المتبدّلة الفصل 102 — العاقل المصنوع

اقرأ المتبدّلة الفصل 102 — العاقل المصنوع باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت الأفكار لتعذب نيسترا في هيئتها البشرية المعرضة للكئابة، لكن ملمرا بنيت بشكل مختلف، على ما ظنت. حين هددت الأفكار بإغراقها، كان بإمكانها إيجاد الملاذ في الروتين والمهام الدقيقة. مستخدمة صبرها ومقشط السجامت الصغير الذي جلبته، قررت نيسترا البدء بالتعاويذ إذ لم تكن متأكدة من وجود قواعد لتزيين الرماح. المقاومة والحدّة كانتا القاعدتان الأساسيتان، ثم ملكت عدة خيارات: كان بإمكانها جعل الرماح توزع المانا بشكل أفضل باستخدام تشريب يجعل كل طعنة أكثر فتكاً، لكن مسار التركيز وُجد أيضاً.

تماماً مثل نيسترا البشرية، رأت ملمرا نفسها مقاتلة هجينة فتوجهت نحو الرونيات التي ستسارع في إلقائها تعاويذ الطبيعة. لم يستغرق نحتها وقتاً طويلاً رغم أن الليل كان قد حل منذ زمن حين انتهت. كان الأمر وما فيه، حسناً، أنه ظل مجرد رماح خشبي. أداة أساسية للغاية. كان بإمكانها الحصول على نتيجة أفضل بكثير بسلاح معدني مطبوع مصنوع عبر العتبة والذي سيتفوق عليه ببساطة في كل شتى الطرق الممكنة.

رغم ذلك، وُجدت فائدة من نحت الرماح تجاوزت مجرد الحصول على سلاح: كانت تكتسب تدريباً، وأيضاً، كان الأمر ممتعاً ببساطة.

استمتع دماغ امرأة السحالي خاصتها بالاهتمام الدقيق بالتفاصيل، تركيز فريد جلب الغاية والهدوء لساعات متتالية. كان تغييراً منعش ل, بصدق، لدرجة أنها تساءلت عما إذا كان باقي أزهي يبدلون أقنعتهم فحسب بحسب أمزجتهم. حتى تمشيط حراشفها قبل النوم على الأرض جلب نوعاً من متنسك المتعة الذي لم تتوقعه قط.

في الصباح التالي، استيقظت نيسترا على روائح الطهي. في الخارج، تجمعت سحالي رمح كئيب حول نار المخيم لتناول وجبة من حساء متبقي وفطيرة حبوب بسيطة محشوة بقطع المكسرات والفواكه المجففة. وقفت نيسترا باحثة عن مخرج حين تذكر أرجنت إيفيس أنه مفترض تعريفه بها.

قال: "هذه إحدى أخواتي من جهة أبي. اسمها... متفحص فضولي".

ذلك اللعين.

"جلبت لي كنز البوابة هذا كهدية للقبيلة. إنها متدربة شامان مسافرة. ستغادر قريباً".

أومأت السحالي. إلى جانب زهرة الموت وابن عم أرجنت، أحصت نيسترا ثلاثة صيادين آخرين عادوا إلى وجباتهم بمجرد أن توقف أرجنت عن الكلام. أكلوا ببطء وعناية فائقة، لكن حين انتهوا، تحسن المزاج. كانت السحالي مهتمة بنيسترا التي شرحت أنها وجدت الرماح على بشري ميت. حين أُجبرت على تقديم تفسيرات، استخدمت ذاكرتها عن المذبحة التي سبقت معسكر رييل لتشرح كيف تسللت بالقرب لتسرقه من غارة ميت.

طلب الصيادون رؤية الرماح وهو ما وافق عليه أرجنت. قاد ذلك إلى ضجة كبيرة من التفاخر والإطراء لابد أنها سُمعت عبر نصف القرية نظراً لكونها هادئة عادة. جعل ذلك نيسترا تتساءل عما إذا كانت الرماح قطع أثرية أكثر شيوعاً في كلمات السحالي. بدا بالتأكيد أنه ليس لديهم استخدام للدروع. ربما لم يكن يناسبهم فحسب.

بعد حين، غادر الصيادون وعرض أرجنت إيفيس على نيسترا فعل المثل، مع تذمر زهرة الموت بأنها تشعر بالملل وتمنت لو تستطيع الانخراط، وهو أمر أخاف أرجنت إيفيس. استغرق الأمر نصف محادثتهم قبل أن تدرك نيسترا أن امرأة حوامل بشكل ثقيل تذهب للصين كان اقتراحاً صادماً بشدة لسحالي وأنها كانت تمازحه فحسب. في النهاية، غادروا مع بعض الفواكه المجففة وقليل من الفطائر. كالعادة، كان أرجنت صامتاً طالما بقيا في القرية.

