قال ليانغ هوانغ بذهول: "أأنت جاد؟ كيف صار محارباً متأصلاً هكذا فجأة؟"
كان يعلم حق العلم مدى صعوبة بلوغ تلك الخطوة.
أجاب تشانغشين: "لا علم لي بكل ذلك. لقد أمرني المعيّة بإيصال الرسالة فحسب. وما ستفعله بعد الآن شأن يخصّك وحدك. لكن لا تنتظر أيّ عون من قاعة صخرة الدعم الآن بعد أن أغضبت محارباً متأصلاً".
فكّر ليانغ هوانغ بغضب: "متى أغضبت محارباً متأصلاً بحقّ الجحيم!"
كان هذا كله ذنب أخيه الأصغر.
فكّر في نفسه: "ظننت أن الأمر قد انتهى وانقضى. وما كان عليّ سوى التريّث، وحين أبلغ مرتبة التأصّل، أستطيع الثأر للإهانة السابقة. فمن كان يظنّ أن ذلك المزارع سيتقدم عليّ؟ كيف فعلها يا ترى؟"
سأل تشانغشين بلا اهتمام يذكر: "إذن، ما خطتك؟"
فكّر: "صحيح. لم ينتهِ الأمر بعد. عليّ تقبّل الواقع الجديد والتأقلم معه".
قال ليانغ هوانغ: "سأذهب وأعتذر. وسأفرغ الخزانة إن تطلب الأمر. إن تمكنت من حمله على قبول اعتذاري علناً، فلن يكون لديه وجه لمواصلة التضييق عليّ".
سأل تشانغشين بشكّ: "أَتظنه يقبل ذلك؟"
قال ليانغ هوانغ: "لم لا يقبل؟ سيشهد انحنائي أمامي، وينال ثروتي كلها. ماذا عساه يبتغي أكثر؟ حياتي؟ ليست بهذه السهولة لتُؤخذ، وعليه أن يعلم ذلك".
في تلك اللحظة، فتح باب مكتب ليانغ هوانغ، واندفع أحد طلاب قاعة فنون القتال، وهو الحارس الواقف عند البوابة، إلى الداخل بوجه شاحب.
سأل ليانغ هوانغ بفتور: "ما الأمر؟"
أخرج الشاب الحارس كلماته بصعوبة: "هذا... أم, في الواقع. حُطّمت لافتة قاعة فنون القتال".
سأل ليانغ هوانغ بغضب: "ماذا؟ ومن يجرؤ؟"
بدا أن المصائب تتوالى هذا الصباح واحدة تلو الأخرى.
قال الحارس: "إنه... إنه ذلك الرجل شو يانغ. قال... قال إنه كان حادثاً، ومنحنا بعض القطع النقدية تعويضاً".
سأل ليانغ هوانغ: "ولم يفعل شيئاً كهذا؟"
عجز عن استيعاب الأمر. أي مكاسب تُجنى من فعل عبثيّ كذاك؟ أظنّ ليانغ هوانغ أحمق لدرجة الغضب ومهاجمته؟ إن كان الأمر كذلك، فقد قلل شو يانغ من شأنه خطأً.
سأل ليانغ هوانغ: "أقال شيئاً آخر؟"
"حسناً، قال... وبصفته معلماً متأصلاً، يحزّ في نفسه أن يرى الكثير من الناس يربطون أنفسهم... بعائلة ليانغ الطاغية".
تجهّم وجه ليانغ هوانغ. أدرك الآن ما يرمي إليه شو يانغ. كان يستغلّ نفوذه لعزل عائلة ليانغ عن حلفائهم. لم يكن تحطيم لافتة قاعة فنون القتال سوى وسيلة لإحداث ضجة تضمن انتشار كلماته. بدا الصلح بعيد المنال فجأة.
سأل تشانغشين: "أما زلت مصراً على الاعتذار؟"
ظن ليانغ هوانغ أنه يلمح طيف ابتسامة ساخرة على وجهه، لكنه لم يمتلك طاقة للاهتمام بالأمر الآن.
