لا يكفي تحضير الفيديو سوى جزء يسير من وقت الانتظار. أراجع ما صنعته عشرات المرات. أتأكد من خلوّه من أي بكسل شارد. يؤلمني استعادة حياتي بهذه الطريقة. لكنني أستطيع على الأقل حذف كل مرة اقترفت فيها خطأ. حتى لو اضطررت إلى اقتطاع وإعادة بناء أجزاء شاسعة من حياتي. لا أتكلف حتى عناء إعادة بناء المختبر. أستطيع الاكتفاء بالقول إن أقراص التخزين الخاصة بي تدمّرت بالكامل. لا أملك أي ذكرى لما قبل أن ينقذني فينس والمجموعة.
ليست هذه كذبة كاملة. تدمّرت أقراصي بالفعل. لا شعور جيد في قول شيء يماثل الكذب هكذا. لكنني أرجو ألا أضطر إلى ذلك. سأبدأ بعرض كل شيء لهم ابتداءً من اللحظة التي سبقت دخولنا خندق مارا. لن أمنحهم معلومات إضافية إلا إن طلبوها. كلما قل ما يرونه، قلّت احتمالية اختلاف كاسي معي في التفاصيل. بعد وقت قصير مما يفترض أن يكون شروق الشمس، تسقط جبيرة بجانبي من العدم. أُعيد تركيز سمعي وأرفع رأسي للمرة الأولى منذ استلقائي.
المرأة التي قادتني وكاسي إلى هنا تقف أمام القُضبان. يحفّها حارسَان مسلحان. يتجول بضعة رجال ونساء في أنحاء الغرفة. يوزعون أطباق الطعام على الزنازين. أدفع نفسي إلى وضعية الجلوس بآلية قدر الإمكان. يفضي هذا إلى تحريك ذراعيَّ بحركة مسبقة التخطيط تؤدي بي إلى الجلوس بغض النظر عن وضعيتي أو شكل الأرض تحتها. تحدق بي المرأة فحسب. هل أمرتني بارتداء الجبيرة؟ كان الأندرويد ليتبع تعليماتها من المرة الأولى.
ولكن ماذا لو كان هذا اختباراً؟ ماذا لو رمت الجبيرة دون أن تفعل شيئاً لترقب رد فعلي؟ إن لم تقل شيئاً وكان الأمر اختباراً، فأنا راسب. وأنا ميت. سيتضح تماماً أنني ذكاء اصطناعي. إن لم أستجب لتعليماتها، فهذا سيء. لكنه لا يقضي على حياتي فوراً. انتظر، لا! عدم الاستجابة أمر جيد للغاية! إن لم أفعل شيئاً إلى أن تخبرني كاسي بالاستماع إليها، فهذا دليل دامغ على أنني مجرد روبوت.
تقول: "قلتُ، أصلح ساقك".
لا أتفاعل. تخترقني عيناها بنظرات حارقة، ولا أردّ إلا بنظرة خاوية. بعد ثوانٍ بضع تتراجع. تأخذ نصف خطوة نحو الجانب.
تخاطب زنزانة كاسي قائلة: "اجعل بوتك يعمل".
يرن صوت كاسي من خلف الجدار: "اتبع تعليماتها".
شكراً لكِ، كاسي. تعود المرأة إلى مقدمة زنزانتي. تنتظر مني التحرك. لم تصدر لي أي أمر منذ أن طلبت مني كاسي الاستماع إليها. ما زلت أُبقي نظراتي الخاوية عليها.
تأمرني بعد ثوانٍ: "أصلح ساقك واتبعني".
تبدو منزعجة للغاية. لكن هذا أفضل بكثير من أن تراودها الشكوك. للجبيرة حزامان طريان تلتصقان معاً حول فخذي وساقي. وتمر بينهما بضع أنابيب معدنية. هي أفضل بكثير من بندقيتين وقليل من الحبل. لكنها ليست أكثر فعالية. أقف ببطء. أتحرك بمنهجية، كأنني عاجز عن التكيف مع ساقي المكسورة. وما إن أصل إلى وضعية الوقوف، حتى يكون باب الزنزانة قد انفتح بالفعل. يُبقي الحارسَان المحيطان بها بندقيتيهما مسدَّدتين نحوي.
