رَوان لَوَّحَ العَجوز هِسِر لِرَوان حين مرّ الثلاثة به.
"أَنُريدُ شايًا في مَقْهى دِيكَاتُور قَبْلَ الذّهابِ إلى مَحَلِّ الحَبّات؟"
سَأَلَ آش. أومَأَت لَافِينْيا.
"لَمْ أَزُرْهُ مُنْذُ مُدَّة. سَمِعْتُ أَنَّ لَدَيْهِمْ شُحْنَةً جَدِيدَةً مِنْ بَتَلَاتِ أَزْهَارِ الكِرَزِ القَرِيبَةِ مِنْ مَدِينَةِ المَنَصَّةِ."
"أَلَيْسَ هُناكَ مَكَانٌ آخَرُ نَشْرَبُ فيهِ الشَّاي؟"
تَذَمَّرَ رَوان بِسُخْط. أَبْسَطُ ما يُرِيدُهُ هوَ مَنْحُ عَائِلَةِ دَامْيُون دِيكَاتُور زَبُونًا مِثْلَهُ. كَمَا أَنَّهُ لَوْ رَآهُ أَحَدٌ هُنَاكَ وَنَقَلَ الخَبَرَ إلى دَامْيُون، لَسَمِعَ ما لَا يُرْضِيهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ. *لَمْ تَقْوَ عَلى مُقَاوَمَةِ مَكَانِ عَائِلَتِي، أَلَيْسَ كَذَلِكَ يا هِلْسِينغ؟ بالطَّبْعِ، حَتَّى أنتَ تَعْلَمُ أَنَّنا الأَفْضَلُ بَيْنَ الأَفْضَل.* تَرَدَّدَتْ ضَحِكَاتُ دَامْيُون المَغْرُورَةُ في دَاخِلِ عَقْلِهِ.
عَبَسَ آش في وَجْهِ رَوان.
"سَأَبْقى في المَدِينَةِ لِبِضْعَةِ أَسَابِيعَ فَقَط. وَأَرُغَبُ في زِيَارَةِ خَالِي."
تَنَهَّدَ رَوان.
"حَسَنًا."
كَانَ مَقْهَى دِيكَاتُور مَكَانًا مُتَوَاضِعًا يَرْتَفِعُ طَابِقَيْنِ وَتَكْثُرُ فِيهِ النَّوَافِذُ. بَدَا الطِّوبُ الأَحْمَرُ العَمِيقُ أَنِيقًا، وَتَمَتَّعَ سَقْفُ الفَخَّارِ بِلَوْنٍ بُنِّيٍّ غَامِقٍ ذِي ذَوْقٍ رَفِيعٍ. وَارْتَفَعَ بُرْجٌ صَغِيرٌ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَبِجَانِبِهِ يَخْفِقُ عَلَمُ الجَبَلِ الصَّالِحِ بِفَرَحٍ في الرِّيحِ. كَانَ البَابُ مَفْتُوحًا، وَعَرَضَتْ لَوْحَةٌ بِمُسْتَوَى الخَصْرِ الخَلِيطَ الخَاصَّ بِاليَوْمِ.
بَدَا المَقْهَى مِنْ الدَّاخِلِ مُظْلِمًا وَبَارِدًا، وَتَخَلَّلَ الهَوَاءَ عِطْرُ خَشَبِ الصَّنْدَلِ.
"أَهْلًا بِكُمْ في مَقْهَى دِيكَاتُور،"
قالَتْ المُمَضِّفَةُ بِابْتِسَامَةٍ مُؤَدَّبَةٍ.
"هَلْ تَعْلَمُونَ أَيْنَ تُرِيدُونَ الجُلُوس؟"
كَانَ رَوان عَلى وَشْكِ فَتْحِ فَمِهِ لِاقْتِرَاحِ طَاوِلَةٍ بِجَانِبِ نَافِذَةٍ، لِلِاحْتِيَاطِ فَقَطْ إنِ احْتَاجَ إلى القَفْزِ مِنْهَا في حَالِ رَؤْيَةِ دَامْيُون دِيكَاتُور، لَكِنَّ آش مَنَحَ المُمَضِّفَةَ ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً مُتَلَأْلِئَةً وَتَكَلَّمَ أَوَّلاً.