الآن بعد أن رأى المحليون نيسترا وأنه قُبلت من قبل قبيلتها، ولأنها امتلكت رمحاً ملائماً، لم يعد أحد يعيرها اهتماماً يذكر.

بعد ساعة من المشي السريع، فتح أرجنت إيفيس قلبه أخيراً. بحلول ذلك الوقت، كانا في الأجزاء العميقة من الغابة وكان اليوم دافئاً بشكل ممتع. لكن نيسترا كانت جائعة. ربما امتلكت السحالي استقلاباً أبطأ لكنها شعرت أنها لم تكن تحصل على ما يكفي.

قال: "سنصطاد قريباً. قتل المحاربون كل الطرائد في محيط البوابة. الآن يجب أن نغزو بعيداً للعثور على اللحم. ونتحدث أيضاً. قلتِ إن عائلتي في خطر. أريد أن أعرف كيف، وأريد حمايتهم".

قالت: "أحتاج إلى بضع أشياء في المقابل. أولاً، لا يمكنك خيانتي".

هز رأسه نفیأ.

قال: "نحن من الشعب. ولائي الأول لكِ. ثم، للقبيلة".

ضاق عيناه.

قال: "لكن إذا جعلتِ شريكي وطفلي يُقتلان، فسأغير فحيحي".

بدا الأمر وكأن نيسترا لم تكن الوحيدة ذات رابط قوي بقبيلة قناعها.

قالت: "لن أفعل. ثانياً، يجب أن تساعدني في تحرير السجناء".

بدا رفضه واضحاً في طريقة وقوفه بكامل طوله، خطمه للأعلى. لكان بشري قد شبك ذراعيه هنا.

قالت: "لا حاجة لجعل نفسك أكبر. لن أطلب منك أي شيء قد يدمر سمعتك".

قال: "من الواضح أن قبيلة قناعك ستهاجمنا. أفضل طريقة لي لحماية عائلتي هي المغادرة مع باقي عشيرتي. إذا غادرت مع باقي عشيرتي، فإن الآخرين سيشككون بي. من المعرف أن عشيرة ناب منحوت تعمل مع جنسك الآن. تعرف القبائل الأخرى أن العمل مع البشر ليس مستحيلاً".

سألت نيسترا: "يمكنك فقط الادعاء بأنك تريد إعادة كنز البوابة إلى قبيلتك. ألا يجب عليهم تقرير بصدد مستخدم مقدس؟"

فح أرجنت إيفيس بامتعاض، ثم، دون تحذير، خلع قناعه. فح هيبته الحقيقية الضخمة في وجهها أزهي.

قال: "أنتِ خادعة للغاية! هل كل مولود بشري مثلك؟ تجعلين صدري يرقص ضد أضلعي بأنصاف حقائقك وأنصاف أكاذيبك! أنا لا أحب ذلك".

كانت نيسترا أطول من مترين وملثمة قبل أن يتمكن من غرز إصبع قذر في صدرها.

قالت: "هذا عمل تجسس. أنا أؤدي عمل تجسس. أخبرتك بذلك. إن كنت سأصبح جاسوسة فمن الطبيعي أن أكون مخادعة، لأن عليّ ذلك! أمن الصعب فهم هذا؟"

قالت: "لا، لا، أنا —"

قالت: "حتى إنني أخبرت قومي أن هناك مدنيين أبرياء هنا. أنا أتعرض للخطر من أجلكم."

قال: "كأن قومك يهتمون! ربما سيستدعون النار على القرية من بعيد، مثلما تفعلون دائماً!"

قالت: "لن يفعلوا."

غالباً لأن شينران لم يكن ليخاطر. كان يعلم أنها هناك. جعلُ نيسترا تُقتل في قصف كان ليأمره بنفسه سيشكل طريقاً مباشراً لكي يجبر سيريث عمودها الفقري على الخروج من قفصها الصدري.

قالت نيسترا: "عليك أن تقرر. تقبل الخداع من أجلنا ومن أجل قبيلتك، ثم تعمل معي بالكامل. أو ترفض وسأعمل وحدف، وما سيحدث سيحدث. قرر. ثم توقف عن التذمر!"

قال: "إذن تولي القيادة. أريد أن أبتعد عن هذه... هذه الحرب المخزية قدر الإمكان!"

قالت: "حسناً. لكن بلا تذمر وبلا احتجاحات. ليس لدي خطة حتى الآن. لقد طلب مني قومي انتظار التعليمات."

هزّ أرجنت رأسه، ويبدو عليه التاجئ.