فكّر: "عليّ تدبّر أمر ما. الوقت ينفد".
أخذ ليانغ هوانغ يروح ويجيء في مكتبه، مفكّراً في أفضل مسار يمضي فيه هو وعائلته. وبعد برهة، استسلم لمصيره أخيراً وأدرك أنه لا مستقبل له في بلدة تشونسي. ليس وُجود شو يانغ قائماً هناك.
فكّر: "عليّ قطع دابر هذا كله. أجمع العائلة ونرحل في أقرب وقت. سنأخذ ما يمكن حمله ونترك البقية خلفنا. سنستقرّ في محافظة فوغو، لنترك شو يانغ خلفنا بمسافة بعيدة. ستكون سنتين قاسيتين، لكن كل شيء سيغدو على ما يرام متى بلغت مرتبة التأصّل".
لم يتوانَ ليانغ هوانغ لحظة واحدة بعد اتخاذه القرار؛ فنادى ابن عمه وبعثه يركض إلى قرية بايشو لإحاطة الجميع علماً بالوضع. كل من لم يستعدّ للرحيل خلال ثلاث ساعات سيُترك خلفه. وبينما كان طلاب فنون القتال يوضبون أمتعته في مكتبه، رمق ليانغ هوانغ البلدة بنظرة متجهمة من علٍ.
فكّر: "النبيل لا يستبطئ الثأر. لكن النوم يعجزني حقّاً وأنا أعلم أن شو يانغ يعيش حياة رغيدة".
"لا بدّ أن ثمّة سراً وراء ترقيه إلى مرتبة التأصّل. سأضيف بضع تفاصيل وأبث الشائعة. أنا واثق أن محارباً متأصلاً يائساً على الأقل سيخاطر للبحث عن الحقيقة".
"لن تفوز بهذه السهولة يا شو يانغ".
- سأل تيانرن بصدمة: "أنت محارب متأصل يا أبي؟"
أومأ شو يانغ بابتسامة بينما التفّت عائلته حوله.
"لقد ترقيت قبيل مغادرتي مباشرة. ولم يسعفني الوقت لذكره قبل التوجه إلى هنا. سنحتفل حقّاً حين ننتهي من أمر عائلة ليانغ".
سألت تشيانيوي وهي ترى المزيد من القرويين يتجمعون أمام منزلهم: "الانتهاء من أمر عائلة ليانغ؟ ألهذا قامت هذه الضجة كلها؟"
أومأ شو يانغ قائلاً: "نعم".
ورفع صوته ليسمعه المجتمعون.
"اقترفت عائلة ليانغ الكثير من الأفعال المخالفة للقانون على مدى السنين. والآن بعد أن وجد من يقف في وجههم، فهم بالطبع أكثر من مستعدّين لتحقيق العدالة".
كان شو يانغ قد التقى بزعماء بعض العائلات المقربة منه قبل ترقيه وأطلعهم على خططه. والآن بعد انتشار نبأ بلوغ شو يانغ مرتبة التأصّل، تجمعت أعداد أكبر بكثير من العائلات للمشاركة. لم يكن شو يانغ متأكداً إلى أي مدى يمكن أن تبلغ عواقب أفعال عائلة ليانغ سوءاً، لكنه أيقن أن بوجود المكتب إلى جانبه، وشهادات القرويين، ستُفرض غرامات مالية طائلة على معظم أعضاء عائلة ليانغ البارزين ويُزجّ بهم في السجن لأعوام قادمة.
ولكن بينما همّ شو يانغ بالانطلاق نحو مكتب تشونسي برفقة القرويين الشهود، شقّ تشو بينغ طريقه عبر الحشد واقترب منه.
قال تشو بينغ وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: "زعيم العائلة شو، يبدو أن عائلة ليانغ تفرّ هاربة".