"يَكْفِينَا أَحَدُ غُرَفِ التِّنِّينِ الأَسْوَدِ."
اِتَّسَعَتْ ابْتِسَامَةُ المُمَضِّفَةِ لِلَحْظَةٍ.
"بِالطَّبْعِ، تَعَالَوْا مَعِي... السَّيِّدُ الشَّابُ آش."
قَادَتْ الثَّلَاثَةَ عَلى دَرَجَاتٍ صَاعِدَةٍ حَتَّى وَصَلَتْ إلى إِحْدَى غُرَفِ التِّنِّينِ الأَسْوَدِ. كَانَتْ غُرْفَةُ الشَّايِ صَغِيرَةً - بَلْ كَادَتْ تَكُونُ ضَيِّقَةً - وَسُدَاسِيَّةَ الشَّكْلِ. طُلِيَتِ الجُدْرَانُ بِلَوْنٍ بُنِّيٍّ غَامِقٍ عَمِيقٍ، وَزُخْرِفَتِ الحَوَافُ بِطَبَقَةٍ مَذْهَبَةٍ. وَانْدَمَجَ مِصْرَاعٌ في الطَّاوِلَةِ. اسْتَطَاعَ رَوان سَمَاعَ طَطَأَةِ الآلَاتِ تَعْمَلُ دَاخِلَ الجُدْرَانِ - عَجَالَاتٌ تَدُورُ بَعْضُهَا عَلى بَعْضٍ، وَأَشْيَاءُ تَئِنُّ وَتَطِنُّ، وَرَوَافِعُ تَنْفَكُّ مَعَ هَسِيسِ البُخَارِ.
جَلَسُوا، وَنَاوَلَتْهُمُ المُمَضِّفَةُ مَجْمُوعَةً مِنَ القَوَائِمِ.
"اطْلُبُوا مَا تُرِيدُونَ،"
هَمَسَ آش بِصَوْتٍ عَالٍ.
"عَلى حِسَابِ المَكَانِ. كُلُّ مَا يُمْكِنُكُمْ أَخْذُهُ مِنْ قَائِمَةِ التَّذَوْقِ، عَلى الأَقَلِّ."
"يُعْطِي مَقْهَى دِيكَاتُور أَوْلَوِيَّةً قُصْوَى لِلتَّكَتُّمِ،"
قالَتْ المُمَضِّفَةُ بِابْتِسَامَةٍ مُتَمَرِّسَةٍ.
"الجُدْرَانُ عَازِلَةٌ لِلصَّوْتِ، وَالبَابُ لَا يَنْفَتِحُ إِلَّا مِنَ الدَّاخِلِ. سَيُؤَدِّي عُمَّالُ الخِدْمَةِ لَدَيْنَا هَذِهِ الطَّرْقَاتِ لِإِعْلَامِكُمْ بِوُجُودِنَا بِالخَارِجِ."
أَرَتْهُم سِلْسِلَةَ الطَّرْقَاتِ تِلْكَ. ثُمَّ أَغْلَقَتْ بَابَ الغُرْفَةِ بِهُدُوءٍ. كَانَتْ لَافِينْيا الأَوْلَى فِي اخْتِيَارِ مَا تُرِيدُهُ مِنَ القَائِمَةِ.
"شَايُ أُولُونْغ بِأَزْهَارِ الكِرَزِ!"
حَرَمَتْ لَافِينْيا أَمْرَهَا فَوْرًا.
"مَعَ مُكَعَّبَاتِ السُّكَّرِ المُتَمَسِّكِ بِالجَوَانِبِ، بِنَكَهَاتٍ ثَلَاثٍ: الكِرَزِ، وَزَهْرِ العَسَلِ، وَمَرْزِبَانِ اللَّيْمُونِ."
تَجَافَى رَوان مِنْ مَدَى حَلَاوَةِ مَا سَمِعَهُ. بَعْدَ إلقَاءِ نَظْرَةٍ سَرِيعَةٍ عَلى القَائِمَةِ، قَرَّرَ أَلَّا يُثْقِلَ كَاهِلَ آش كَثِيرًا.
"سَأَخْذُ شَايَ الأَخْضَرَ لِهَذَا الرَّبِيعِ. اليَاسَمِينَ."
أومَأَ آش.