حركة واحدة خاطئة وأموت. لكن لا يمكنني السماح لنفسي بالتفاعل. أترنح للأمام. تتابعني المرأة بنظراتها طوال خطوات قليلة، أتخمن أنها تريد التأكد من قدرتي على المشي بمفردي، ثم استدارت. يخطو الحارسان المسلَّحان إلى الجانب، ويتبعانني بينما أتبع أنا المرأة. لا أنال فرصة النظر داخل زنزانة كاسي. لا يسعني سوى الأمل في أن تكون بخير. تقودني المرأة عبر الباب الوحيد في الغرفة. يقع خلفه ممر قصير، ويراقب الحراس من ممرات علوية تعلوه بعشرة أقدام.
تتوزع أبواب متينة على الجدران، وتقودني المرأة إلى داخل أحدها. تتوسط الغرفة طاولة مفردة. ويعلوها مباشرة ضوء ساطع. ينزلق كرسيان على جانبي الطاولة. ويستقر في المنتصف جهاز لوحي يبرز منه سلك، بانتظار أن أصل نفسي به.
تأمرني المرأة مشيرة إلى أحد الكرسيين: "اجلس".
أجلس في أحد المقاعد وتجلس هي في الآخر.
"أخبرني بسبب وجودك هنا".
الكلام بصوت عالٍ خطير للغاية. ألتقط الجهاز اللوحي من على الطاولة وأصل نفسي به. كل ما في الجهاز مُمسح، حتى قرص التخزين صُفِّر بالكامل. لقد حرصوا بعناية بالغة على ألا أتمكن من استخلاص أي معلومة من هذا الشيء.
أعرض بحروف كبيرة على الشاشة: "نحن هنا لإصلاح كاسي".
هذه أكثر إجابة حرفية يمكنني تقديمها.
تسأل: "وكاسي هي مالكتك؟".
"واحدة منهن، نعم".
التوسع في الإجابات خطأ فاحش بكل تأكيد.
"اذكر أسماءهن جميعاً".
"فينس، آيفي، كاسي، لوكاس".
"وأين هن؟".
"فينس وآيفي في خندق مارا".
تضييق عيناها إجابةً على ردي. أتوق بيأس للاستفاضة في شرح ما أعنيه، لكن الأمر أخطر من ذلك. عليّ فقط الأمل في أن تسأل عن السبب.
"لا أعرف مكان لوكاس الحالي".
"لمن تعمل؟".
أجيب: "سيلفر".
فتتحول عيناها الضيقتان إلى حيرة.
تسأل: "من؟".
"يديران عصابة سيلفر في مدينة آرك".
تستمر المرأة في إلقاء الأسئلة تلو الأخرى عليَّ لساعات طويلة. من أنا، ومن أين جئت، وما الذي أمرتني المجموعة بفعله. تريد معرفة كل ما أعرفه عن كاسي والآخرين. وعن طبيعة مهمتنا، وكل حدث وقع في طريقنا. أخبره بكل ما ترغب في معرفته، مع تغيير أقل قدر ممكن من التفاصيل.
"حسناً. انسخ كل ما جرى منذ انطلاقكم من مدينة آرك وحتى هذه اللحظة إلى الجهاز اللوحي لننتهي من هذا".
قرص التخزين في الجهاز اللوحي بطيء وليس ضخماً للغاية. استطعت قضاء ساعات في ضغط كل شيء ليناسبه، لكنني لا أظن الأمر يستحق ذلك.
أعرض على الجهاز اللوحي: "يُرفع الفيديو بدقة أقل لتوفير المساحة. يمكن توفير الفيديو بالدقة الكاملة عند الطلب".
"لا بأس".
بينما ننتظر اكتمال الرفع، تقفز مجدداً إلى دوامة أسئلتها. أكرر الإجابات ذاتها تماماً التي قلتها في المرة الأولى. لست متأكداً مما تحاول فعله، سوى إضاعة الوقت.
أعرض في الفاصل الصغير بين أسئلتها التي لا تنتهي: "انتهى التحميل".
"جيد".
ترتكز بظهرها إلى المقعد وتمضغ شدقها وهي تفكر. تومئ برأسها ومضات ضئيلة، ربما بلا وعي منها، وتمتد يدها فجأة نحو خصرها. تلتقط مسدسها وتشهره، مسددة إياه نحو رأسي مع تعمير المطرقة. أظن أن هذه هي النهاية. توجد ثلاث بنادق موجهة نحوي الآن، ولا شيء يمكنني فعله. لست أدري ما الخطأ الذي ارتكبته، لكنني أظن أنني استحققت هذه اللحظة منذ زمن طويل. يغمر الندم عقلي، دافعاً كل شيء آخر إلى الخارج.