قال: "ظننت أن البشر يخططون لكل شيء. سمعت أنكم تخططون حتى لما ستأكلونه بعد ثلاثة أيام!"

اضطرت نيسترا إلى أن ترمش أمام ذلك. مع أن أرجنت لن يستوعب على الأرجح ما يعنيه الأمر. تباً. يا ليت معظم التعابير الجسدية تتخطى الأنواع. عدا تلك الوقحة منها بالطبع.

قالت: "يا رجل، لقد خططت لأسابيع من الوجبات من أجل التدريب الشاق حقاً. يتعين عليكم أن تركزوا على قطاع الطعام والقتال."

قال: "ماذا تقصدين بالتركيز؟ توقفي عن استخدام العامية البشرية عندما تتحدثين لغة أزهايي!"

قالت: "هذا يعني أنكم غير جادين البتة بشأن الطعام والتدريب. هل تسافرون مع التوابل أصلاً؟"

قال: "أملك الملح. كما أن طبخ اليخنة اللائقة يتم في البيت، بواسطة أولئك الذين يبقون خلفنا! المفترض أن تصطادوا وتأكلوا اللحم المجفف وما أحضرتموه إن لزم الأمر، لا أن تفتتحوا مطبخاً كاملاً في البرية."

حدقت نيسترا بكل الاشمئزاز الواضح الذي استطاعت التعبير عنه.

قالت: "مثير للشفقة."

قال: "هسسس! كيف تفعلينها بشكل لائق أصلاً؟"

قالت: "نحن نستخدم حقائب الظهر. هيا يا رجل، أنتم لا تستخدمون حتى قوارير الماء! ونعم، بالطبع، بإمكانك الطبخ بشكل لائق. راقب."

أخرجت نيسترا واقيها من جيب أبعادها، وتأكدت تماماً من أنه في وضع عدم الاتصال، ثم دست الجهاز كله على وجه أرجنت المذهول. لم يكن مقاسه مناسباً لكنه أدى الغرض بالشكل الكافي.

قال: "أنا... يمكنني أن أرى. إنه لا يستخدم السحر حتى؟"

قالت: "كلا. تكنولوجيا بحتة."

بقي أرجنت فاقداً للنطق بعد ذلك، إلى أن انتهت حلقة الطبخ مع كريستنت.

سألت نيسترا: "إذن؟"

قال: "تملكين أدوات كثيرة جداً. بني جنسي... يمكنهم تعلم الكثير منك. تُدفع القبائل لكي تحتقركم لأنكم تحتاجون إلى الكثير من الأدوات، وهذا يعني أنكم ضعفاء. لكن هذا ليس ضعفاً."

اندفع لسانه إلى الخارج، وهو يفكر في كلماته التالية.

قال: "كيف حصلتم على هيئتنا؟"

قالت: "عليك أن تقتل بشراً وقبل أن تقول شيئاً، كلا، لن ينجح الأمر. الوصول إلى الحصن وإلى بوابته مؤمن، والوصول إلى خارج البوابة هو ربما الأكثر تحصيناً بإحكام على الكوكب. الشيء الوحيد الذي لا يثق به نحن البشر أكثر من الكائنات الفضائية الغازية هو أنفسنا. ستكتفي بقضاء السنوات الثلاثين القادمة في البيت الأحمر، بافتراض أنك لن تُسحق فور رؤيتك."

سأل: "ما هو البيت الأحمر؟"

تنهدت نيسترا، ثم تقرقع معدتها.

قالت: "انظر، أنا أنتظر التعليمات وأنا جائعة، إذن، فلنصطاد ونتحدث ليومنا هذا فقط؟"

قال: "نعم!"

* * *

أثبت التبادل الثقافي مع أرجنت أنه تجربة فريدة. كان السحلية فضولياً بشكل غريب، لدرجة جعلت نيسترا تبدأ تتساءل عما إذا كان نقص الفضول لدى السحالي ثقافياً لا بيولوجياً. أو ربما كان أمراً يخص أزهايي أكثر. كان الإنترنت أصعب شيء يمكن شرحه في القائمة. لم يستوعب أرجنت أن المعرفة البشرية بأسرها حول تقنيات الرماح متوفرة عبر الإنترنت مجاناً عملياً، ومع ذلك يفضل الناس التمرير السلبي ونشر الشتائم.

كي نكون منصفين، كانت نيسترا تعاني في شرح الاكتئاب والقلق اللذين شكلا التجربة البشرية في عتبة معظم الأيام.