"في الحَقِيقَةِ، طَلَبُ لَافِينْيا يَبْدُو جَيِّدًا جِدًّا. سَأَخْذُ وَاحِدًا مِثْلَهُ أَيْضًا."
حَدَّقَ رَوان إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ قَائِمَتِهِ. حِين أَدَّتْ إِحْدَى الخَادِمَاتِ سِلْسِلَةَ الطَّرْقَاتِ عَلى البَابِ، انْحَنى آش فَوْقَ حِجْرِ لَافِينْيا لِيَفْتَحَ بَابَ الغُرْفَةِ. وَقَفَتْ امْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ مَعَ دَفْتَرِ مُلَاحَظَاتٍ عِنْدَ العَتَبَةِ، وَتَتَلَأْلَأُ عَيْنَاهَا فَرَحًا. كَانَ شَعْرُهَا طَوِيلًا وَأَسْوَدَ سِوَى خُصْلَةٍ بَيْضَاءَ وَاحِدَةٍ، وَارْتَدَتْ قُبَّعَةً كَبِيرَةً مُرَكَّشَةً عُلِّقَ عَلَيْهَا طَائِرُ رَفْرَافٍ أَزْرَقُ سَاطِعُ مَحْنُوطٌ، مَعَ امْتِدَادِ جَنَاحَيْهِ لِمُحَاكَاةِ الطَّيَرَانِ.
"الخَالَةُ أُولِمْبِيَا!"
صَرَخَ آش. ثُمَّ تَعَثَّرَ في وُقُوفِهِ، دَافِعًا كُرْسِيَّهُ بَعِيدًا لِيَعْتَنِقَهَا. أَجْبَرَ رَوان نَفْسَهُ عَلى الِابْتِسَامِ. كَانَتْ هَذِهِ وَالِدَةَ دَامْيُون. وَلِلْأَسَفِ، لَمْ تَكُنْ يَوْمًا سِوَى مُؤَدَّبَةٍ مَعَهُ. وَقَفَ كُلٌّ مِنْ رَوان وَلَافِينْيا، مُحَيِّيَيْنِ إيَّاهَا بِلَاقَةٍ أَيْضًا.
"كُنْتُ أَتَمَنَّى لَوْ جِئْتُمْ لِتُرَوْنَا، يا آش."
"الخَالَةُ أُولِمْبِيَا!"
تَمَمْتَ آش، في كِتِفِ المَرْأَةِ.
"لَقَدْ مَضَتْ سِنُونَ كَثِيرَةٌ."
كَانَ آش دَائِمًا المُفَضَّلَ لَدَى جَمِيعِ الشُّيُوخِ. بَدَا الجَمِيعُ سُعَدَاءَ جِدًّا بِرُؤْيَتِهِ.
"لَقَدْ أَحْضَرْتَ مَعَكَ رَوان الشَّابَّ، وَ-"
نَظَرَتْ إلى الفَتَاةِ.
"لَافِينْيا بُرُوشَار، يا سَيِّدَتِي،"
قالتْ لَافِينْيا بِانْحِنَاءَةٍ خَفِيفَةٍ. التَفَتَتْ أُولِمْبِيَا دِيكَاتُور إِلى رَوان بِعَيْنَيْنِ مُرْتَفِعَتَيْنِ.
"هَلْ يُعِدُّكُما ذَلِكَ الكَسُولُ مِيكَايِل مُولْكِين جَيِّدًا أَنْتَ وَدَامْيُون لِلْمُؤْتَمَرِ، يا رَوان؟"
سَأَلَتْ.
"لَقَدْ كَانَ ابْنِي كَثِيمَ الصَّمْتِ حَوْلَ هَذَا الأَمْرِ تَمَامًا."
كَانَتْ هُنَاكَ كَلِمَاتٌ فِي لُغَتِهِمْ يُمْكِنُ اسْتِخْدَامُهَا لِوَصْفِ دَامْيُون دِيكَاتُور، لَكِنَّ «كَثِيمَ الصَّمْتِ»
لَمْ تَكُنْ بِمُؤَكَّدٍ وَاحِدَةً مِنْهَا.
