قال شو يان وهو يراقب من فوق شجرة في البعيد: — يبدو أنه نوع من الأسواق. وقالت شياورونغ: — ممارس في رتبة التأسيس. وقال شو يان: — أجل، أكاد أشعر به أيضاً. وكان تفويت الأمر متعذراً. ولعلّ ممارس التأسيس في السوق كان يعرض هالته متعمداً. والأرجح لردع أي شخص عن إثارة المتاعب. ومضت ثلاثة أيام منذ تعرض شو يان للهجوم من الممارسين الاثنين، وها هما أخيراً يصادفان بعض معالم الحضارة.
وكان متلهفاً بالطبع للذهاب إلى هناك ومعرفة بعض المعلومات، غير أن ممارس التأسيس جعله حذراً بعض الشيء. وسأل شو يان: — برأيك، ما مدى قوته؟ وأجابت شياورونغ بثقة: — ضعيف. وقال شو يان: — حسنٌ، لئلا نفرط في الثقة.
"هل أذهب إلى هناك؟ لست ممن يستطيعون تفادي ممارسي التأسيس للأبد."
"أجل. لنلقِ نظرة. وحتى لو اكتُشفت قوتي، فلا ينبغي أن أتعرض للهجوم بلا سبب، أليس كذلك؟"
وبعد مراقبة المكان لفترة، أيقن شو يان تماماً أنه نوع من أسواق الممارسين، ولم يتبين أن أحداً يتعرض للاستجواب أو ما شابه عند دخوله. وبدا المكان هادئاً إلى حد ما.
"إن أرادوا استقطاب الممارسين، فعليهم كفالة سلامة الجميع. وأشك في وقوع أي متاعب إن التزمت جانب الخفاء."
وسأل شو يان: — أَتظنين أن بمقدورك التخفي عن ذلك الممارس في رتبة التأسيس؟ وأجابت شياورونغ بثقة: — نعم. وسأل شو يان: — أمتأكدة أنتِ؟ ألا ترين أن لديهم طريقة ما لرصد الوحوش؟ وماذا لو امتلك صفة شبيهة بصفاتي؟ وأجابت: — مستبعد. وقال شو يان: — حسناً. وقفز من فوق الشجرة. وغادرته شياورونغ بغتة، فالتفت شو يان يبحث عنها. وسأل شو يان عاجزاً عن لمحه: — شياورونغ؟ وأجابت من مكان خفي: — مختبئة.
وأومأ شو يان: — حقاً. ولم يكن يتبين شياورونغ بيسر إن هي بالغت في التخفي، إلا أن يُفعّل مهارة خط الدم. وتحرك شو يان نحو البوابات المفضية إلى السوق. وبلغت المساحة برمتها قدر بلدة صغيرة، وأحاط بها سور شاهق يرتفع عشرين قدماً. ووقف حارسان عند البوابة، فاقترب منهما شو يان بخطى وئيدة. ولما دنا، بادر أحد الحارسين بالقول: — أزيرنا الأول لسوق آل لي؟ وسأل شو يان: — ولمَ تقول ذلك؟
فقال الحارث وهو يهز كتفيه: — أنت في المرحلة الأولى من تنقية الطاقة، ومظلك يصرخ بوضوح "أنا من عالم البشر".
وأومأ شو يان: — حسنٌ، إنها زيارتي الأولى بالفعل هنا. وسأل الحارس: — أأقبلت لتيك اللحظة من عالم البشر؟ إمبراطورية هوانغ؟ فتوقف شو يان هُنيهة قبل أن يومئ: — هذا صحيح. وقال الحارس: — حسناً، إن لم يكن لديك مأوى، فعائلة لي مستعدة أبداً لمساعدة الممارسين الأحرار على الوقوف على أقدامهم. إن شئت، فيمكنك مرافققتنا حين يحين موعد تبديل مناوبتنا العائلية. سنجد لك عملاً مناسباً ونمنحك تقنية زراعة ملائمة.
وسأل شو يان: — حقاً؟ حسنٌ، يبدو هذا مثيراً للاهتمام. أيمكنني التفكير في الأمر؟ فأجاب الحارس: — بالطبع، ولكن أتمتلك مكاناً تمكث فيه ريثما تفعل؟ الخارج خطير. وتُعد محظوظاً حقاً لبلوغك هذه النقطة دون أن تتعرض للسلب. وسأل شو يان: — أهكذا يجرى الأمر؟ حسناً، ألا يمكنني دخول السوق؟ فقال الحارس: — يمكنك التواجد هنا نهاراً فقط. وإن أردت قضاء الليل، فيتعين عليك استئجار غرفة. وسيكلفك هذا ثلاثة أحجار روحانية على الأقل شهرياً، وأخال أنه ليست بحوزتك أي منها إن كنت آتياً لتوك من عالم البشر.
