"اترك الشاي على الطاولة وعد لمؤانسة تيانيوي"، هكذا أمرت جيانغشي.
قالت شياولينغ: "حاضر، سيدتي جيانغشي".
دخلت جيانغشي المكتب فرأت شو يانغ جابهاً رأسه على كتاب، وإن بدا شارد الذهن بعض الشيء.
سألت جيانغشي لتلفت انتباهه: "ألا أزعجك؟".
أدار شو يانغ وجهه وأجاب مبتسماً وهو يغلق كتابه: "بالتأكيد لا تزعجيني. هل انتهيت أنت وتيانيوي؟".
أجابت جيانغشي وهي تجلس قبالته: "كلا. لقد منحتها للتو بعض المسائل لتفكر فيها، وسأعود لأتفقدها حين تفرغ".
غادرَت شياولينغ الغرفة بعد أن وضعت الصينية. لاحظت جيانغشي أن شو يانغ بدا حرجاً بعض الشيء، على الرغم من أنه بذل قصارى جهده لإخفاء ذلك. لم يقضيا وقتاً طويلاً بمفردهما من قبل. وكلما زارهما شو يانغ، اقتصر الأمر عادةً على محادثة عابرة حول تقدم تيانيوي، وانتهى كل شيء. لكن جيانغشي كانت تمتلك أمراً مهماً لتناقشه اليوم.
قالت وهي تسكب الشاي لشو يانغ ثم لنفسها: "أخبرتني تيانيوي بأن لها أخاً جديداً. مبارك لكما".
قال شو يانغ: "شكراً لك. نأمل أن يرث الصفل شقيقته في المستقبل".
*هذا صحيح. ربما يمكنني اختبار ما إذا كان الصبي قد ورث السمة ذاتها التي تمتلكها تيانيوي.
بيد أن أياً من إخوتها الآخرين لا يبدو حائزاً لها.* سألت وهي تتفرس في رد فعل شو يانغ: "تيانيوي ذكية للغاية بلا شك. هل لاحظت يوماً أي شيء مميز آخر فيها؟".
سأل شو يانغ: "أي شيء مميز؟ مثل ماذا؟".
*يصعب علي حقاً تبين ما إذا كان صادقاً... يا للمتاعب.
إنه يشبه أخي تماماً.* ترددت جيانغشي برهة قبل أن تقرر عدم التسرع في الخوض بالأمر، وقالت: "حسناً، لا شيء. إنها فتاة محبوبة. أراك تقرأ عن تاريخ إمبراطورية شين؟".
رد شو يانغ وبدا مرتبكاً بعض الشيء: "آه، نعم".
قالت جيانغشي وهي ترتشف من شايها: "إنه لأمر بالغ الإثارة؛ قد يبدو لنا تاريخاً سحيقاً، بيد أنه لم يمضِ وقت طويل حقاً على وقوعه. بل إن ثمة عدداً قليلاً من الأساتذة العجائز الأحياء حتى اليوم ممن عاصروا إمبراطورية شين".
رفعت بصرها فلاحظت شو يانغ يرمقها باهتمام بالغ. *أتراه...
مهتماً بإمبراطورية شين؟* سأل شو يانغ بحذر: "حدث ذلك قبل مئة وخمسين عاماً... أهناك حقاً أشخاص قادرون على العيش طوال هذه المدة؟".
ابتسمت جيانغشي بخفة وقالت: "بالطبع".
فقد وجدت تعابير وجه شو يانغ مسلية للغاية. لقد ظنت أنه أقدر بكثير على إخفاء مشاعره مقارنة بابنته، لكن يبدو أنه يفقده أحياناً.
"عليك أن تعلم أن مقاتلي فنون القتال يعيشون أعماراً أطول من الناس العاديين، أليس كذلك؟".
أومأ شو يانغ برأسه وقال: "بلى".
وحدق إليها بعيني شاب يحدوه الفضول تجاه العالم.
"لكنني سمعت فقط أن المحاربين الفطريين يعيشون حتى مئة وعشرين عاماً أو نحو ذلك. أما ما يعلو ذلك المستوى، فأخشى أنه ليس من السهل الاحتكاك به هنا في مقاطعة كوو".