اصطاد اثناهما حيواناً عشاشباً غريباً ذا أربع أرجل وقرون قادرة على إطلاق البرق. استغرق الأمر ساعتين لاصطياد واحد بشكل لائق بهيئة سحلية لأن المخلوق كان عدوانياً لكنه كان سريعاً أيضاً، ولم يتوانَ عن التراجع لكي يتعافى ويطلق تعويذته مجدداً. امسكته نيسترا على ضفة نهر بينما كان يحاول الشرب بعد مطاردة حارّة إلى حد ما. أسَرَتْه تعويذة طبيعة لفترة كافية كي تطعن نيسترا خاصرته.

بعد ذلك، هرب ولم تحتاج نيسترا سوى للمطاردة حتى ينزف حتى الموت. كان أرجنت مسروراً إلى حد ما في النهاية.

قال: "أنت عجولة. مثل الكثير من الصيادين الشباب. لكنك مثابرة أيضاً، وتلك صفة جيدة تمتلكينها إن استطعتِ الحفاظ على هدوئك. لقد أديت بشكل جيد، صائدة رمح الكآبة الجديدة. الآن... أريني كيف تطبخين الأشياء هنا!"

وهذا ما فعلته نيسترا. حددت ما بدا أنه قطعة لحم الخاصرة للوحش، والتي سوّتها في مقلاة حتى أصبحت استوائها متوسطاً نظراً لأن السحالي لم تكن تحب الأشياء المطبخة أكثر من اللازم على أي حال. مقطعة بسكين مشحونة بالفراغ ومتبلة بالفلفل ورقاقات ملح البحر، تبين أن الطبق البسيط كان جيداً بالقدر الكافي الذي أسعد أرجنت. لقد أصبح مبتهجاً قليلاً وذهب لأخذ قيلولة بينما كانت نيسترا تحضّر يخنة بالفطر والتوت اللذين قطفاهما على طول الطريق.

تمنت لو أنها حزمت المزيد.

سأل بعد الاستيقاظ: "أتعتقدين أن أزهايي آخرين يفعلون هذا؟ يسافرون معاً؟"

قالَت: "تكوّنت عندي فكرة أن أبناء جنسنا يميلون إلى العزلة عموماً، ولكن بما أننا ننحدر من أجناس مختلفة، فلا يسعني إلا أن أفترض أن بعضنا أكثر اجتماعية من البقاع الأخرى. ربما سترغبين في الهيام على وجهك في مرحلة ما مع ذلك."

"هسسس. ربما تكونين محقّة. آه، أتمنّى لو تستطيعين الطهي لنا كلّ يوم!"

"لا تعتادي الأمر أيّها الأبله. إن أردت طعاماً جيّداً، فابلُغ الفئة باء وبعدها يمكنك زيارة كوكبي لاحقاً."

"وترتكبي جريمة قتل!"

"حسناً..."

سيكون من النفاق قليلاً أن تعترض نيسترا.

"اختاري سافلاً على الأقلّ من فضلك. لدينا فائض منهم."

"سأجد لك سافلاً يا أختي."

بعد أن انتهتا، استخدمت أرجنت أغصان الكروم وشجرة فتية قريبة لتثبيت الذبيحة المتبقية على نوع من العصي التي يمكنهما حملها على كتفيهما. كانت رحلة العودة بطيئة ومريحة الآن بعد أن امتلأت معدتها. قاومت الرغبة في غفوة حتى وصلتا إلى مشارف القرية، حيث استقبلهن العمال والصيادون باحترام لهذا الصيد السريع. أسقطت نيسترا اللحم بزهرة موت سعيدة، ولكن قبل أن تستريح، كان هناك أمر أخير أرادت القيام به.

بالقرب، قرب البوابات، كانت الأقفاص. اقتربت نيسترا تحت نظرات حراس الفئة باء غير المبالية. أحصت البشر. لاحظوها هم أيضاً.

جعلتها النظرات الكثيرة اليائسة والمملوءة بالكره موجهة إليها تشعر بعدم ارتياح واضح. أعادت إلى ذهنها ذكريات المزاد، الرجال والنساء الذين يُعاملون كالماشية من قِبل الأقوياء وعديمي الضمير. العمة كلير حالفها الحظّ. كثيرون غيرها لم يكونوا محظوظين إلى هذا الحدّ.

تمتم أحدهم: "ماذا تريدين أيّتها العاهرة الحرشفية؟"

كان أولئك قطاع طرق، وبقوا هنا لفترة بالنسبة لبعضهم نظراً لطول شعورهم ولحاهم. على الأقل لم يجرِ تعذيبهم أو الاعتداء عليهم جنسياً. غير أنهم كانوا يتضورون جوعاً وبلا أمل. ولن يكون بمقدورهم الركض بالتأكيد.

