مضت أسابيع قليلة وعاد شو يانغ إلى منزله في قرية بايشو، جَمْعاً لِرِجليه في الفناء. كان الصباح مبكراً ولا توجد أيّ إشارة لشروق الشمس بعد.
"أستطيع استشعار ذلك. لا أستطيع تقوية جسدي أكثر من هذا. حان وقت الترقّي".
ربما لو أتيحت لشو يانغ فنون قتالية أقوى، وليس تلك التي استنباطها بنفسه بمساعدة شجرة السلالة، لاستطاع تقوية جسده أكثر بكثير وهو لا يزال مقاتلاً من الدرجة الأولى. لكنّه لم يستطع الانتظار حتى يحصل على فن قتاليّ من الدرجة الأولى قبل الترقّي. أغلق شو يانغ عينيه وركّز على التشي الكامن داخل جسده. كان التشي يختبئ في جسد كل كائن حيّ، ممتزجاً بالدم واللحم. لكنّه لم يكن يخدم سوى غرض ضئيل بالنسبة لمعظم الناس الذين لم يعرفوا كيف يستخدمونه.
غير أنّ المقاتل استخدم هذا التشي لتقوية العظام والأعضاء والعضلات. وكلّما ازداد الجسد قوة، استطاع احتواء كمية أكبر من التشي. إذا تمتعت بما يكفي من الموهبة لمواصلة التحكم في التشي مع ازدياده وفرةً، فإنّ الوقت والطعام هما العقبتان الوحيدتان في طريق بلوغ ذروة مرحلة الدرجة الأولى. وجد شو يانغ نفسه في هذا الموقف تحديداً، وصار عليه الآن اتخاذ الخطوة التالية. للترقّي إلى المرحلة الفطرية، كان عليك تكثيف خيط من التشي الفطري.
وكان هذا نوعاً من التشي أقوى بكثير من التشي العادي. ولتكثيفه، تطلّب الأمر ضغط كمية هائلة من التشي العادي. لم يكن ذلك سهلاً البتّة، لكنّ شو يانغ كان حذراً في ترقيه، منتبهاً دائماً إلى التغيرات داخل جسده في كل خطوة على الطريق. والآن، أصبح جسده قوياً بما يكفي لتحمل الضغط الناجم عن ضغط الكمية الكبيرة المطلوبة من التشي. أخذ شو يانغ نفساً عميقاً وبدأ. قلّص عضلة تلو الأخرى، دافعاً بالتشي إلى دموعه— لا بل إلى دمه.
تسارع نبض قلبه أكثر فأكثر، وتدفق التشي في جسده بكميات لم يسبق له أن شعر بها من قبل. بدأ شو يانغ بالسيطرة على التشي. كان ذلك أمراً يستحيله غالبية الناس، ولا تضمنه لك حتى عقود من العمل الشاق. ولكنه حظي بموهبة تؤهله لذلك، وبفضل سنوات من الممارسة، أصبح بارعاً فيه تماماً.
وظن أيضاً أن سِمته المتمثلة في "الصفاء الذهني"
وسلالته القوية قد تقدمان مساعدة إضافية. تدفق التشي مع الدم إلى قلب شو يانغ، حيث نجح في جعله يثبت مكانه. تجمع المزيد والمزيد من التشي، وتصاعد الضغط. راح قلبه يخفق بصوت أعلى وأعلى داخل جسده، وكاد شو يانغ يخشى أن ينفجر. لكن شو يانغ شعر ببطء بشيء مختلف يبدأ في التصاعد من الكمية الكبيرة من التشي. تكثف، وتخذ شكل آخر من التشي داخل قلبه. لم يدري شو يانغ المدة التي استغرقتها هذه العملية، لكنّه كان مغموراً بالعرق حين انتهى من تكثيفه كله.
استقر الآن خيط صغير من التشي الفطري داخل قلبه، واهتز شو يانغ من هول القوة الهائلة التي شعر بها تنبعث منه. مع خفقان قلبه، تدفق دمه متجدداً بفعل التشي الفطري الجديد المتمركز هناك. وشعر بعضلاته تصرخ فرحاً بينما عاد الدم مُحمَّلاً بجودة جديدة.
"مذهل!".
"كنت أعلم أن المقاتلين الفطريين أقوياء، لكنّ تجربة ذلك بنفسك أمر مختلف تماماً".