أومأت جيانغشي برأسها في تفكير وقالت: "هذا صحيح. حسناً، سأشرحه لك إذن. المحاربون الفطريون ليسوا بالأمر الشائع حتى في العاصمة، لكنهم ليسوا بالأمر الاستثنائي أيضاً. إذا ولدت في عائلة مقاتلة، فمن المؤكد أساساً أنك ستصل إلى المرتبة الفطرية بالاعتماد على سلالتك فحسب. لكن حتى بين العائلات المقاتلة، فإن بلوغ مرتبة الأستاذ يعد أمراً بالغ الندرة. تلكم هي المرتبة التي تعلو الفطرية، وهي قمة القوة الشخصية أساساً".
كرر شو يانغ: "أساساً القمة؟ أهناك مرتبة أعلى؟".
قالت جيانغشي: "بالطبع، توجد".
لقد اكتشفت أنها باتت تحب التدريس حقاً منذ أن اتخذت تيانيوي تلميذة لها. كان في الإجابة عن الأسئلة وإشباع الفضول متعة غامرة.
لذا تابعت الشرح بابتسامة: "فوق الأساتذة، توجد تقنياً مرتبة القديس. لكن استحالة بلوغها قائمة من دون فرصة هائلة. بل إن معظم الأساتذة لا يبلغون حتى حاجز تلك المرتبة، حتى بعد التدرب لعقود. وغالباً ما يُطلق على الأساتذة الذين بلغوا القمة لقب الأسياد الكبار، بيد أن ذلك ليس مرتبة مستقلة، بل مجرد لقب يمنح لمن لمسوا عتبة مرتبة القديس".
سأل شو يانغ: "إذن، القديسون نادرون للغاية؟".
أجابت جيانغشي: "نادرون للغاية. لكن بعض الناس عبر التاريخ بلغوها، وهو أمر موثق جيداً. ولعلها نعمة أن يكونوا بهذه الندرة مع ذلك. فوفقاً للسجلات، يتمتع القديسون بقوة تفوق الاستيعاب حقاً. القديس هو جيش مكون من رجل واحد أساساً. ويقال إن مئة أستاذ كبير لا يستطيعون مجرد لمس أطراف ثياب القديس. طبعاً، يصعب التحقق من صحة ذلك. والقديس الوحيد المعروف المتبقي على قيد الحياة حالياً هو إمبراطور إمبراطورية ليسهن في الشمال. وحتى إن وجد غيره، فلن تجد أي منهم في مملكة يان على الأرجح".
أفلت شو يانغ بسؤال: "وماذا عن المراتب التي تعلو مرتبة القديس؟".
توقفت جيانغشي مذهولة بعض الشيء قبل أن تنفجر ضاحكة: "يبدو أنك تشبه ابنتك تماماً".
فنادرًا ما كانت تيانيوي تتوقف لتروي الأمور بتأنٍ؛ بل كانت تريد الاندفاع مباشرة نحو السؤال التالي.
تابعت جيانغشي قائلة: "على أي حال، لم أسمع أو أقرأ قط عن أي إنسان أو وحش بلغ مرتبة أعلى. فأن تصبح قديساً يجعلك لا تقهر بالفعل، لذا ربما ظل الأمر طي الكتمان حتى لو وجد شخص كهذا في يوم ما".
أعاد شو يانغ المحادثة إلى مسارها وسأل: "أرى ذلك... إذن كم يعيش هؤلاء الأساتذة؟".
"صحيح. يختلف الأمر، لكن لا ينبغي أن يكون صعباً على الأستاذ الكبير أن يعيش حتى مئة وخمسين عاماً. وعليه، فإن بعض الأشخاص ممن عاصروا تلك الفترة التي كنا فيها جميعاً جزءاً من إمبراطورية شين ما زالوا أحياء بالفعل، لكنهم لم يشغلوا أي مناصب مهمة. والأشخاص الذين أعنيهم هم قديسو ذلك العهد. في ذلك الوقت، ومع خضوع مساحة شاسعة لسيطرة قوة واحدة، استطاعت عائلة شين تنشئة عدد لا باس به من القديسين. وحتى لو كان القديس العلني الوحيد هو إمبراطور ليسهن، فلا يتطلب الأمر عبقرية لندرك وجود قديسين آخرين هناك".
كانت جيانغشي نفسها تعرف القليل منهم، لكنها لم تنوِ الإفصاح عن كل ما تعرفه. لقد أتت إلى هنا لمناقشة أمرين بالغَي الأهمية.
وضعت فنجان الشاي على الطاولة وتابعت الحديث بتعبير أشد جديّة: "على كل حال، لم يكن هذا ما جئت لأتحدث بشأنه. لابد أنك سمعت بما جرى في بلدة جين، أليس كذلك؟".