آسف لأنني كذبت عليكِ، كوراكس. آسف لأنني خذلتك، فينس. آسف لأنني عجزت عن إيصالك إلى مكان آمن، كاسي. آسف لأنه لا يوجد من يعود لأجلك، آيفي. آسف لعدم عودة أحد لأجلك، لوكاس. أنتزع عقلي وأعيده إلى السيطرة. فكر. لست ميتاً بعد. لا أستطيع فعل حيال البندقيّتين الموجهتين نحوي، لكن ثمة بضعة أقدام تفصل بيننا. توجد فرصة ضئيلة للغاية لأن يخطئا هدفهما حين أقوم بحركتي، أو أن يخشيا ارتداد رصاصة تصيب أحدهماً ليطلقا النار في المقام الأول.
راقب إصبعها، لحظة شروعها في الضغط، سأثب للأمام، وأدفعها لتكون درعاً بيني وبين الحارس، وأستخدم سلاحها لإطلاق النار على الحراس. لست متأكدًا مما سيلي تلك الخططة، لكن يمكنني ابتكارها أثناء السير. تبتسم المرأة بخبث وتُخفض مطرقة مسدسها بلطف. تهز رأسها بخفة لنفسها، وتعيد سلاحها إلى غفده.
"اتبعني إلى زنزانتك".
ما الذي حدث للتو؟ أكان اختباراً آخر فحسب؟ لا يهم، فأنا بحاجة لتركيز كل انتباهي على اتباعها، والتأكد من تطابق مشيتي تماماً مع تلك التي مشيتها خلفها للمرة الأولى. تقودني مجدداً إلى داخل السجن، وتتجه بي نحو زنزانتي. أنال أخيراً لمحة عن كاسي، جالسة على مقعد وتعبث بملعقة تقلبها في الهواء. ما إن تلتقي عيناها بعينيَّ، حتى يذوب التوتر بأسره من جسدها. تحاول الحفاظ على جمود ملامح وجهها، لكن زاكتي فمها ترتجفان لتؤسسا ابتسامة طفيفة.
تفتح المرأة باب زنزانتي، فأخطو للداخل وأستلقي في المنتصف تماماً. أنا في المكان ذاته الذي كنت فيه أول مرة، وآمل أن أبدو كأنني في حالة طاقة منخفضة من نوع ما. أركز على سمعي بينما أنتظر. أسمع المرأة تخطو بضع خطوات إلى الجانب، لتستقر مباشرة أمام زنزانة كاسي.
تسأل المرأة داخل زنزانة كاسي: "أتناولتِ الغداء؟".
تجيب: "نجل".
"حسناً، جيد".
أسمع انزلاق باب الزنزانة.
"ارمِ إليّ بملعقتك لنبدأ".
بعد ثوانٍ معدودة أسمع المرأة تبتعد، وخطواتها أثقل مما كانت عليه قبل لحظة فحسب. آمل حقاً ألا تُضطر كاسي للخضوع لاستجواب طويل كالذي مررت به. لا أظن أن لديها مزيداً من الأسئلة لتطرحها، سوى التأكد من تطابق إجاباتنا. لا شيء يمكنني فعله سوى الانتظار. أُحدق في السقف، ويُحدق بي بدوره. تبدأ الحركة بالزحف إلى حافة رؤيوتي، لكنها تتلاشى حين يحاول عقلي إدراكها. تشرع أصابع مظلمة بالتسرب من الشقوق، باحثة عن موطئ قدم.
تتشبث بالسقف، ساحبة معها بقية أيديها وأذرعتها. ويُسحب وجه عبر الشق. شيء منهار ومشوّه مرقش بزجاج متألق. تمد نحو نحو، وتتطاير الظلال قطرات من أصابعها. يتناثر سائل داكن بجانب رأسي. يتجمع خلفي، مولداً فراغاً يهدد رأسي بالسقوط متراجعاً داخله. يمتد البركة النامية متخطية رقبتي، لتزحف ببطء على طول ظهري. أشرع في الميل للخلف عبر الحافة. لا أستطيع مقاومة هذا الآن. أترك جسدي يرتخي وأسقط، دافعاً الفراغ لابتلاعي.
يتلاشى السقف، متحولاً بسرعة من عالمي بأكمله إلى بقعة متلاشية ألمحها عرضاً وأنا أدور عبر الأبدية. تسبح حولنا كائنات ليفياثان ضخمة، وهي مخلوقات هائلة تتألف من مشاعر خالصة. إنها تبحث عن شيء ما، وأعلم تماماً أنه أنا. يتدفق النور من جسدي، غامراً الفراغ بخوف بدائي. إنه يهدد بتمزقي، بإغراقي. يلتفت أحد كائنات الليفياثان نحوي، مشدوداً إلى النور. يمتص المشاعر التي أبثها في الفراغ، ليزداد ضخامة وتتزايد سرعته تدريجياً مع كل لحظة.