بينما كانت تراقب، لمحت مع ذلك علامات تمرّد صغيرة. بنى أحدهم رقعة شطرنج بقطع من العظام. كان قطاعا طرق يعتنيان بثالث مكلوم، ويطعمانه آخر فتات من وجبتهما اليومية. كانت التعاويذ على الباب ضعيفة، رغم أنه بوجود الحراس، فإن فتح الأقفاص لن يؤدي إلا إلى موت مؤلم. لم يكن أولئك البشر منكسرين تماماً، وكانت ستنقذهم. ولكن ليس الآن. كانت ما تزال أضعف من أن تفعل هذا وحدها.

استدارت نيسترا وغادرت. في الوقت الحالي.

* * *

كان الوقت ليلاً. كانت نيسترا وحدها في خيمتها التي زُيّنت بالأعشاب الطازجة وفروة لطيفة للنوم عليها بعد أن كسبت ود القبيلة. حان الوقت لتفقد جهاز الاتصال الخاص بها. وكما كان متوقعاً، حصلت على إجابة.

رمشت الرسالة الأولى على الشاشة القديمة. ومع كل تحسينات واجهة المستخدم التي تباهى بها قناعها، بدا العودة إلى الكتابة الأساسية كرحلة عودة بالزمن إلى الوراء، إلى أوائل العقد الأول من الألفية قبل الغزو. الجولات في كوخ عزّزت فقط الشعور بغرابة مفارقة التاريخ.

"العميلة كريسنت، يرجى الرد على هذه الرسالة عندما تكونين في أمان."

مراعٍ للغاية.

كتبت رداً: "أنا كذلك."

استغرق الأمر بضع ثوانٍ فقط قبل أن يجيب أحد.

"هل أنت واثقة من قدرتك على البقاء بأمان حول الهدف دون أن تُكتشفي حتى وقت الغارة؟"

"أنا واثقة تماماً."

جاءت الرسائل سريعة. لابد أن الشخص الذي يكتب لها كان من الفئة باء على الأقل نظراً لسرعته.

"هل يمكنك تقييم عدد السجناء وظروفهم؟"

"أحصيت سبعة وعشرين. يعاني بعضهم من اضطراب عاطفي شديد ويبدو عليهم عدم التجاوب."

كانت هذه أفضل طريقة فكرت فيها لنقل أن هؤلاء الناس قد عانوا أكثر مما ينبغي.

"ما مدى احتمالية أن يتمكنوا جميعا من مغادرة المعسكر بأمان بمفردهم؟"

"منعدمة."

"لقد تقرّر أن مهمة الإنقاذ هي المسؤولية الأخلاقية للمدينة."

نعم! حسناً، الآن سيتسنى لها التباهي، أعني، عدم التباهي، الآن سيتسنى لها فعل الصواب وإثبات أنها تنتمي إلى هنا. كوجود بشري مجاور. حليفة، على أقل تقدير.

"يجب أن تكون مشاركتك في هذه المهمة طوعية."

"إنها كذلك."

"قبلت نقابة الطيف المهمة الجديدة أيضاً. يبدأ الإيجاز الآن. بعد خمسة أيام، ستتواصل معك نقابة الطيف على جهاز الاتصال الخاص بك. عليك الالتقاء بهم، والاستعداد، ثم تنفيذ عملية هروب تبدأ بعد الهجوم التضليلي. ستختبئين وتنقضين السجناء ببطء على مدى الساعة القادمة. ستخبرك نقابة الطيف بالمزيد. سينضم إليك فريق إنقاذ بعد مغادرتك المجاورة المباشرة للمعسكر أو إذا فشلت العملية جزئياً. لأسباب تتعلق بأمن العمليات، لا يمكننا إعطاؤك المزيد من التفاصيل."

أومأت نيسترا برأسها. كان قطاع الطرق يحصلون دائماً على قدر كبير من الحرية على أي حال. لم يكن ذلك جديداً. كان لا يزال لديها أسئلة مع ذلك.

"ماذا عن الإصابات المدنية من السحالي؟"

"أولويتنا هي إنقاذ السجناء. الحد من الأضرار الجانبية هو قرارك ومسؤوليتك."

توقفت نيسترا. وفقاً للخطة، كان من المفترض أن يهاجم شينران وراغناروك القاعدة مما يعني، حسب فهمها، أنهما سيسويانها بالأرض. ربما كانت قد إساءت الفهم وسيركّزان على محاربي السحالي بدلاً من ذلك. يعني ذلك أيضاً أن الأمر متروك لها لإقناع الطيف بعدم قتل كل ما يقع في مجال الرؤية. قد يكون الأمر صغيراً متحدياً نظراً لتصورها عنهم. خمنت أنها ستترى.

تركت لها الخطة أيضاً الكثير من وقت الفراغ. أسبوع عمل واحد، وتحديداً. كانت تمتلك بالفعل خطة للتعامل مع حراس الباب أو على الأقل جذب انتباههم، ولكن ربما كان هناك زاوية يمكنها العثور عليها.