أومأ شو يانغ بوجه مكفهر: "لقد سمعت".
لم تتفاجأ جيانغشي. فمثل هذه الأنباء يستحيل احتواؤها. ولعلها تُتداول في المنازل بجميع أنحاء مملكة يان الآن. بلدة جين هي بلدة صغيرة في مقاطعة ليجيا، وتكقع مباشرة إلى الغرب من مقاطعة كوو. قبل نحو شهر، وقع حادث حيث شرع بضعة محاربين فطريين وعشرات المقاتلين الآخرين في حملة قتل عشوائي وسط البلدة فجأة. وقد أوقفوا أخيرًا حين وصلت التعزيزات من مكتب مقاطعة ليجيا. لكن الكارثة كانت قد وقعت.
تحولت البلدة إلى ركام تام، وابيد شبه كامل سكانها.
سألت جيانغشي: "أتعلم من المسؤول؟".
هز شو يانغ رأسه نفياً. كانت جيانغشي تخمن أن شو يانغ لا علم له بالأمر. وحتى هي لظلت في عتمة الجهل لولا شقيقها الذي حرص على زيارتها قبل أيام ليحذرها.
أردفت جيانغشي بصوت كئيب: "لقد تبين أنهم من مملكة وين. وبحسب الظاهر، نجحت عائلة وين في ربط الاتصال بقوة في أقصى الغرب. ويبدو أنهم تلقوا نوعاً من فنون القتال الشريرة من هناك وأحضروها إلى هنا. لا ألم بكل التفاصيل، لكن يبدو أن هذا الفن يساعد المقاتل على اختراق الحواجز عبر قتل الآخرين. كيف يحدث ذلك؟ لا أدري حقاً. لكنه لا يأتي مجانياً بطبيعة الحال. فهؤلاء "المحاربون الأشرار" يبدو أنهم يتقدمون في العمر أسرع بكثير من المعتاد. ويا له من حظ حسن أن الأمر كذلك، وإلا فلا أعرف كم عدد أولئك الذين سيحاولون الحصول على هذا الفن ثم يباشرون المذبحة. لكن الفن مثالي للاستخدام مع الجنود. ترسلهم عبر الحدود حيث تتمثل مهمتهم في القتل وإثارة الفوضى والاضطراب. وإن ماتوا فلا ضير، إذ لم تكن لديهم مواهب تذكر في الأصل. أما إن استمروا في القتل دون أن يُكشف أمرهم، فيمكنهم النمو ليصبحوا أساتذة فائقين في القوة".
تحول وجه شو يانغ إلى مزيد من التجهم مع استرسال جيانغشي في الحديث.
قطب شو يانغ حاجبيه بقلق وسأل: "هذا... أتحضّرون لحرب؟".
قالت جيانغشي: "رجح ذلك".
انتظرت بينما استوعب شو يانغ ما قالته. كانت تعلم أن لديه من الهموم ما يفاقم همومها. فلو اندلعت الحرب، لربما وجدت عائلته نفسها عالقة في خضمها. وما قسوة شو يانغ الضئيلة كمقاتل من الدرجة الأولى بالشيء الذي يعتمد عليه. ستكون جيانغشي مستعدة بالطبع لرعاية تيانيوي إن حدث مكروه؛ فهي تلميذتها. لكنها لا تملك حقاً القدرة على رعاية عائلة شو بأسرها. فحتى حماية تيانيوي ستتطلب جهداً.
ولم تكن جيانغشي محبوبة كثيراً داخل عشيرتها العائلية.
أضافت جيانغشي خشية أن يفرط في القلق: "ليس وقت الهلع بعد. أردت فقط أن تعلم لتكون على أهبة الاستعداد".
قال شو يانغ بامتنان: "شكراً لك، سيدتي جيانغشي، على كل شيء".
"لا شكر على واجب. ولكن حقاً، لا داعي لليأس. مملكة يان ليست ضعيفة، وحتى إن استمرت الأمور في التصاعد من هنا، فلا تزال الحرب الشاملة على بعد عدة سنوات".
أسند شو يانغ ظهره إلى مقعده وتنهد.
وبعد لحظة صمت، ضحك شو يانغ خفيفاً وقال: "أظن أنني بحاجة إلى أن أكون أكثر صرامة مع تدريب تيانيوي القتالي في المستقبل. للأسف، لا تتمتع بموهبة تيانرين، لكن كل قطرة قوة لها اعتبارها".