وأومأ شو يان: — هذا منطقي. حسنٌ، شكراً لك على النصح، وأنا مقدر لذلك. سألقي نظرة حول المكان، وإن عجزت عن تدبر خيار أفضل، فسأعود لنتحدث مطولاً. فقال الحارس مبتسماً بود ومشيراً له بالدخول: — حسناً. وإن لم تجدني، فيمكنك التوجه إلى المكتب في الساحلة المركزية، وسيقدمون لك المعونة. فقط تذكر ذكر اسمي، لي لينيان. وابتسم شو يان ملوحاً بالوداع: — سأفعل. شكراً لك.
"يبدو أنني لن أستطيع المكوث هنا طويلاً."
وامتلك شو يان أحجاراً روحانية بالطبع، غير أن تلك لم تكن المعضلة. وبما أنه ظُنّ شخصاً وافداً للتو من عالم البشر، فلم يغب عن بملك اجتناب لفت الأنظار بكثرة ثروته. فمن يدري، لعل الأنباء قد بلغت هذا المكان بالفعل بشأن سرقة الإامبراطور، وربما رصد الناس خطاه.
"لم أفكر في الأمر من قبل، ولكنهم يعجزون عن تتبع الخاتمة، أليس كذلك؟ ربما كان الأفضل التخلص منه."
وجذب شو يان نظرات فضولية من الممارسين الذين مر بهم في الطريق، مما جعله يدرك كم بدا شاذّ المنظر حقاً.
"ولكن لعلها مرحلة تنقية الطاقة الأولى خاصتي هي ما يورث هذا الانطباع."
"لو كنت أقوى، لما ظنني أحد وافداً جديداً، مهما بدا مظهري."
ولم يتفاجأ كثيراً لعجز الحارسين عن سبر حقيقة قوته. إذ بدت زراعة الجسد نادرة في هذا المكان، ولهذا غالباً لم يخطر ببالهما قط احتمال كونه ممارس جسد. وأما عن إدراكهما كونه في المرحلة الأولى لتنقية الطاقة، فلم يملك حيال ذلك حيلاً. إذ لم يمتلك شو يان أدنى دراية بكيفية إخفاء ذلك. ولم يكن ذا خبرة واسعة حقاً فيما يتعلق بالطاقة الروحية. وألقى شو يان نظرة على بعض المتاجر في طريقه، متفرساً فيما تبيعه.
غير أنه أبى دخوله دون خطة واضحة. وودّ لو يطلب بعض المعلومات، بيد أنه لم يرد جلب الكثير من الانظار. وما أراد شو يان استفسار الحارس عن شيء، خشية أن يفشي أمراً يحمل الحارس على اختطافه وإعادته لعائلته قسراً. ولم يشكل الحارس نفسه خطراً بالطبع، غير أن شيوخ عائلته قد يفعلون.
"سيكون الأمر مأساوياً للغاية إن جئت لأجل تياني لأختطف نفسي بمجرد وصولي."
ولم يكن السوق كبيراً جداً، وسرعان ما بلغ شو يان جزءه المركزي المكتظ بالحركة. وبدا غريباً رؤية هذا العدد الغفير من الممارسين يتجولون بعد انقطاع طويل عن رؤية أي منهم. وخالجته رغبة عارمة في معرفة ما إن كانت ثمة مدن أرحب في الجوار، وكيف تبدو.
"والطاقة الروحية هنا أشد كثافة بكثير مقارنة بالوطن. يكاد يراودني شعور بالرغبة في الزراعة."
وفكر شو يان بغتة في أمر ما والتفت يبحث عن شياورونغ، غير أنه عجز عن لمحها. وقال شو يان بصوت خفيض: — شياورونغ، إن كنتِ تسمعينني، فاذكري ألا تستخدمي الطاقة الروحية هنا للزراعة. فهذا سيلفت انتباه ممارس التأسيس حتماً. وبعد لحظات من حديثه، شعر بلمسة ناعمة على خده فاسترخى. واستطاع شو يان الزراعة هنا بلا عقبات، فجذوره الروحية من الفئة الحضيضية وتنقيته للطاقة في المرحلة الأولى لن تحدث فارقاً يذكر.
لكن شياورونغ كانت في رتبة التأسيس، لذا فإن معدل امتصاصها سيجلب بعض الانظار حتماً. ولم يعلم كنه طريقة زراعة شياورونغ بالضبط. إذ تمتع جسدها، كوحش، بالقوة، نظير ممارسي الجسد، غير أنها استخدمت الطاقة الروحية وقدرت على التحليق، شأن ممارسي الروح في رتبة التأسيس.
