب في رحلة استكشاف."

كادت نيسترا تسخر. حتى في هذا العمق، كانت هذه لا تزال ثريشولد بكاميرات و... و...

تذكريت كل الاختراقات. كان هذا عميقاً، أعمق من معظم الملاجئ التي بنتها ثريشولد. مع حماية مداخل ومستشعرات زلزالية في أماكنها لرصد الكائنات الحفّارة، كان هناك القليل جداً من الحافز للنظر في عمق أكبر.

"تبّاً لجيل."

تمنت أن يكون أشكاي مستحقاً لرتبته.