ردت جيانغشي بابتسامة مواسية: "أظن ذلك. لكني لا أنصح بتعقيد الآمال. فبعض الناس ليسوا مفطورين على فنون القتال. يمكنني أن أرى أن ابنتك تشبهني تماماً. مهما حاولت عائلتي دفعي للتدرب، كنت أود قضاء وقتي في القراءة فحسب".
*طبعاً، مع سلالتي، بلغت المرتبة الفطرية بسهولة حتى من دون بذل جهد يذكر.* هز شو يانغ رأسه وقال: "والدتها على المنوال ذاته".
"بعض البشر هكذا حقاً. لكن البراعة القتالية ليست المعيار الوحيد لقياس القوة، حتى وإن ظن أغلب الناس عكس ذلك. ابنتك..."
بدأت جيانغشي كلامها، لكنها توقفت وسكتت. *لا بأس بالحديث عن هذا. ومع تيانيوي كَتِلميذة لي، سأرتبط بعائلتها بشكل أو باآخر.
وأنا مهتمة حقاً حقاً...* سأل شو يانغ: "ما شأن ابنتي؟".
سألت السيدة جيانغشي رغبة في التيقن: "أتمانع أن تكذب عليّ؟".
"ماذا؟"
نهض شو يانغ قليلاً عن مقعده وحدق إليها بملامح مرتبكة.
طلبت جيانغشي مجدداً: "سأشرح قريباً. فقط قل لي كذبة. أي كذبة".
قال شو يانغ بتريث: "إذن... اسمي جيانغشي؟".
ركزت جيانغشي بتمعن، لكنها عجزت عن التيقن تماماً.
ابتسمت جيانغشي في سرها وقالت: "كما توقعت".
حدق إليها شو يانغ بنظرة استفهام فحسب.
قالت جيانغشي: "أنا آسفة. ما أوشك على إخباره لك ليس سرا دقيقاً، لكنني أفضّل ألا ينتشر أكثر مما ينبغي".
كانت قدرتها معروفة جيداً في العائلات الكبرى، بيد أنها فضلت أن يعرفها أقل عدد ممكن من الناس.
وعدها شو يانغ: "بالطبع. لن أنبس ببنت شفة".
اكتفت جيانغشي بهز رأسها مبتسمة. فلم تستطع تبين صدقه من كذبه. *يا للإزعاج.
الأمر أسهل مع تيانيوي، فهي لا تزال صغيرة، لذا تبدو الحقيقة جليّة على وجهها معظم الوقت.* "عليك أن تعلم شيئاً عن السلالات، أليس كذلك؟ كيف ينجح أفراد العائلات المقاتلة في التقدم بسرعة وسهولة بفضل قوة سلالتهم؟".
أومأ شو يانغ قائلاً: "أعرف الأساسيات".
وأشار إلى الكتاب الذي كان يقرؤه وتابع: "مؤلف هذا كتاب يعتقد أن العائلات المقاتلة الحالية كلها تنحدر من سلالة إمبراطورية شين في الإمبراطورية القديمة".
أوضحت جيانغشي: "الغالبية الساحقة منها كذلك، هذا مؤكد. لكن ليس كلها تماماً. ليس مستحيلاً على عائلة أن تنبعث من العدم وتؤسس سلالة مقاتلة؛ بل هو أمر شديد الصعوبة وحسب. لكن على مدى فترة طويلة، لابد أن تظهر بعض العائلات لا محالة".
وكانت تعلم أن معظم العائلات المقاتلة الأخرى في مملكة يان ما هي إلا فروع لعائلة إمبراطورية شين القديمة، غير أنها تحمل كُنايات جديدة. لكن بضع عائلات ظهرت أيضاً منذ تأسيس مملكة يان قبل مئة وخمسين عاماً.
سأل شو يانغ بفضول: "آه؟ وكيف يتسنى لهم رفع مرتبة سلالتهم؟".
ابتسمت جيانغشي في سرها. فقد خمنت أن شو يانغ سيكون مهتماً برفع مستوى سلالته. فنادراً ما رأت مزارعاً طموحاً كهذا. كما أنه يتمتع بموهبة لا باس بها في الفنون القتالية نظراً لسلالته الضعيفة.