"لَقَدْ كَانَ يُعَلِّمُنَا الكَثِيرَ، يا سَيِّدَتِي،"
قالَ رَوان. فِي الحَقِيقَةِ، لَمْ يَكُنِ التَّعْلِيمُ كَثِيرًا إلى تِلْكَ الدَّرَجَةِ، لَكِنَّ الأَخَ الأكبرَ مِيكَايِلَ كَانَ يَقْضِي وَقْتًا طَوِيلًا حَوْلَهُمْ عَلى الأَقَلِّ. أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ، لَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا.
"مُسَاعَدَتَنَا عَلى صَقْلِ مَهَارَاتِنَا وَتَوْجِيهِنَا فِي التَّطْبِيقَاتِ العَمَلِيَّةِ بَدَلَ إلقَاءِ مُحَاضَرَاتٍ فِي النَّظَرِيَّةِ وَإِجْبَارِنَا عَلى حِفْظِ المَقَاطِعِ."
أومَأَتِ السَّيِّدَةُ أُولِمْبِيَا بِحِكْمَةٍ.
"لَمْ أَكُنْ أَنَا نَفْسِي أَمِيلُ كَثِيرًا إِلَى الاسْتِزْرَاعِ، لَكِنَّ أَفْضَلَ المُسْتَزْرِعِينَ الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ، مِثْلَ أُخْتِي الكُبْرَى أُورَانْيَا، كَانُوا يَسْتَمْتِعُونَ دَائِمًا بِالنَّظَرِيَّاتِ."
بَيْنَمَا تَحَدَّثَتِ المَرْأَةُ بِتَوَاضُعٍ عَنْ نَفْسِهَا، بَقِيَتْ مَعَ ذَلِكَ فِي قِمَّةِ تَكْثِيفِ التشِي. بِمُوَازَاةِ أَشْخَاصٍ مِثْلِ العَمِّ بَايِل، وَبُودِلَيْنِ فْرُوس، وَالتَّلَامِيذِ الأَسَاسِيِّينَ لِطَائِفَةِ الجَبَلِ الصَّالِحِ. أَمَّا أُورَانْيَا دِيكَاتُور، فَقَدْ كَانَتْ مَخْلُوقًا آخَرَ تَمَامًا. كَانَتْ مِثْلَ بَايْرُس هِلْسِينغ، وَالِدِ رَوان - عَبْقَرِيَّةً.
كُلُّ مَا عَرَفَهُ رَوان أَنَّ السَّيِّدَةَ أُورَانْيَا تَعِيشُ الآنَ فِي مَلْتَقَى الأَنْهَارِ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّائِعَاتُ دَقِيقَةً، فَقَدْ أَصْبَحَتْ رَفِيقَةَ الدَّاوِ لِأَحَدِ أُمَرَاءِ الإمْبِرَاطُورِيَّةِ. أَنْجَبَ الخَطُّ الرَّئِيسِيُّ لِعَائِلَةِ دِيكَاتُور ثَلَاثَ بَنَاتٍ. أُورَانْيَا دِيكَاتُور، العَبْقَرِيَّةَ. أُولِمْبِيَا دِيكَاتُور، الزَّوْجَةَ المَوْهُوبَةَ لِرَئِيسِ العَائِلَةِ.
وَأَخِيرًا، أُودِيسَّا دِيكَاتُور، وَالِدَةَ آش، الَّتِي لَمْ تَتَجَاوَزْ مَرْحَلَةَ تَبْلُورِ التشِي المُبَكِّرَةَ أَبَدًا، وَتَزَوَّجَتْ فِي عَائِلَةِ هِلْسِينغ كَسُرِّيَّةٍ أُولى لِلْعَمِّ بَايِل. كَانَتْ هُنَاكَ جِرَاحٌ قَدِيمَةٌ هُنَا لَا يُرِيدُ أَحَدٌ إثَارَتَهَا. كَانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَايْرُس هِلْسِينغ أُورَانْيَا دِيكَاتُور ذَاتَ يَوْمٍ.
لَكِنَّ رَوان لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ شَيْئًا عَنِ التَّفَاصِيلِ. وَلَوْ عَلِمَ، لَتَظَاهَرَ بِعَمَاهُ عَنْهَا.
"لِمَ لَا تُخْبِرُونِي أَنْتُمَا الصِّغَارُ بِمَا تُرِيدُونَ؟ سَأَحْمِلُ طِلْبَاتِكُم إِلَى مُعَلِّمِ الشَّايِ،"
قالَتِ السَّيِّدَةُ أُولِمْبِيَا.