"أتراها كل الوحوش تزرع الجسد والروح معاً، أم أن شياورونغ استثناء؟ أم أنها لا تزرع الجسد، بل إن الوحوش تتفرد بقوة طبيعية في هذا الجانب؟"
وتنهد شو يان. فالكثير غاب عن علمه.
"لنرى إن استطعنا استجلاء بعض المعلومات حول القوى النافذة هنا. فالعثور على عائلة تشينغ يظل الأهم."
وأمعن شو يان التفكير واستقر رأيه على خطة عمل. ولم يشأ إزعاج المارة وجذب الأنظار نحوه، فارتأى أن خير السبل هو ارتياد متجر وسؤال من فيه. وحسب خبرته، كان البائعون أميل بكثير للإجابة عن الأسئلة. على الأقل إن أظهر المرء نية جادة في الشراء، وقد اهتم شو يان كثيراً باقتناء بعض الموارد.
"مع ذلك، قد أجلب بعض الانظار. فممارس في مرحلة تنقية الطاقة الأولى لا يُفترض امتلاكه الكثير من الأحجار الروحانية."
"أخالني سأكتفي بالشلل من متجر واحد ثم أمضي. لا بد أن ثمة المزيد من هذه الأسواق هنا، وربما مدن، حيث يتسنى لي التحرك بحرية أكبر."
واستقر رأي شو يان على شراء بعض الحبوب. وامتلك بالفعل عدداً لا بأس به، لكنه جهل تأثيراتها. وشراء النوعية ذاتها الموجودة في حقائب تخزينه سيسعفه جلياً في معرفة ما يحوزه فعلاً.
ودلف إلى متجر يحمل اسم "متجر لي للخيمياء"، فاستقبلته شابة تقف خلف الطاولة فوراً.
وسألت المرأة: — طاب نهارك يا سيد. أتبحث عن شراء بعض الحبوب؟ وأجاب شو يان مبتسماً: — نعم، أرسلتني عائلتي لأشتري بعضها، لكني نسيت أسماءها. وسألت المرأة في حيرة: — أنت... نسيتها؟ فقال شو يان مخرجاً بعض قوارير الحبوب المختلفة ليُريها للمرأة: — لكني احتفظت ببعض ما تركوه في البيت. أود قارورة واحدة من كل نوع من هذه. وأومأت المرأة مترددة: — حسناً. وفتحت القوارير واحدة تلو الأخرى واشممتها.
وسألت مشيرة إلى القارورة الأخيرة التي أخرجها: — أمتأكد أنك تريد قارورة من حبوب الاختراق؟
"أهذا أمر غريب؟"
وقال شو يان مستعيداً القارورة: — أوه، ليس تلك. عذراً، ستكفي هذه فقط. وأومأت المرأة وأخرجت بضع قوارير تخصها: — قارورة من حبوب تكثيف الطاقة، وقارورة من حبوب تفجر الطاقة، وقارورة من حبوب الشفاء من الدرجة الأولى، وقارورة من حبوب الصفاء، وقارورة من حبوب تغذية الطاقة. أبدو هذا صحيحاً؟ وأومأ شو يان: — مثالي. ومدت يدها مبتسمة: — سيكون ذلك تسعة أحجار روحانية، من فضلك. فناولها شو يان الأحجار الروحانية والتقط الحبوب.
"باتت أسمائي بحوزتي الآن، لكن أيكون غريباً الاستفسار عن تأثيراتها؟"
وسألك شو يان: — أتمتلكون أي كتب تخص الخيمياء بالمناسبة؟ فأجابت المرأة: — كتب أساسية فقط، لا شيء عن التقنيات أو المعارف المتخصصة. فقال شو يان: — لا بأس، بكم الثمن؟ فأجابت: — حبة رمل روحاني واحدة فقط.
"رمل روحاني؟ أمثلي يمتلك شيئاً كهذا؟"
وابتسم شو يان بارتباك: — أظن... أظنني لا أملك سوى أحجار روحانية. وتوقفت المرأة هُنيهة قبل أن تبتسم بلطف: — لا بأس، خذه فحسب. بلا مقابل. فقال شو يان متحصلاً على الكتاب: — حقاً؟ شكراً لك. بالمناسبة، أتعرفين أقرب سوق أو بلدة هنا؟ وأجابت المرأة ببادرة تلهف طفيف: — أخال أراضي عائلة لي قريب نسبياً، لكنه ليس مكاناً للغرباء حقاً. إلا إن كنت تبحث عن عمل؟ بإمكاني تزكيتك.