*لسوء الحظ، زيادة قوة سلالتك ليست أمرا سهلا بهذا القدر.* ومع ذلك استمرت جيانغشي في الشرح: "كون سلالتك ضعيفة لا يعني أنك عاجز عن ممارسة فنون القتال. فبعض الناس يولدون موهوبين وحسب. ومع تقدمهم، تتنامى قوة سلالتهم. طبعاً، بلوغ مرتبة الأستاذ يتطلب قدراً هائلاً من الموهبة. بيد أن أولئك العباقرة موجودون حقاً. كان سلف إمبراطورية شين عبقرياً نادراً إلى هذا الحد. لكن الأهم من ذلك أنه لم يكن موهوباً فحسب، بل حظي بحظ وافر كذلك. فقد عثر صدفة على رفات وحش نادر وقوي، واستخدم الطاقة المتبقية في عظامه ولحمه ليخطو خطوة أخرى للأمام، ويبلغ مرتبة القديس أخيراً. وبقوته وطموحه، وحد العالم تحت حكمه وأسس عائلة حكمت لأجيال".
قال شو يانغ: "أرى ذلك، إذن حتى من دون سلالة قوية، ثمة أمل. وإذا نجحت في تحقيق ذلك، فيمكنك توريثه لأطفالك، ليحظوا ببركات سلالتك".
هزت جيانغشي رأسها وقالت: "حسناً، ليس الأمر بهذه السهولة تماماً. فمن المعروف أن السلالة الجديدة يجب أن تُصقل عبر ثلاثة أجيال لتترسخ بحق. وذلك أسهل قولاً من فعله. فجل الأساتذة لا يملكون سوى مراقبة أبنائهم وهم يعجزون عن وراثة مواهبهم وسلالاتهم، لتضئل مع كل جيل عابر. ولم يتأتى ذلك إلا لأن سلف عائلة شين استولى على تلك المساحة الشاسعة من الأرض لدرجة مكنته من جمع الموارد اللازمة لتمكين ابنه وحفيده من بلوغ مرتبة القديس وصقل السلالة بالشكل السليم. لكن لا شيء يدوم للأبد. فإذا أخفقت الأجيال القادمة في إنتاج قديس جديد، فستتلاشى السلالة في النهاية، حتى بعد صقلها".
*لو لم يكن الأمر كذلك، لما كانت عائلة ليسهن الفرع الوحيد لعائلة إمبراطورية شين الذي نجح في رعاية قديس جديد.* أوضحت جيانغشي: "لكن السلالة المقدسة تظل استثناءً نادراً عبر التاريخ".
ولم تكن تعرف سوى سلف شين الذي كتب له النجاح.
"فمعظم العائلات المقاتلة تحتاج فقط لرعاية الأساتذة للحفاظ على قوة السلالة".
ارتشفت جيانغشي جرعة شاي لترطب حلقها. فقد انخرطت في حديث أطول بكثير مما نوت في الأصل.
"على أي حال، لقد حدت عن الموضوع. ما أردت الوصول إليه هو أن السلالات تتجاوز ما يعتقده معظم الناس. فالأمر لا يقتصر على قوة السلالة وحدها التي تيسر التقدم"، هكذا تكلمت جيانغشي لتنتقل أخيراً إلى الأمر الذي رغبت بمناقشته.
"أتدري، في حالات نادرة، يمكن للسلالة أن تورث سمة فريدة أيضاً، وسلالة عائلتي تصادف امتلاكها لمثل هذه السمة".
رفع شو يانغ حاجبيه قليلاً. لكنه لم يبدِ دهشة بالغة.
* * *
لم تستطع جيانغشي كبح شعور طفيف بالحماس. فقد كادت تقتل فضولها على مدار الأشهر الثمانية الماضية.
"القدرة التي ورثتها من سلالتي هي القدرة على استشعار ما إذا كان المرء صادقاً أم كاذباً. إنها ليست مطلقة بالطبع، فلا زال بإمكاني الانخداع إن كان المتحدث أستاذاً، لكن ذلك نادر الحدوث. هذه السمة ليست حكراً علي وحدي؛ بل تتجلى لدى بعض أفراد عائلتي في كل جيل. قد تبدو هينة مقارنة بالقوة الخام لمقاتلي الفنون القتالية، لكنها كانت محورية لعائلتي منذ ظهورها الأول".
ربما لم تصنع جيانغشي مسيرة مهنية عظيمة بقدرتها هذه، لكن شقيقها الأصغر حقق نجاحاً باهراً في كشف مؤامرة مملكة وين. بوسع أي شخص يمتلك قدراً يسيراً من القوة قهر أولئك المحاربين الأشرار، لكن استخلاص أي معلومات منهم كان أمراً بالغ الصعوبة.