"وِعَاءَانِ مِنْ شَايِ أُولُونْغ بِأَزْهَارِ الكِرَزِ،"
قالَ آش فَوْرًا، طَالِبًا لِافِينْيا أَيْضًا.
حَدَّقَتْ بِهِ الفَتَاةُ بِغَضَبٍ، فَأَضَافَ: "مَعَ الكِرَزِ وَزَهْرِ العَسَلِ وَمَرْزِبَانِ اللَّيْمُونِ أَيْضًا."
"عَيِّنَةُ مُحَلِّي القَارَّاتِ اخْتِيَارٌ رَائِعٌ!"
قالتِ السَّيِّدَةُ أُولِمْبِيَا.
"لَقَدْ قَضَيْنَا أَشْهُرًا فِي تَحْسِينِ مُكَعَّبَاتِ سُكَّرِ مَرْزِبَانِ اللَّيْمُونِ لَدَيْنَا. أَتَمَنَّى حَقًّا أَنْ تَسْتَمْتِعُوا بِوَصْفَتِي."
"الشَّايُ الأَخْضَرُ بِاليَاسَمِينِ لِهَذَا الرَّبِيعِ،"
قالَ رَوان.
"بَارِدًا إِنْ وُجِدَ عِنْدَكُمْ."
تَظَاهَرَتِ السَّيِّدَةُ أُولِمْبِيَا بِالإسَاءَةِ.
"بِالطَّبْعِ لَدَيْنَا. أَتُرِيدُهُ بِمُكَعَّبَاتِ الثَّلْجِ أَمْ مُبَرَّدًا؟"
"مُبَرَّدًا،"
قالَ رَوان. ابْتَسَمَتِ المَرْأَةُ.
"سَيَصِلُ شَايُكُمْ في أَوَّلِ فُرْصَةٍ مُمْكِنَةٍ. تَابِعُوا تَصَفُّحَ القَائِمَةِ مِنْ فَضْلِكُمْ."
غَادَرَتْ مَعَ ابْتِسَامَةٍ أَخِيرَةٍ وَإِحْنَاءَةِ رَأْسٍ لِآش. انْغَلَقَ البَابُ.
"هَلْ زَارَ أَحَدُكُمَا غُرْفَةَ تِنِّينٍ أَسْوَدَ مِنْ قَبْلُ؟"
سَأَلَ آش، بَعْدَ أَنْ غَادَرَتِ السَّيِّدَةُ أُولِمْبِيَا. لَمْ يَفْعَلْ أَيٌّ مِنْهُمَا. ابْتَسَمَ آش.
"أَلْقِ نَظْرَةً أُخْرَى عَلى قَوَائِمِكُمْ."
نَظَرَ رَوان إِلى الكُتَيِّبِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى. اِخْتَفَتْ كُلُّ خِيَارَاتِ الشَّايِ وَالوَجَبَاتِ الخَفِيفَةِ، وَحَلَّتْ مَحَلَّهَا أَشْيَاءُ جَدِيدَةٌ لِلشِّرَاءِ. المَعْلُومَاتُ. قَضَايَا اليَوْمِ إمْبِرَاطُورِيَّةُ التِّنِّينَيْنِ التَّوْأَمَيْنِ: الأَخْبَارُ الإمْبِرَاطُورِيَّةُ التِّجَارَةُ القَارِّيَّةُ مَحْكَمَةُ الدَّاوِ وَخَزَانَةُ الدَّوْلَةِ
جبل الاستقامة: أخبار طائفة جبل الاستقامة مؤتمر الوئام الأرضي العائلات النبيلة الأربع تشريعات المدينة والمكاتب الإدارية قافلة ومعرض البخور الذهبي العائلات البارزة ذات الشأن جداول المواعيد الشحن الأعمال التجارية الطقس والعلامات الفلكية مخطط التنجيم المحلي اليومي سوق الزواج والآفاق الجديدة (مجاناً!) *معلومات أخرى متوفرة عند الطلب قلّب كتيب القائمة. توسعت كل صفحة في شرح العناصر الواردة في الفهرس — بما يكفي لدفع الزبائن إلى شراء المزيد.
