المجلد الأول: بداية الكارثة
القوس الأول: الغابة السوداء
الفصل التاسع والأربعون: تأتي الراحة بشق الأنفس
ذلك الوحش الذي واجهوه سابقاً لم يكن موجوداً في هذا المكان.. أول من لاحظ هذا كان كارثاس؛ لأن ذلك الوحش تحديداً جعله يشعر بمرارة الموت قبل أن يموت فعلياً..
تسللت الهمهمات والتساؤلات بين الحاضرين:
ـ ماذا حدث؟
ـ هل عدنا حقاً؟
ـ كيف انتقلنا بمجرد تصفيق؟! هذا شيء لا يصدقه عقل!
في هذه الأثناء، بدأ كارثاس يفكر في الأمر بعمق: ما هي الغابة السوداء؟ وماذا سيحدث بالضبط بعد ثلاثة أيام من الآن؟
كل تلك الأفكار كانت تعصر عقله عصراً، وهذا ما فتح أبواباً لأسئلة جديدة:
(هل القصة التي رواها مالاكاي حقيقة، أم أنها مجرد نسج من خياله؟ ولماذا لم يكمل القصة؟ هل نَفِدت أفكاره ولم يعد هناك شيء لنسجه؟)
سريعاً ما غيّر كارثاس مجرى تفكيره، وقرر التركيز على الاستعداد لما سيحدث بعد ثلاثة أيام.
رفع صوته موجهاً كلامه ونظراته الصارمة نحو جميع الحاضرين:
ـ لقد سمع الجميع كلام ذلك العجوز وما سيحدث بعد ثلاثة أيام.. إذاً يجب أن نستعد من الآن! إن كان كلام العجوز صحيحاً ونحن لم نستعد، فسيكون مصيرنا المحتوم هو (الموت المؤكد)!
صمت الجميع واستبدت بهم الحيرة.. هل يصدقون العجوز ويستعدون، أم يلتزمون التجاهل؟
تناقش الحشد لفترة طويلة، وساد الخوف دون أن يتجرأ أحد على إعطاء قرار حاسم.
تحولت نظرات كارثاس إلى الغضب؛ فمن الواضح أنه يجب عليهم الموافقة لضمان حياتهم. في كلا الحالتين هم المستفيدون: إن كان كلام مالاكاي حقيقياً، فقد استعدوا وأخذوا احتياطاتهم وسيعيشون فترة أطول لأنهم كانوا سيموتون حتماً في حال الإهمال.
أما إن رفضوا وكان كلامه صحيحاً، فسيموتون بلا أدنى شك وبمنتهى السهولة. وإن لم يكن كلامه صحيحاً، فسيتوفر الطعام للجميع لفترة طويلة دون خوف أو جوع.
قال كارثاس بصوت خفيض وهادئ بعد أن استعاد السيطرة على أعصابه:
ـ إن كنتم خائفين من أني سأعاملكم كما فعلت قبل أن ننتقل إلى ذلك البعد، فهذا لن يحدث.. لأني سأعاملكم بشكل جيد هذه المرة.
ثم نظر إليهم وأكمل بنبرة لا تقبل التراجع:
ـ غداً سنبدأ.. سنضع قوانين جديدة وأموراً كثيرة تساعدنا على العيش والصمود في هذا المكان.
تحرك كارثاس نحو الشجرة الكبيرة التي كان يجلس أسفلها سابقاً، ولحق به أصدقاؤه الخمسة.
كان كارثاس يعتبر نفسه القائد الأوحد لهذه المجموعة، وقد اتخذ قراره بالفعل: سينفذ خطة الاستعداد، وإن لم يوافق الطلبة على هذا، فسيجبرهم على الموافقة بالقوة؛ فهذه هي الطريقة الوحيدة التي لا تزال تنجح معهم.
في تلك الأثناء، تحرك أوزيريس هو الآخر نحو البقعة التي كان يقبع بها من قبل بالقرب من جذع الشجرة.
كان أوزيريس يؤيد هذه الفكرة تماماً؛ لأنها المنطقية والصحيحة في كلا الحالتين.. ولم يكن يفهم لمَ لا يوافق الطلبة على هذا القرار البديهي.
لكن بالطبع، لم يصدق أحد كلام العجوز مالاكاي بأي شكل من الأشكال؛ فقد كانوا يعتبرونها مجرد قصة مسلية تخفف عنهم ما عاشوه من آلام ومعاناة في هذا الجحيم.
وصل أوزيريس إلى جذع الشجرة وجلس عليه.. ومثل المرة الماضية، أدار ظهره لظلمة الغابة، ونظر إلى البقعة السوداء أمامه التي خلفتها آثار النار المشتعلة سابقاً.
وفجأة.. لاحظ بعض الطلبة أمراً غريباً؛ فالجثث التي قتلتها القطة في السابق لم تعد موجودة في المكان!
قال أحد الطلبة بصوت مرتفع ومرتبك:
ـ إن تلك الجثث ليست هنا! لقد انتقل الجميع إلى ذلك البعد.. إذاً من قام بإخفائها؟!
استنتج أوزيريس شيئاً واحداً فقط في ذهنه.. لم يخفها أحد، بل التُهمت على الأرجح! هذا أمر واضح جلي، لكن الطلبة مجرد أغبياء مدللين اعتادوا على عالمهم الأصلي الذي يتوق الجميع للعودة إليه.
تقدم أحد أصدقاء كارثاس وهو الفتى "كاي"، وكان يحمل بين يديه بعض قطع الخشب المقطعة. وضعها في مكان النار السابقة، وأشعلها بقداحة، ثم غادر هادئاً دون أن يلقي كلمة واحدة.
اشتعلت النار واهتزت ألسنتها الدافئة.. كان أوزيريس يشعر ببرد خفيف يتسلل لجسده، لكنه سرعان ما تلاشى وحل مكانه الدفء الذي جلب معه طمأنينة مؤقتة.
ذبلت عيناه وثقلت أجفانه؛ فكل ما عاشه اليوم من إرهاق وتعب ومصائب انهالت عليه دفعة واحدة جعلت جسده يصرخ طالباً الراحة.
لقد كان هذا اليوم.. أطول وأصعب يوم في حياته بأكملها.