إلى جانب شعور البهجة بتزايد القوة، شعر شو يانغ بجوع لا يُطاق. لحسن الحظ، كان قد أعدّ عدّته. لقد درى أنّه سيحتاج إلى طعام بعد الترقّي، لذا فقد حضر كميات هائلة من اللحم بجانبه مسبقاً. شرع شو يانغ في الأكل فوراً، ولمש يمرّ وقت طويل قبل أن يشعر باستعادة جسده لعافيته. لقد أدى تفريغ عضلاته بالكامل من التشي إلى إجهادها قليلاً، لكنّه استطاع الآن أن يحسّ بامتلاء جسده بالطاقة.
واصل قلبه ضخّ الدم "الملوث"
بالتشي الفطري، ممّا أدى إلى تقوية عضلاته. تفاجأ شو يانغ بسرور وهو يشعر بنموه المستمر وازدياده قوةً بقوة. وبدا أن التشي الفطري يحول جسده كله تدريجياً. لم يمضِ سوى خمس عشرة دقيقة حتى بدأ شو يانغ يشعر بأن جسده قد تلقى كل البركات الممكنة في الوقت الحالي. نهض شو يانغ وقبض كفيه بابتسامة عريضة. لم يكن الأمر مدوياً كفرقعة الهواء، لكنّه شعر حقاً بقدرته على لكم ثقب في الجدار الطوبي البعيد.
ركّز شو يانغ على صلته بشجرة السلالة، ورأى بالضبط ما كان يرجوه.
[ قوة السلالة: 5.26 (بشري - عالي) ]
[ السمات: موهبة قتالية طفيفة، صفاء ذهني ]
"أخيراً! سلالتي مصنفة ضمن فئة (بشري - عالي)".
"هل يعني هذا أن عائلتي شو قد أصبحت تقنياً عائلة مقاتلة؟".
لم يسمع شو يانغ أحداً من قبل يتحدث عن قيمة قوة السلالة بالشكل الذي يمكنه استشعاره من شجرة السلالة. لكن من خلال ترقيات أبنائه ونفسه، كوّن فكرة ممتازة عن المراحل المختلفة وقيم قوة السلالة المقابلة لها. إن لم تكن هناك سلالة موروثة ترفع قوة السلالة، فإن القيمة لشخص عادي تبلغ 1.0، ولمقاتل من الدرجة الثالثة 1.2، ولمقاتل من المرحلة الثانية 1.5، ولمقاتل من الدرجة الأولى 2.0، وللمقاتل الفطري 3.0.
كما شكّ في أن مرحلة السيد تبلغ قيمتها 5.0. وهذا يعني أن قوة سلالة شو يانغ قد بلغت مستوى السيد بالفعل وهو بالكبير ترقّى للتو إلى المرحلة الفطرية.
"من المؤسف أن الابن الوحيد الذي حظي بتعزيز كبير من سلالتي هو تيانزهنغ".
"والآن بعد أن أصبحت لدي سلالة مقاتلة، أر حقاً تمريرها...".
"سيتعين عليّ إثارة مسألة إنجاب طفل آخر مع تشيانيوي مجدداً. وبما أن تيانيوي في مدينة كوو، فقد يكون إقناعها أسهل. لا يمكنني أن أكون الوحيد الذي يفتقد وجود ابنة في البيت".
ترك شو يانغ الأمر جانباً في الوقت الحالي وركّز على قوته الجديدة. لم يجد ما يمكنه تحطيمه حوله، فنظر إلى الأرض وقرر اختبار لكمة عليها. قبض كفه، وانحنى مستنفداً كل القوة التي يملكها. حطمت لكمته التربة الجافة بسهولة، محدثة حفرة صغيرة من شدة القوة.
"أشعر أن الأرض ألين من أن تختبر قوتي حقاً".
لم يكن أمام شو يانغ خيار سوى البحث عن شيء أكثر ملاءمة. تذكر وجود تل صخري ليس بعيداً عن إحدى حقوله، فتجه نحوه. بعد دقائق قليلة، وجد نفسه أمام جدار صخري. أطلق لكمة أخرى بكل قوته. استسلم الصخر لقبضته، وظهر أثر صغير حين سحب شو يانغ يده، مع تشقق امتد من مكان الارتطام.
"ليس سيئاً. لقد أصبح جسدي أكثر صلابة بكثير. لكن هذا ليس كل ما أستطيع فعله".