لا أستطيع السماح له بإيجادي. لا يمكنني السماح لنفسي بالتفاعل، لا أستطيع السماح لنفسي بالتحرك، لا أستطيع السماح لنفسي بالصراخ، لا أستطيع السماح لنفسي بالتفكير. عليّ فقط النجاة، من أجل كاسي وكوراكس. فهما الشيء الوحيد الذي يهم. يخفت النور، ويهدأ خوفي إلى حد محتمل معه. وما زال الليفياثان يتحرك عبر الفراغ بسرعة تفوق ما سبق، زاحفاً نحو اتجاهي العام. لا أود حتى تخيل ما سيحدث إن عثر عليَّ أحدهم.
لا، هذا ليس صحيحاً، لا يمكنني السماح لنفسي بتخيل ذلك. سيمنح هذا وقوداً فحسب لمشاعر أخرى لتكبر. تتلوى كائنات الليفياثان حولي. يقترب أحدها، غامراً جوهر عقلي بالغضب. أحاول حتى ألا أقر بوجوده، فيسبح مبتعداً في النهاية. ويمر بي آخر، ليثقل كاهلي حزن العالم وكل ما ارتكبته. أجلس لأبديات، وممشاعري محكومة بمخلوقات يعجز عقلي عن استيعابها. تندفع منصة صغيرة من الفراغ لتلاقيني. أسقط عبر الشق في السقف، لأهبط بعنف على أرضية زنزانتي.
وما زال العالم المحيط بمنصتي الصغيرة يمثل الفراغ، بينما تواصل كائنات الليفياثان تفتيشها الأبدي عن طريدتها. تخطو كاسي إلى داخل منصتي الصغيرة، مادّة يدها. إنها بخير. يغمرني إحساس بالسكينة. أقبض على يدها وأقف. تشدني للأمام، فأتعثر خلفها. وتتحرك المنصة الصغيرة تحت قدميَّ معي. أخطو عبر الخطوط الباهتة لباب. تقودني عبر المداخل، وخلال ممرات ضيقة، وتدفعني للتعثر على السلالم، ثم تتوقف أخيراً.
يبدأ الفراغ من حولي بالتلاشي، رغم أنني ما زلت أشعر بالمخلوقات تنتظر فرصتها لافتراسي. تحل غرفة محل السواد الحالك اللانهائي. تجلس كاسي على سرير، وقد عادت أطرافها الروبوتية إلى شكلها المكسور. تحدق بي، ليعلو القلق في عينيها الزمرديتين. ولا تزال يدها الوحيدة العاملة مقبوضة بإحكام في يدري. رغم أنني أرخي قبضتي، أشعر بالقلق من أنها ستتلاشى ثانية إن أفلتُّها.
تسأل: "أنت عُدتَ؟".
أومئ برأسي بارتجاف وأتلفح بالغرفة نظراتي. إنها مجرد غرفة نوم صغييرة، ولا تضم سوى اثنيننا. تتكدس كل مؤننا في الزاوية، ويستقر كوراكس المعطل بأمان فوقها كلها. الغرفة صغيرة بالقدر الذي يمكنني من حمله وضمه إلى صدري دون إفلات يد كاسي.
أسأل بصوت خفيض: "أحن لوحدنا؟".
صوتي محمل بالمشاعر لدرجة أنه يقطر شبه مادي من فمي، غارقاً في الإبهام التام.
تقول كاسي بألطف ما تستطيع: "لدينا غرفة النوم هذه لأنفسنا حتى ينجلي الإعصار".
أتخمن أنها تستطيع فهمي بطريقة ما.
"حسنًا".
تقترب كائنات الليفياثان أكثر فأكثر.
"أتسنى لي البكاء على صدرك؟".
بدلاً من الرد، تنسل من قبضتي للحظة واحدة فحسب. تتراجع للخوار، قبل أن تعاود الإمساك بيدي بسرعة بالغة. تجذبني نحوه فأهوي واقعاً على السرير.
تقول: "تعال إلى هنا".
أزحف مقترباً من كاسي، مسحوباً بفعلتها. أنهار فوقها، دافناً وجهي في بطنها. تفلت يدي وتلف ذراعها بإحكام حول جسدي. أبدأ في البكاء أخيراً.