سأل شو يانغ: "تهرب؟"
أجاب تشو بينغ: "نعم، غادرت عدة عربات ضيعتهم دفعة واحدة. أظنّ أنهم لا يقومون برحلة قصيرة إلى البلدة".
عقد شو يانغ حاجبيه قليلاً. لم تكن عائلة ليانغ قد ارتكبت ما يُدينها فعلاً بعد، لذا صعُب عليه إيجاد عذراً لإبقائهم هنا. غير أن المشكلة تكمن في أنه حين يكتمل جمع الأدلة، ستكون عائلة ليانغ قد ابتعدت مسافات طويلة. لن يكون العثور عليهم عسيراً ببعض الجهد، لكن هذه مجرد جرائم صغرى. استطاع شو يانغ الاستعانة بمكتب المقاطعة هذه المرة لأنه ترقى لتوّه، ولمعونة تيانشو والسيدة جيانغشي.
إلا أن ذلك كله اعتمد على إمكانية تسويغ أفعالهم إن سأل أحدهم من الطبقات العليا. بيد أن حشد مكتب المقاطعة لشنّ حملة مطاردة خلف عائلة ليانغ يتجاوز الحدّ المعقول بكثير. فمهما كانت خطايا عائلة ليانغ، لم يرتكبوا يوماً شيئاً جسيماً بحقّ. وما تفلعه عائلة ليانغ تفعله عدد لا يحصى من العائلات في الموقع ذاته.
فكّر في نفسه: "في النهاية، لا تعدو هذه القضية كونها ضغينة بيني وبين عائلة ليانغ. وما تدخل مكتب المقاطعة إلا خدمة صغيرة. عليّ تولي هذا الأمر بنفسي".
"لم أكن أتوقع قط أن يتخلّوا عن دار أجدادهم بهذه السرعة".
لم تكن نهاية سيئة تماماً أن تنتقل عائلة ليانغ إلى مكان آخر، لكن فكرة وجود أعداء يتربصون به ويكيدون له لم تروق لشو يانغ. قد لا يحتاج إلى القلق بشأن سلامته الشخصية، لكن لديه الكثير من الأبناء، وسيرزق بالمزيد من الأحفاد في المستقبل.
قال شو يانغ: "سأذهب لأرى ما يجري"، مهرولاً في الاتجاه الذي سلكته عائلة ليانغ.
لم يدرِ ما يفعله بعد، لكنه لم يرغب في أن يفلتوا من ناظريْه. لم يكن اللحاق بهم صعباً، إذ اضطرت عائلة ليانغ لجرّ عدة عربات على طول الطريق. وبقوة شو يانغ المتأصلة، استابره اللحاق بهم سيراً على الأقدام بسهولة. وكمن الإشكال فيما يجب فعله بعد ذلك. راقبهم شو يانغ وهم يشقون طريقهم ببطء نحو الأفق، مفكراً في خياراته.
"لا أظن عائلة ليانغ قادرة على النمو لتغدو تهديداً لي. سأزداد قوة فوق قوة في الأيام القادمة؛ ومن المستحيل أن يدركني أحد. لكن ليانغ هوانغ هذا داهية أكثر مما ينبغي. فحتى إن عجزت عن تخيل سبل يهددني بها مستقبلاً، فهذا لا يعني عجزه هو عن ابتكارها".
واصل شو يانغ تتبع قافلة ليانغ عن بُعد، رافضاً التخلي عن الأمر، ومتردداً في الوقت ذاته حيال طريقة التحرك. استمر هذا الوضع ساعات طويلة، ولم يتوصل شو يانغ إلى قرار حاسم إلا مع حلول الظلام.
"بما أنكم اتخذتموني عدواً، ورفضتم الانصياع للسجن، فلا مفرّ إذن سوى الموت".