"يبدو أن ضريبة ثمار الطاقة حقاً قيد التطبيق"، قالت لافينيا وبدت عليها مسحة قلق.
"لقد مرّر المستشار الأعلى القرار رغم عرقلة الأحزاب الثلاثة. التفاصيل الأخرى مقومة بالتايل. هل يهتم أي منكما بشراء هذه المعلومات أم أنا وحدي؟ كيف يشتري المرء معلومات على أي حال؟"
"الأمر في غاية البساطة. تأمل الطاولة"، قال آش وهو ينقر بإصبعه بوضوح على خشب الأرز الصلب.
صدر عنه صدى أجوف تقريباً.
"هذه الطاولات مصممة خصيصاً لنقل رسائلك إلى شخص قادر على معالجتها. بيت شاي ديكاتور هو وسيط المعلومات الأبرز في مختلف أنحاء إمبراطورية التنينين".
دفع آش لوحة لم يلاحظها روان من قبل فانفتحت. برزت علبة لفافة نحاسية صغيرة كأنها مثبتة على نابض.
"تكتب رسالتك وتضعها في علبة اللفافة، ثم تلقيها في المزلق".
أشار آش إلى مزلق مخفي بعناية على الطاولة. كان روان قد لاحظه من قبل، لكنه بات يعرف ماهيته الآن.
"أين نكتب الرسائل؟"
سأل روان.
"إن كنت ترغب في التقليد، فعلى الشاي ومناديل الطاولة"، قال آش.
"ولكن ثمة ورق وأقلام ريشة في مكان ما هنا أيضاً. دعني أتحقق".
شرع آش في الضغط على لوحات مختلفة في الطاولة ففتحت. احتوى بعضها على لوازم الشاي، مثل أكياس عسل دبور الخشب خماسي الأجنحة أو مسحوق حليب عنزرة ذات القرنين. واحتوت أخرى على أشياء غريبة مثل دبوس شعر نسائي، أو راتنج لآلة وترية. في بعض الأحيان، كان آش يغلق لوحة ثم يعيد فتحها فيختلف ما بداخلها. وبينما كان يعبث بالطاولة، طرق أحدهم كلمة السر على الباب، فأدخلهما روان. دخلت المضيفة التي سبقت وقدمت طقم شاي عليه إبريقان متصاعدان البخار وكأس أكبر حجماً تغطى الخزف فيها بطبقة صقيع وعلقت على سطحها قطرات ثلج.
وضعت الصينية على الطاولة وغادرت مع انحناءة. وأخيراً، انفتح درج ظهرت فيه ريشة كتابة وكتلة حبر ذات تجويف عميق في المنتصف. صبّ آش رشفة شاي في المنخفض بكتلة الحبر فامتزجت فوراً لتشكل حبراً سميكاً داكناً.
"سنكتفي بالمناديل"، قال آش واضعاً كتلة الحبر على الطاولة.
"من يود البدء؟"
توقفا لحظة.
"كم تبلغ تكلفة معلومات سياسة الضرائب عادة؟"
سألته لافينيا. هزّ آش كتفيه.
"ليست لدي فكرة. بضع تايلات على الأرجح. يمكنك وضع الدفع في الأنابيب، أو سيضيفونه إلى الفاتورة في النهاية".
"وكم تكلفة أمر أكثر شخصية؟"
تساءلت لافينيا وهي تعبث بمنديل. هزّ آش رأسه.
"يختلف الأمر بحسب كل حالة. كلما كانت المعلومات أكثر خصوصية ارتفعت تكلفتها. بالطبع، هناك أشخاص لن يمنحك بيت الشاي أي معلومات عنها على الإطلاق. تخيل محاولة الحصول على معلومات عن ابن العم ديميون من بيت شاي جبل الاستقامة أو ما شابه. هذا لن يحدث أبداً".
"حسناً... لدي سؤال"، حسمت لافينيا أمرها.
دونت شيئاً بسرعة على أحد المناديل، وطوته، ولّفته وحشرته داخل علبة اللفافة النحاسية. أُدخل الجسم الاسطواني في المزلق. سحبت الذراع فانطلق نحو الأسفل بصوت فحيح. بعد لحظات، عادت العلبة للاعتلاء بصوت قرع، فالتقطتها لافينيا بشغف. فتحتها وبدت على وجهها علامات العبوس.