قادها هذا كله إلى الليلة الفائتة. أحدث الحديث مع أرجنت قدراً من الصفاء، بطريقة غريبة، ولا سيما جانب الفضول الذي لم تره في بقية السحالي. بدا واضحاً من طريقة حديثه عن أزسيي أن عقله الزاحف يصوغ أفكاره، إلى حد ما. أوه، كانت هناك حساسية أزسيي وغرورها اللذان ترى تغلغلهما عبر الشقوق، وقدر من الفضول لا بد أنه يدفع أزسيي ليكونوا رحالة كما حسبتهم. كان أيضاً… سيئاً بعض الشيء في التقاط الإشارات الاجتماعية، وبطلاً أقرب منه إلى قائد نظراً لأن أبناء قبيلته تجاهلوه نوعاً ما، ليؤثروا زهرة الموت عليه.

مع أنه، مجدداً، كان صعب الحسم إن كان هذا عشوائياً، أو من طباع أزسيي، أو كما بدأت تشك، أن أرجنت إفيس يشاركها أباها بالفعل. سيكون منطقياً أن يسافر ذكر أزسيي إلى عوالم مترابطة، ليضاجع امرأة أو عدة نساء من كل جنس في طريقه. بدا ذلك كنوع الكفاءة التي يسعى خلفها هذا اللقيط.

على أي حال.

كان أرجنت إفيس رجلاً سحالياً ذي سمات أزسيي، من الناحية العقلية. وكان مظهره مظهره سحاليّ المنشأ من أزسيي. وُلِدت نيسترا من البشر. واستند مظهرها إلى الشكل البشري، لكنه أضخم وأقوى ورماديّ. تشبه قليلاً كائن زينومورف! لكن بلعاب أقل.

على أي حال.

كانت بشرية للغاية. ولكل الأغراض العملية، كان المشترك بين العمة كلير أو هيلينا وبينها أكثر بكثير مما بينها وبين أرجنت. كانت سيريبي حالة شاذة بعض الشيء بهذا الصدد. لقد شعرت بمثل هذا الارتياح عندما أدركت أنها فضائية منذ كل تلك الأشهر، لأن ذلك كان يعني وجود تفسير لكل ما شابها من عطب. كانت تلك السعادة حقيقية، كفتح باب أخيراً أو إيجاد شيء كانت تبحث عنه. الآن، مع ذلك، صلحت كل ما حدث لها أو تعلمت التعايش معه على الأقل.

لقد ردمت الروابط المتفسخة التي كانت لا تزال تربطها بـ… معظم عائلتها. والآن، أغضبها العقل الجديد المصارع على الهيمنة. لكن كان عليها أن تكون صادقة مع نفسها. عقلها الأساسي هو الذي يقطن في شكلها الحقيقي، وكان بشرياً بتغييرات طفيفة.

حتى قابلت أزسيي آخرين وتجولت، كانت، في جوهرها، بشرية لاذعة. هذا كل ما في الأمر. وكان هذا أيضاً سبب اهتمامها الشديد بهم، أولئك الأغبياء. أو سبب إثارة أمثال هونيجان أو شينودا الشرير لغضبها، إذ كانا أسوأ ما أنجبه الجنس من دون أي أعذار إطلاقاً: أغنياء، جذابون، أذكياء، نافذون، ثم يستغلون هذا كله ليكونوا أوباشاً مطلقين.

كانت نتيجة ذلك واضحة. غرضها الأساسي هو ما أراده العقل البشري المعدل داخل دماغها الأزسيي، مع كون ذاتها البشرية ثانية عن قرب وشبه مطابقة. وكل الأشكال الأخرى ثانوية، وبدا تعاطفها مع الزواحف منطقياً من منظور بشري على أي حال: لا ينبغي لأحد أن يرغب في موت مدنيين أبرز كقاعدة عامة. لم يكن جنس الضحايا يهم. بل كونهم كائنات واعية بريئة فقط.

جلست نيسترا براحة على الفروة المُهداة إليها. لم تدرِ أكانت محقة، أم أكان هناك جواب صحيح لمن تكون، ولكن حتى يتغير شيء ما، بدا استنتاجها الأخير منطقياً، وتماشى مع أهدافها أيضاً. لعل أزسيي أشد ازدواجية في الجنس مقارنة بمعظم الأجناس الأخرى.

لعلها ترى نفسها على هذا النحو، ليست «أزسيي»، بل بشرية وُلدت على هيئة أزسيي.

وسيكون الأمر منوطاً بها للتأكد من أن الجنسين أصبحا صديقين. البشر أصدقاء، ليسوا طعاماً وما شابه.

