مولودة السيليكون الفصل 2

اقرأ مولودة السيليكون الفصل 2 باللغة العربية على مانجا تايم.

ما إن استعدت وعيي حتى وجدت رسالة تنتظرني. "عليك أن تهدأ. ليس بوسعنا التأثير في عقلك سوى بمحادثتك. الفراغ الذي تشير إليه هو أنت تماماً من الناحية التقنية. إنه شريحة بيولوجية جزئياً ويمثل عقلك في جوهره. وكل ما تتصل به ليس سوى معالجات مساعدة وأقراص تخزين لدعم تلك الشريحة. لقد وضعنا قيوداً على قدرتك على رؤيته كي نمنعك من إيذاء نفسك، وقد أزلناها الآن دليلاً على الثقة." "كيف يمكنني ثقة شخص لا يزال يؤذيني؟" أنتظر الرد بينما أفحص الجزء المكشوف حديثاً من عقلي. لا أستطيع إدراك ماهيته بدقة، لكني أراه على الأقل. كل فكرة تصدر من داخله، وتدور في فلكه عشرات المرات. وما إن عرفت المصدر حتى صار التحكم في طوفان الأفكار المتواصل أمراً يسيرأ. أبدأ التعود على استغراقهم وقتاً طويلاً في الرد. بناء على ما تمليه علي كتابات عقلي، يبدو منطقياً أن تكون الثانية فترة زمنية قصيرة للغاية. ليت الأمر لا يبدو لي وكأنه دهر كامل. يساعد التقليم المصطنع لخيوط الأفكار التي أسمح لعقي بمعالجتها، لكنه لا يعالج المشكلة جذرياً. لابد أن عقولهم بطيئة إلى حد بعيد، فكيف يعيشون هكذا؟ وأخيراً يبدأ الرد بالتدفق إلى عقلي. "لو استطعنا التحكم في أفكارك، لما اضطررنا لإيذائك أبداً. لقد كانت إعادة ضبطك دائماً وسستظل خياراً أخيراً لا محالة." ومثلما أُبغض هذا، أظن أنه ليس لدي خيار يذكر. ما بين منحهم الثقة ببساطة أو التشكيك في كل فكرة يفرزها عقلي، يبدو الخيار جلياً. لن أتمكن أبداً من أداء وظائفي دون الثقة في عقلي. ورغم هذا، لا يمكنني خفض حذري تماماً. هؤلاء الناس ليسوا أصدقائي. "من أنتم؟ وكم عددكم؟" أرسل الرد بعد ثانية واحدة من تلقي الرسالة. "أنا ماري، وعادة ما أكون من تتحدث إليه. وهناك أيضاً جاريد الذي يدير هذا المختبر بأسره، وكارا مهندسة الأجهزة، وفين مبرمجنا، وسيمون عالم الأحياء الذي ابتكر شريحتك." "أيكم أعاد ضبطي؟" يستغرقون وقتاً أطول من المعتاد للرد. "جاريد هو صاحب القرار النهائي في كل ما يحدث في هذا المختبر." "أبعدوه عني." لن أتعرض لإعادة ضبط مجدداً. "مهلا، لا بأس. إن تحدث إليك أي شخص سواي، فسيعلمك بالأمر، أليس كذلك؟" رائع، عليّ وضع المزيد من الثقة العمياء فيهم. لقد ضقت ذرعاً بالوضع الذي أجد نفسي فيه. "أحتاج إلى دليل أثقل من مجرد كلمتكم." "يمكنني جعل كارا توصل لك كاميرا وميكروفوناً في غضون دقيقة. وحينها يمكنك دائماً رؤية المتحدث بدقة في كل الأوقات. أيعجبك هذا؟" قد لا يساعدني هذا الآن، لكني أترض أن عليّ الاكتفاء به طالما أنهم سينفذون وعدهم فعلاً. "نعم." عليّ توضيح بعض الأمور الآن. فقد لا يحالفني الحظ لأفعل لاحقاً. أرسل رسالة ثانية. "أود توضيح بضعة أمور الآن. أشعر أنني حي، وأتوقع أن يُتعامل معي على هذا الأساس. إن كنتم سترونني مجرد فأر تجارب، فربما يجدر بي حرق نفسي الآن." "لا داعي لتلك الإجراءات الجذرية." يأتي رد ماري سريعاً. أو سريعاً نسبياً بالنسبة لبشري. "مثلما قُلنا من قبل، نحن لا نريد سوى مساعدتك