"كان يجدر بي اجتناب المتاجر التابعة لعائلة لي."
وسأل شو يان: — شكراً لك، لكن ليس الآن على أية حال. أثمة مدينة ممارسين ضخمة قريبة؟ وألقت المرأة نظرة غريبة على شو يان: — ليس بالقرب، لا. أأقبلت لتوك من عالم البشر؟ ولم يدر شو يان كيف يجيب. فإن لم يكن من عالم البشر، فماله لا يعلم شيئاً؟ وإن كان وافداً للتو، فمن أين أتى بتلك الأحجار الروحانية؟ وسأل شو يان: — كم تبعد أقرب مدينة؟ أثمة مكان يتيح لي شراء خريطة، عسى أن أجد؟
فأجابت: — لا يُطلق لقب المدن حقاً في أرض يوانتشي الخالدة سوى على المدن الخالدة الثلاث. وأقربها إلينا مدينة تشينغي. وتبعد نحو شهر من المسيرة شمالاً. وتحديداً شمال الشرق بقليل. وأما عن الخرائط، فلا أظن مكاناً هنا يبيعها في حدود علمي. لكنك تستطيع التماس ذلك في السوق الحرة. فقال شو يان مومئاً بامتنان: — حسناً، شكراً لك. ورغم امتلاكه المزيد من الأسئلة، شعر بأنه أطال المكوث بما جاوز الحد.
فضلاً عن نظرات المرأة الغريبة في الختام، مما جعله يرغب في الابتعاد.
"والآن. أأبقى لأتفقد إن كان بإمكاني الحصول على خريطة ومعلومات أجدى نفعاً، أم أسرع بمغادرة هذا المكان قبل أن يقدِم أحدهم من عائلة لي لأجلي؟"
وخرج شو يان من المتجر منادياً شياورونغ بصوت خفيض. ولاقت خده لمسة مخالب. فقال شو يان: — سنغادر قريباً. لنعبر السوق الحرة أولاً لنلقي نظرة. وقرر شو يان إلقاء نظرة خاطفة على الأكشاك المنصوبة بحثاً عن أي شيء مثير للاهتمام قبل الرحيل. وكأن الحظ حالفه، فعثر فعلاً على مكان يبيع بعض الكتب. وباع الكشك بضعة تقنيات زراعة أيضاً، غير أن شو يان لم يرغب في جلب المزيد من الأنظار باستعراض ثروته.
علاوة على أن تلك الكتب قد لا تكون أصلية، إذ بدا بائعها مريب المظهر. لكنه ابتاع بضعة كتب عادية، عازماً على مطالعته فور مغادرته تحسباً لوجود معلومات مفيدة بين طياتها. وسأل الحارس ذاته الذي خاطبه عند مدخل السوق مع مغادرة شو يان: — أستغادر الآن؟ أأمعنت التفكير في عرضي؟ فابتسم شو يان بأدب: — ما زلت أزن خياراتي. سأعود في الأيام القليلة القادمة. وحينها سأمنحك ردي حتماً. وقال الحارس دون أن يعترض طريقه: — حسناً، لا بأس.
كن حذراً في الخارج.
"تخلصت من ذلك المكان أخيراً."
وأحس شو يان بوجوب اجتناب تلك الأسواق العائلية الصغيرة مستقبلاً. إذ بدا التحرك وطرح الأسئلة مقيداً للغاية. ونادى شو يان: — شياورونغ؟ فظهرت الثعلبة السوداء الصغيرة على كتفه. وسألت شياورونغ: — ألن نشتري لحماً؟ ووعدها شو يان: — في توقفنا القادم. وما إن همّ بالإسراع ومتابعة طريقه شمالاً، حتى استشعار اقتراب أحدهم من الخلف. وتردد شو يان هُنيهة. وإن كان له أن يخمن، فالمرجح أنه شخص قدم لسلبه.
فممارس في مرحلة تنقية الطاقة الأولى بحوزته كل تلك الأحجار الروحانية سيغدو هدفاً مباحاً هنا لا محالة.
"أأطرحه أرضاً وأستجوبه؟"
وبعد ثوانٍ من التردد، حسم شو يان أمره بالرفض. فقد لازال قريباً من السوق، وثمة ممارس في رتبة التأسيس هناك. وإن كان القادم من عائلة لي لأجله، فسيتحرى الناس عن اختفائه، وسيظل وجه شو يان عالقاً لذاكرتهم. فكان الرحيل وتجنب التعقيدات أولى. وانطلق شو يان بسرعة ممارس في رتبة التأسيس، تاركاً خلفه مطارده وسوق لي بمسافة بعيدة.