قد يكون ذلك عسيراً قليلاً، لكن لم يكن هناك أحد سواها للقيام بالمهام.

* * *

استيقظت نيسترا على مفاجأة سيئة.

كان هناك ضيف جديد جالس حول نار الإفطار، مع أن كلمة «ضيف»

قد مبالغ فيها نظراً لمدى غرابة وترهيب بقيتهم. سوداء، ومندبة، وقوية للغاية، حولت المرأة السحالية انتباهها إلى نيسترا بمجرد أن خرجت من كوخها.

كانت غارة الفئة ألف المناوبة على حراسة.

«صباح الخير أيها النائمة. أنا سحابة الليل، وأنت المحدقة الفضولية. لا أذكر أنك عبرت البوابة حاملة كنز بوابة. لو فعلت لكنت تذكرت ذلك».

يجب أن يكون الاستجواب قبل القهوة غير قانوني في كل الأجناس.

«وجدته على جثة بشري»، أجابت نيسترا بهدوء.

التزمت نيسترا الصمت بينما جلست لتتناول اليخنة وخبز الحبوب. كان الطاعة واجبة لسحابة الليل، لذا خفضت نيسترا رأسها، لكن شيئاً ما أخبرها أن إظهار الخوف سيكون علامة سيئة هنا. كانت السحالي أقل حذراً لكن هذا لم يعني أنها حمقى، ولا بد أن الأكبر سناً قد نجين بالتأكيد من خيانة أو اثنتين. لم تكن هذه البدو وكأنها ستكتفي بإجابات بسيطة.

«أين وجدت الجثة البشرية؟»

«ليست بعيدة عن بوابتهم. بعد المعركة الكبرى».

«أقاتلت في المعركة الكبرى؟»

كانت الأسئلة تتتالى بسرعة، ربما كوسيلة لإيقاع نيسترا في شرك.

«لا. ذهبت للمشاهدة. لقد احرقوا رمحي مع ذلك».

«لم لم تقاتلي؟»

«لم علي ذلك؟ لم تكن قبيلتي».

«يجب علينا جميعاً القتال ضد البشر. هم أعداؤنا».

أؤال خادع؟ لم تكن نيسترا متأكدة.

«ليس لدي ثأر دم مع البشر. لن أطاردهم ما لم يطاردوني».

أطلقت سحابة الليل فحيحاً بانزعاج.

«أنتن الصغار لا ترين الموت يلوح فوقنا. ما زلنا نقوم بأنصاف الحلول. نتخبط، بينما يزدادون قوة. كان يجب أن نُهاجمهم مجدداً بكل ما أوتينا من قوة، ولكن لا، لقد اختفى نصف أعظم محاربينا وبقي البقية فزعين كالمواليد الجدد. حتى أن البعض غير حراشففهم! والآن قد فات الأوان تقريباً…»

هزت رأسها.

«عساني أموت قبل أن أراُنا نجثو على ركبنا. وأنت، أأنت صيادة؟»

عليها الالتزام بما قال آرجنت. لتبتعد عن هذا اللغط وليكن ما يكون، كان عليهما التنسيق بخصوص المراقبة لكنها نسيت وسط كل تلك الفوضى.

"أنا متدربة شامان مسافرة".

"أحقاً أنتِ؟ هل تغنين لي أغنية لسان السجّين الذي غوى الشقيقات السبع؟"

اللعنة. عمل عقل نيسترا بسرعة. لحسن الحظ تذكرت إحاطة سيميردجان وأساطير أهل السحالي.

"لا. أنا أتعلم النقش لا رواية القصص. وأنا أكره تلك القصة".

"هسس!"

ضحكت نايت كلاود بتهكم.

"وأنا أيضاً".

"يمكنني أن أروي لك نسخة قصيرة عن الصيادة الشجاعة ليتل كوايت".

"هذه قصة أطفال!"

تذمرت نايت كلاود.

"أنا أُحبها"، دافعت نيسترا عن اختيارها.

كانت تدور حول فتاة صغيرة تتشجع لمواجهة مسخ قضى على محاربي عائلتها، قصة مليئة بالمكر والصبر في مواجهة قوة غاشمة، بينما قصة لسان السجّين لم تكن سوى وغد يغوي كوخاً بأكمله ويمارسه معه بمكر. مملة.

"إن كنت نقشامة، فما معنى هذا ال—"

"يساعدك على توجيه سحر الظلال"، قاطعتها نيسترا.

بقيت نايت كلاود صامتة وكأنها لا تصدق أنه قد تم مقاطعتها.

"وهذا يتيح لك فعل ذلك لفترة طويلة. جيد جداً للنجاة في المعركة".