لم ينوِ شو يانغ قتلهم جميعاً، لكن زعيم العائلة وأبناءه الثلاثة، ومن ضمنهم ليانغ هوانغ، كان لزاماً أن يرحلوا. قد لا يستحقون ذلك، لكن انتظر شو يانغ ارتكابهم فعلاً يستوجب الموت، لندم طوال حياته. في مواقف كهذه، السلامة خير من الندم. تسلل نحو المخيم في ظلمة الليل. راقبهم طوال الوقت، لذا عرف أين ينام الأشخاص الذين يتوجب عليه قتلهم. حين شقّ شو يانغ طريقه ببطء نحو خيمة ليانغ هوانغ، سمعه يتحدث إلى شخص في الداخل، يُرجّح أنها زوجته.
دوّي صوت ليانغ هوانغ عبر القماش: "حسناً، كيف تتوقعين أن أكون؟ أعلّي الابتسام بسعادة بينما يُسلب مني كل شيء؟"
أعقب ذلك صوت امرأة مكتوم: "ليس كل شيء. ما زلت تمتلكني أنا والأطفال، أليس كذلك؟"
تنهّف ليانغ هوانغ بصوت عالٍ: "آآه، ألا يمكنك منح ليوم لعين أتأقلم فيه؟ أنت مستحيلة. حسناً. سيؤول كل شيء إلى خير. وربما كانت هذه نعمة متنكرة في زي نقمة. فلربما حملت بلدة هورونغ بعض الفرص لنا، لنصعد ونعلو أسرع بكثير مما لو بقينا هنا. على أي حال، لقد غدا إخوتي وأولادهم عالة لا فائدة تُرجى منها طوال السنوات الماضية. وقليل من القسوة سيصلح من شأنهم".
فكّر شو يانغ مذهولاً: "بلدة هورونغ؟ ما احتمالات حدوث هذا؟"
لقد أقام أحد المتاجر هناك، حيث يبيع النبيذ والمشروبات الروحية. وكانت تلك بوابته لترسيخ أقدامه في محافظة فوغو. لم يستطع شو يانغ سوى التوقف برهة، ليعيد تقييم الأمور برويّة.
"إن عرفت وجهتهم، فلا داعي لقتلهم".
تنفّس شو يانغ الصعداء وتراجع ببطء عن المخيم، منسحباً بهدوء بالغ كما ظهر. لم يرغب قط في قتلهم هنا؛ فالمخاطر كانت أثقل من أن تُحتمل. وحتى إن أخذ وأخفى جثامينهم وتخلص من الأدلة، فإن أي ذي عقل يستطيع استنتاج تورط شو يانغ. كان يراهن على ألا يتطوّع أحد للتحقيق في الأمر بعناية بالغة. لكنها لم تكن خطة سديمية. ما زال يتذكر قدرة السيدة جيانغشي. لا بدّ من وجود قدرات أخرى في هذا العالم قادرة على الإيقاع به إن لم يحذر.
ستكون خسارة فادحة حقاً لو قُدّر له الموت فجأة ذات يوم، بعد أعوام من الآن، حين يستخدم معلم سامٍ ما قدرة سلالته ليتبيّن أنه ارتكب جريمة قتل. في هذه الظروف، آمن حقّاً أن التراجع خطوة إلى الوراء والاحتكام للقانون هو السبيل الأمثل، تماماً كما خطط منذ البداية.
"سيستغرق الأمر وقتاً أطول، وهذا مزعج. لكن بالنظر إلى الجانب المشرق، باتت عائلة ليانغ بلا ظهير يدافع عنها. وبما أنهم فرّوا وتنازلوا عن حقهم في الدفاع عن أنفسهم، فلنَرَ إن كان بمقدورنا إضافة بضع تهم".
"ما إن أتأكد من إدانتهم بأكبر عدد ممكن من الجرائم، حتى أنسّق مع السيدة جيانغشي مجدداً وأرى إن كانت تربطها أي صلات حول بلدة هورونغ. على أي حال، أنا واثق من قدرتي على استمالتهم للمساعدة إن كانت التهم جسيمة بما يكفي".