"يقول إن رصيدي غير كافٍ".
"هذا يعني أنك تسألين عن معلومات سرية. إما أن ندفع المزيد، وإما أن نقدم معلومات مكافئة"، قال آش.
"عَمَّ كنت تسألين؟"
احمرّ وجه لافينيا.
"سألت عن روان".
حدق فيها روان بملامح جامدة.
"ألا تريد أن تعرف ما يرونه فيك؟"
ألحّت عليه. ساد صمت محرج.
"سأستخدم دورة المياه"، قالت لافينيا وهي تنهض للمغادرة.
"سأعود حالاً".
انغلق الباب بصوت نقرة.
"إنهم حقاً يصنعون الأفضل في جبل الاستقامة، أليس كذلك؟"
همس آش.
"إنها إحدى أجمال الفتيات اللاتي رأيتهن قط. أنا أتفهم تماماً لماذا قتلت خطيبها مقابل الظفر بيدها".
"لم يحدث الأمر هكذا"، قال روان الذي لمש يكن لديه أدنى فكرة عن المكان الذي سمع فيه آش ذلك.
"فضلاً عن ذلك، ليس لدي أي اهتمام بلافينيا".
حدق فيه آش كأنه مجنون.
"ولماذا لا؟"
"متاعب أكثر من اللازم"، تمتم.
بعد كل شيء، لم يكن مهتماً بلافينيا أصلاً، وكاد يقتل في مبارزة مع تلميذ داخلي بسببها.
"إن كنت معجباً بها إلى هذا الحد، فلماذا لا تطلب خطبتها؟"
تلعثم الرجل.
"ولا حتى في مليون عام. انظر، إنها جميلة، لكنها سليطة اللسان جداً"، تذمر آش.
"من يستطيع تحمل شخص يثرثر في أذنه طوال الوقت؟"
"ماذا، شخص مثلك؟"
سخر آش.
"لست بهذا السوء".
اختار روان عمداً ألا يذكر أن لافينيا على الأقل لا تمتم بالشعر تحت بصرها وعن غير وعي. فجأة، اتقدت عينا آش.
"هيه، أتريد أن تسأل بيت الشاي عن تلك الفتاة الغامضة التي تقابلتها في مرسى الحوت العميق؟ بدا أنك معجب بها بما يكفي".
سرت صاعقة من القلق في أوصال روان. لم يكن ليستطيع التفكير في فكرة أسوأ من هذه. فذكر اسم بيلاكانيكوس سيعجّل بقدوم محكمة الداو إلى بابه قبل ظهر اليوم. أشاح بوجهه، كابحاً معدل ضربات قلبه المتسارع.
"لا شأن لي بالرومانسية الآن"، قال.
"ولا جدوى من ذلك. ستجد العائلة شخصاً مناسباً لي".
على الأقل، كان يأمل ذلك. لكان قد وثق في أن يتخذ البطريرك يارو القرار، لكن الشيخ كان في خلوة تأمل. أما إن كان الخيار بيد العم باعل، أو أعمامه الأكبر سناً...
"نعم. لقد أقيم استعراض لمدينتك بأكملها لأجلك. أنت سلعة ساخنة. أراهن..."
قلّب آش القائمة، قبل أن يشير منتصراً.
"عرفت. كنت محقاً. انظر. أنت مدرج في المرتبة الأولى ضمن قسم سوق الزواج والآفاق الجديدة".
انتزع روان القائمة من يده، عاجزاً عن تصديق عينيه. في الصدارة تماماً جاء روان من آل هيلسنغ. لقد تفوق حتى على التلامذة الأساسيين مثل ميكائيل مولكين وابن ديكيتر الوارث داميون. تساءل عن مدى فظاظة انتزاع هذه الصفحة من القائمة وتأطيرها في غرفته. قبل بضعة أسابيع، ربما لم يكن روان ليظهر على هذه القائمة أصلاً. ها هو الآن في القمة تماماً. ليس في القمة فحسب، بل المركز الأول.
العازب الأكثر مرغوبية في الجبل الصالح.
قال آش: "على أي حال، عَمَّ تريد أن تسأل، يا روان؟ أشيءٌ عن البطولات؟ أم شخصية مريبة في حياتك؟"
فكّر روان ثانيةً قبل أن تلوح في ذهنه فكرة.