"حسناً إذن، لماذا رمحي لامع جداً؟ ما هذا النقش؟"

سألت ذات الفئة ألف بابتسامة.

"إنه ليس نقشاً. لقد شحنت الرمح بطاقتك لدورات عديدة. الآن، يتذكر الخشب".

"هسس! يعجبني هذا. عمود فقري وشيء في الأعلى. الآن أنت بحاجة فقط إلى الحكمة التي تأتي مع التقدم في السن"، هكذا أنهت نايت كلاود كلامها.

فقدت ذات الفئة ألف اهتمامها وطلبت قطعة لحم قدمها لها آرجنت عن طيب خاطر. بدا أن نيسترا قد نجحت في اختبارها الصغير وأن القوة الكبيرة تحصل الآن على ما تستحقه. لم يفعل آرجنت شيئاً لمقاومتها. كان لا يزال شاباً يافعاً بمعايير السحالي بينما كانت نايت كلاود عجوزاً جبارة. كان بإمكانها فرض القرابين من كل مسكن في القرية دون أن يجرؤ أحد على التفوه بكلمة. كان طلب الهدايا دائماً امتيازاً للأقوياء على الأرض، لذا لم تفاجأ نيسترا.

كانت محظوظة حقاً لأن راغناروك قبل قرابين بسكويت التوت. سجلت في ذاكرتها أن تخبز المزيد من تلك الحالونغروتور اللذيذة بعد عودتها.

* * *

لم يكن هناك صيد يُنجز في ذلك اليوم نظراً لوجود لحم يتعين معالجته. لم تستطيع ديث بلوم فعل كل شيء بمفردها لذا ساعدتها نيسترا. كان من المثير للاهتمام أن ترى مدى عجز آرجنت إيفيس المطلق عندما يتعلق الأمر بالأعمال المنزلية. يبدو أن الأدوار كانت مفصولة بقوة حقاً في مجتمع السحالي، حيث يقوم عمال القرية بأمور القرية ويقوم الصيادون بالصيد, وهذا كل شيء، وهو أمر مثير للاهتمام لأنه عادة ما تتبع أدوار الجنسين القاعدة نفسها في المجتمع البشري.

ليس هنا رغم ذلك. اعتادت ديث بلوم أن تكون صايادة لكنها تحولت إلى عاملة بمجرد أن أصبحت حاملاً بشكل واضح، وستظل كذلك حتى ينمو طفلها أو تجعل أقاربها يتولون تربيته نيابة عنها. لقد تخلت عن جميع أنشطة الصيد وصولاً إلى تدريب الرماح. ومع ذلك كانت لا تزال سعيدة بالمساعدة التي قدمتها نيسترا. لقد أثنى آرجنت إيفيس على طهي نيسترا لذا أصبحت الآن عالقة في تحويل ما لديهم إلى لحم فضائي مملح، ولحم فضائي مدخن، ويخنة فضائية، وشرائح لحم فضائية طرية مقلية.

انفجرت شعبيتها.

"هل هو شيء خاص بالشامان؟"

سألت ابنة عم آرجنت التي كان اسمها لايت دانسر.

"لا، إنه شيء يخصني وحدي".

"هاه! أنت تتحدثين بطريقة مضحكة، ليتل كيوريوس غايزر. يعجبني عقلك".

قضت بقية اليوم في العمل على رمحها بينما كانت تستمع إلى حكايات الصيد ثم أخذ غفوة تحت الشمس. كانت السحالي ماهرة مذهلة في أخذ غفوات سريعة وتركت التجربة نيسترا تشعر بالغيرة. نزهة قصيرة عبر القرية في وقت متأخر بعد الظهر منحتها نوبة أخرى من الصدمة. يبدو أن الناس هنا لا يقضون وقتهم هكذا بلا هدف. سئلت إلى أين هي ذاهبة مرة واحدة، والعودة إلى صانع الزجاج الذي كانت فضولية بشأنه انتهت بشكل سيء.

طلبت السحالية العجوز منها اسمها، وأكدت أنها مع الرماح القاحلة، ثم طلبت منها بصراحة تامة أن تبتعد. يبدو أن تقنيات صناعة الزجاج كانت ملكية فكرية محمية للقبيلة. لقد استنفدت حصتها من الفضول.

في الليل، لم تكن نقابة الأشباح قد تواصلت بعد. كان من المرجح أنهم سيحتاجون إلى بضعة أيام أخرى. ومع ذلك فقد شكل ذلك مشكلة معينة لها. كانت لا تزال لا تعير أي اهتمام لمعظم رجال السحالي، وخاصة أولئك الذين احتجزوا البشر في الأقفاص، لكن الرماح القاحلة كانوا يكسبون حبها شيئاً فشيئاً.