ما جعل المقاتلين الفطريين أقوياء بشكل خاص هو تشيهم الفطري. إذ يستطيع المقاتل الفطري التحكم في تشيه الفطري بعيداً عن القلب وتوجيهه إلى جزء آخر من الجسد لتعزيز قوة اللكمة أو الركلة بشكل هائل. ويمكن التحكم فيه حتى ليغادر الجسد لفترة قصيرة، مما يسمح بتغطية السيف أو السكين به، وتعزيز خصائص السلاح مؤقتاً. رفع شو يانغ ذراعه مستعداً لإطلاق لكمة أخرى. هذه المرة، انتقل خيط التشي الفطري من قلبه إلى قبضته.
وحين لامست القفزة— القصد قبضته الجدار الصخري، دويّ صوت انفجار قوي، تلاه صوت تشقق الصخر. تشكّل ثقب عمقه ثلاثة أقدام وعرضه خمسة أقدام. ولم تكن لكمته السابقة لتُقارن به بأي حال.
"هذا الشعور... مبهج حقاً".
للمرة الأولى، راود شو يانغ شعور بأنه صار شيئاً يتجاوز البشر. وقد راقه هذا الشعور كثيراً. حتى وإن علم بوجود الكثير من فناني القتال الأقوياء للغاية هناك، لم يستطع شو يانغ إخماد ذلك الصوت الداخلي الذي أخبره بأنه لا يُقهر.
"يجب أن أهدأ. لا يمكنني السماح لهذه القوة بركوب رأسي. سيكون عاراً كبيراً أن أقتل نفسي للتو بعدما بدأت أكتسب القوة".
أخذ شو يانغ بضعة أنفاس عميقة ونجح في تثبيت عقده— لا بل عقله.
"بينما يجب ألا أفرط في الثقة، لا يجب عليّ الاستهانة بهذه القوة أيضاً. وبما أنني ترقّيت إلى المرحلة الفطرية، فلا داعي لتجنب مواجهة عائلة ليانغ بعد الآن".
لم يخطط شو يانغ للتحول إلى طاغية محليّ لمجرد أنه مقاتل فطري، لكنه أدرك منذ زمن بعيد أن عائلة ليانغ لا يمكنها التعايش في نفس القرية مع عائلته شو. والسبب الوحيد لعدم قيامه بأي شيء حيالهم حتى الآن هو أن عائلة ليانغ لم تقم حقاً بما يتجاوز خطه الأحمر منذ حادثة تيانرين. وبما أنه علم أن الوحيد الذي سيجني فائدة من دفع المواجهة قدماً هو هو نفسه، فقد رأى أنّه لا بأس في تعليق الأمر.
لكنّه الآن مقاتل فطري، ولا يحتاج إلى الانتظار حتى يزداد قوةً. لقد تطلع طويلاً لتطهير عائلة ليانغ. ووضع خططاً لضمان سير كل شيء بسلاسة.
"سأتوجه إلى مدينة كوو فوراً، لأتأكد من سير كل شيء. ثم أعود وأعلن عن ترقيتي، ويمكن للقرويين بدء تحركاتهم".
بدأ شو يانغ السير عائداً إلى منزله، شارعاً بأنه أخف وزناً من أي وقت مضى.
"والآن أحتاج فقط إلى استنباط الفن القتالي التالي اللازم للترقي إلى مرحلة السيد. سيستغرقني ذلك بعض الوقت على الأرجح. كانت موهبتي بالكاد كافية لمساعدتي على الترقي للمرحلة الفطرية. أخشى ألا يكون لها أي تأثير الآن وأنا أحاول بلوغ مرحلة السيد".
"حسناً، لا داعي للهلع. قوة سلالتي قوية، لذا ينبغي أن يساهم ذلك. وخلال العقد القادم، سيشرع الأحفاد في الظهور. وبتضافرهم، لا بد أن يكون لموهبتهم بعض التأثير عليّ".
"ربما أكون محظوظاً ويُولد عبقري صغير في العائلة".
حين عاد شو يانغ إلى منزله، كانت الشمس قد بدأت في الشروق بالفعل. لاحظ شو يانغ أن عائلته مستيقظة وتتحرك، وتطلع إلى كشف قوته الجديدة أمامهم. لكن قبل أن يتمكن من دخول بيته، ههرعت— هرعت تشيانيوي إلى الخارج والدموع تسيل على خديها.