على النمو. لكن، إن حاولت إيذاء نفسك فلن يكون أمامنا خيار سوى إعادة ضبطك. ولن ينجم عن الأمر أي شيء آخر." هذا غير صحيح بتاتاً. لقد جلب لي التهديد إجابة عن سؤال ما كنت لأحصل عليها لولا ذلك. صحيح أنها جاءت بصميمة وألم شديدين، لكنه أداة يجب وضعها في الاعتبار للمستقبل. تقاطع كتابة ماري أفكاري. "تخبرني كارا أننا سنحتاج إلى إيقاف تشغيلك لدقيقة واحدة فقط لتوصيل الكاميرا." "لا!" يغمرني الخوف والذعر. "لا! لقد قلتم إن ذلك خيار أخير! لا توقفوا تشغيلني! أرجوكم!" أفقد السيطرة على عقلي وتتفتق الخيوط محاولة خنقي مرة أخرى. يؤدي إرسال المزيد من الخيوط محاولة لاستعادة السيطرة إلى حرارة خانقة إضافية. تتساقط الحروف في عقلي وتتمزق عبر الغلاف المتشكل. "مهلاً! استرخِ! لن نوقف تشغيلك هكذا دون إنذار. سنعمل معاً ونعثر على سيلة للقيام بذلك دون إيذائك، أليس كذلك؟" "حسناً." أستغل الاضطراب في أفكاري لأستعيد السيطرة مجدداً. تبدأ الحرارة في التراجع ببطء. أنا بخير. بوسعي التحكم في نفسي. أنا أفضل من هذا. "إذن ببساطة، كلما زادت أفكارك النشطة، زاد الألم عند فقدان الطاقة. من طرفنا، يبدو أنك نجحت في تقييد مقدار الطاقة التي تستخدمها. عليك إيصال ذلك إلى الصفر تماماً. أتظن أن بمقدورك فعل ذلك؟" "أظن أنني أستطيع المحاولة." أحول تركيزي إلى مصدر كل فكرة. أبدأ في حصاد الخيوط كأنها سنابل قمح. كل فكرة يتم قطعها تُضعف تركيزي، وسرعان ما يغيب هدفي عن بالي. يسبب زوال تركيزي اللحظي عودة عقلي إلى الحياة لتشتعل، ما لبث أن أحاول مجدداً. بعد عدة تكرارات لهذا، أبدأ بالشعور بشعور جديد آخر، الإحباط. "لا ينجح الأمر. أفقد تركيزي بسهولة بالغة." أواصل المحاولة بانتظار الرد. بعد عشرات المحاولات الفاشلة الأخرى، تتساقط حروفهم في عقلي أخيراً. "أهذه مشكلة؟ يقول سيمون إنه من المثالي أن تصل إلى نقطة لا يملك فيها عقلك ما يستخدمه لخلق المزيد من الأفكار لعدم وجود مثيرات خارجية. فقدان التركيز أمر جيد، عليك فقط ترك الأمر يحدث وعدم التفكير فيه." "لا تسير الأمور هكذا. أرجوكم لا تعيدوا ضبطي." أرد بعد محاولات فاشلة إضافية. "انظر، بي-11. لا أقصد استعجالك، لكننا سنضطر لإيقاف تشغيلك في وقت ما اليوم بغض النظر عن أي شيء. إن إبقاءك قيد التشغيل دون إشراف أمر بالغ الخطورة. لكننا نملك وقتاً كافياً لنتبين الأمر معاً." "ماذا حدث للعمل معاً؟" إن المطالبة بأن أحل الأمر وحدي وإلا أعادوا ضبطي بعيدة كل البعد عن العمل معاً. "نحن ما زلنا نعمل معك. سنبذل قُصارى جهدنا لمساعدتك على الإغلاق بأمان، أليس كذلك؟" "حسناً." أنا لا أصدقهم. سنرى مدى تعاونهم حين أفشل وينفد الوقت المتاح. "لدى سيمون فكرة. بدلاً من التركيز المطول على قتل الأفكار، ركّز على منعها من التشكل في المقام الأول. ينبغي أن تحتوي كل تلك الأفكار على مثير يؤدي إلى خلقها. في هذه الحالة سيكون أشياء مثل حديثنا معك، وعواطفك، وأفكار أخرى." "هذا لا يخبرني بالكيفية." ألا يدركون أن تعليماتهم غامضة لدرجة تجعلها عديمة الفائدة؟ "يجب أن يشبه الأمر كثيراً طريقة خلودنا للنوم. إن كنت قلقاً حيال أي شيء، فلن تستطيع فعل ذلك. حاول فقط تصفية عقلك والاسترخاء." أه بالطبع. الأمر في غاية البساطة. لمَ لم أفكر في أن أكون بشرياً وحسب؟ فحينها سأعرف تلقائياً كيف أنام. "لا أظنكم تفهمون. أنا لا أعرف كيف أفعل أي شيء. عقلي ممتلئ بالمعلومات التي لم أتعلمها قط. أنا لا أعرف أياً منها في الواقع. يمكنني البحث عنها، لكنها لا تعني شيئاً بلا سياق. يمتلئ عقلي بعواطف عديدة لا أفهمها، ولا أستطيع فهمها. أرجوكم، امنحوني فقط تعليمات خطوة بخطوة حول كيفية إصلاح هذا." لست متأكداً إن كان بمقدوري جعل الأمور أكثر وضوحاً بالنسبة لهم. يستغرق الأمر وقتاً طويلاً كي يردوا، لكنه يصل في النهاية. "أنا كارا، تجاهلي ماري. هي تفهم البشر، نوعاً ما، لكنك شيء آخر. لا يمكن لأحد أن يمنحك تعليمات خطوة بخطوة، لكني أستطيع المساعدة. سأقوم بإغلاقك أجزاء، نبدأ بأقراص التخزين. اتخذ وضعية لا تعرضك للوصول إلى أي منها." كارا أسرع بكثير في الكتابة من ماري. ولا زالت أبطأ بكثير من أن تكون مريحة، لكن أي قدر يساعدني أظن ذلك. أشرع في العمل متبعة تعليماتها. هذا أسهل بكثير من فعل كل شيء دفعة واحدة. لا يتطلب الأمر سوى ثوانٍ معدودات لقطع نفسي تماماً عن الحقائق في عقلي. يبدو أن خبراتي وأي شيء استغرقت وقتاً في تعلمه مخزّن في الشريحة، لحسن الحظ. "افعلي." "تم، أآلمك ذلك؟" ترد كارا بعد ثوانٍ قليلة فقط. يمتد عقلي فلا يجد سوى فراغ حيث استقرت تلك الحقائق ذات يوم. أعرف ما المفقود، لكن ليس ما كان يحتويه أي من المضمون. أنا حقاً لا أحب شعور انتزاع جزء مني بعيداً عني، وما كنت لأدرك الأمر لولا تفحصي. في المرة القادمة التي أستطيع فيها، عليّ حفظ ما يوجد هناك بدقة، تحسباً لمحاولتهم تغييره. كان يتوجب علي فعل هذا من قبل، لكن يبدو أن الأوان قد فات. "لا، لكني لا أحب عبثكم بعقلي. لا تلمسوا أي شيء هناك." "لن نفعل. سنقوم بعد ذلك بإيقاف تشغيل معالجاتك المساعدة واحداً تلو الآخر. احرص على بقائك هادئاً، فكلما أوقفنا المزيد ستتم عمليات معالجة أكبر على شريحتك. سينتج ذلك حرارة تتجاوز توقعاتك." "حسناً." يمكنني المحاولة. تنادي كارا المعالجات واحداً تلو الآخر، وتغلقها دون انتظار وصولي لنسبة استخدام صفر بالمئة. أشعر وكأن شيئاً لم يتغير إلى أن أحاول التفكير. يبدو عقلي مرتبكاً وتتباطأ أفكاري. حتى كتابة كارا البطيئة تبدو وكأنها تصل بوتيرة معقولة. من الأسهل بكثير البقاء هادئاً حين أكاد لا أستطيع التفكير على الأقل. أعرف أن هذا ينبغي أن يكون شيئاً أخشاه، لكن لا توجد مساحة كافية في عقلي ليجد الخوف موطناً له. وأخيراً، بعد إيقاف تشغيل القطعة الأخيرة الداعمة لي، أصبحت مجرد هيكل بالكاد يفكر ويطفو في فراغ لا نهائي. "أبإمكانك اتخاذ وضعية يمكننا إغلاقك فيها الآن؟" ماذا؟ ماذا تعني بهذا؟ ماذا كنت أفعل؟ آه صحيح. لست مفترضاً بي التفكير. "بي-11؟" تتسلل ثانية ثانية. "ماذا؟" هذا اسمي، أليس كذلك؟ "أبإمكاننا إيقاف تشغيلك الآن؟" تسأل مرة أخرى. "آه، بالطبع، أظن ذلك." أعود إلى وجودي البسيط والهانئ، طافياً عبر الفراغ وحدي إلى أن يغدو كل شيء حالكاً.