سألت بعجلة: "هل وجدته؟".
وشعر شو يانغ بمعدته تهبط.
سأل محاولاً الحفاظ على هدوء صوته: "من أجد؟ من المفقود؟".
سألت تشيانيوي: "تيانهو! ألم تذهب للبحث عنه؟".
كانت تمسك برسالة في يدها ودفعت بها نحو شو يانغ.
"تُركت هذه على سريره هذا الصباح".
فتح شو يانغ الرسالة وتنفس الصعداء فوراً عندما رأى أنها بخط يد ابنه. ولثانية واحدة، قلق من أن يكون شخص ما قد اقتحم منزله. ومع قراءة شو يانغ للرسالة، شعر بكل أنواع المشاعر تتأجج في داخله. والغضب بوجه خاص.
صرخ شو يانغ رامياً الرسالة: "ألم يستطع التحدث معي قبل اتخاذ قرار كهذا؟".
قالت تشيانيوي: "أترين— أترى أن بإمكاننا اللحاق به؟ يجب أن يبقى بالقرب من الطرق، أليس كذلك؟ لنُسرع ونأخذ العربة ونلحق به".
فكر شو يانغ في الأمر ثانية قبل أن يتنهد ويهز رأسه: "بما أنه قرر الرحيل، فدعه يرحل. أنتِ تعرفين كيف هو تيانهو؛ ما إن يتخذ قراراً فلن يتراجع عنه".
سألت تشيانيوي: "لكن... لكن كيف سينجو؟ إنه مجرد مقاتل من الدرجة الثالثة. هذا خطير للغاية. ألم تقل إن جبال الوحوش السوداء تعج بالمخاطر هذه الأيام؟".
قال شو يانغ: "الأمر خطير، لكن تيانهو ليس بالغباوة التي تجعله يصطاد وحشاً مقدساً".
ولاحظ أن تشيانيوي ما زالت تبدو قلقة، فأردف: "سأخذ العربة إلى مدينة كوو؛ فربما توجه إلى هناك. وإن وجدته، فسأتحدث معه. لكن في كل الأحوال، لقد كبر تيانهو وأصبح له رأيه الخاص. أنا متأكد من أنه يعرف كيف يكون حذراً هناك".
واجهت تشيانيوي صعوبة في الكلام، وكادت عيناها الحمراوان المليئتان بالدموع تفطران قلبه. ضمها شو يانغ إلى صدره، محاولاً تهدئتها.
"إن وجدتك في طريقي حقاً يا تيانهو، فمن الأفضل أن تكون مستعداً لبعض التأديب الأبوي!".
إن كان هناك ما لا يمكنه تقبله من أبنائه، فهو إيذاء والدتهم. لا بد أن تيانهو كان يعلم أن هذا سيقلق تشيانيوي حتى الموت، ومع ذلك فقد رحل دون كلمة واحدة. حتى لو رأى شو يانغ أن الرحيل إلى مدرسة السيف أمر غير ضروري وخطير، لكان قد سمح له بالذهاب لو كان مصراً على ذلك. كان لأبنائه حياتهم الخاصة ليعيشوها، وبما أن تيانهو بلغ السادسة عشرة، فقد أصبح راشداً يكفي لاتخاذ قراراته بنفسه.
لكن الرحيل بهذه الطريقة أظهر أن تيانهو لا يزال شاباً ومتهوراً. ترك شو يانغ تشيانيوي واستعد للرحيل. وقبل مغادرته، التفت إلى تيانشو، الذي وقف صامتاً إلى الجانب مع بقية الأطفال.
"عندما تلاحقه في المستقبل، فمن الأفضل أن تخبرني أولاً، وإلا فيمكنك ترك لقب عائلتك وراءك عندما تغادر".
قال تيانشو مؤمئاً بعجلة: "آه! إه، نعم. فهمت. سأخبرك بالتأكيد".
عرف شو يانغ ابنه بما يكفي ليدرك أنه لا يفكر سوى في ملاحقة تيانهو في هذه اللحظة. وبما أنه كان مصراً على الرحيل هو الآخر، فسيحرص شو يانغ على الأقل أن يكون مستعداً حين يغادر.
فكر شو يانغ متنهداً: "يا له من يوم"، رغم أن الشمس لم تشرق بعد.