تابعت جيانغشي وهي ترمق شو يانغ بنظرة مترقبة: "الشيء الذي يثير اهتمامي حقاً حيال تيانيوي، بل وحيالك أنت أيضاً، هو أن قدرتي تبدو عديمة الجدوى عندما تتعلق بكما".
لم يسبق لها أن صادفت أحداً تعجز عن قراءة دخيلته، باستثناء أفراد عائلتها ممن يملكون ذات القدرة وبعض الأساتذة الأقوياء. عندما التقت تيانيوي للمرة الأولى في متجر المجوهرات، ظنت في البداية أنها مجرد طفلة ذكية ومحبوبة للغاية. لكنها فوجئت تماماً عندما نجحت تيانيوي في الكذب بشأن عمرها. وحتى لو كانت كذبة صغيرة وغير مهمة إطلاقاً، فإن تيانيوي كانت تنوي الخداع يقيناً حين أخبرت جيانغشي أنها في الثامنة من عمرها.
وتلك النية هي مربط الفرس. وما كان لجيانغشي أن تخفق في ملاحظتها أبداً.
سأل شو يانغ: "عديمة الجدوى؟".
زمت جيانغشي شفتيها قليلاً. بدا شو يانغ غير آبه. لكنها عجزت حقاً عن تبين صدقه من كذبه.
سألت جيانغشي: "يبدو أنك لم تدرك شيئاً؟".
"أخشى ذلك حقاً. كل ما في الأمر أن تيانيوي كانت دائماً بالغة الذكاء نسبة لعمرها، وما عدا ذلك فلم ألاحظ شيئاً. أترين أنني قد أحمل سمة خفية في سلالتي تحجب قدرتك؟".
أجابت جيانغشي: "هذا هو الاحتمال الوحيد الذي يخطر ببالي. وإن استطاعت حجب قدرتي، فلا بد أنها سمة من المستوى ذاته".
أجاب شو يانغ ويبدو عليه الصدق التام: "حسناً... لا يمكنني التفكير في أي شيء سوى الذكاء حقاً".
قالت السيدة جيانغشي بابتسامة خفيفة: "لا بأس. كنت فضولية فحسب".
لكنها شعرت بخيبة أمل طفيفة في قرارة نفسها. فنادراً ما يصادف المرء سمة سلالة فريدة، لا سيما خارج العائلات المقاتلة. *حسناً، أظنني سأتمكن من معرفة ذلك ذات يوم. فكلما كبرت تيانيوي، لا بد أن تلاحظ شيئاً عاجلاً أم آجلاً.* بقيت جيانغشي لدقائق معدودات في أحاديث عابرة، ثم نهضت مغادرة. لقد حذرت شو يانغ بشأن الحرب واستفسرت عن سمة سلالته. لقد حان وقت العودة لتفقد تيانيوي. كانت جيانغشي متلهفة لمعرفة الإجابات التي توصلت إليها الفتاة عن أسئلتها.
فتيانيوي تمتلك طريقة فريدة للغاية في التفكير. وفكرت بتلميذتها اللطيفة فابتسامت لتتخلص من خيبة أمل فضولها الذي لم يُشبع.
تُرك شو يانغ وحده في المكتبة مرة أخرى. فرك جبينه عابساً. كان قد خرج بالكثير من حديثه مع السيدة جيانغشي، لكن أموراً أكثر بكثير صارت تؤرقه الآن.
"من كان يظن أن لدى السيدة جيانغشي قدرة غريبة إلى هذا الحد؟ من حسن الحظ أنها لا تؤثر فيّ. سيكون الأمر مقلقاً ألا أستطيع الكذب من دون أن ينكشف أمري."
"لكن يبدو أن السلالات قد تختلف كثيراً في السمات التي تحملها. عليّ أن أضع ذلك في الحسبان من الآن فصاعداً. لا أحد يعلم أي قدرة غريبة قد يملكها عدوك."
حين فكر شو يانغ في قدرة السيدة جيانغشي، لم يستطع منع نفسه من الشعور بشيء من الغيرة. فالقدرة على التمييز بين الصدق والكذب ستكون نافعة جداً له في المستقبل.
"لو زوّجت أحد أبنائي بفرد من أسرتها، أفلا ينجبان حفيداً يحمل تلك السمة؟ وإن حدث ذلك، فسأتمكن أنا أيضاً من اكتسابها."
"لكن ذلك لا يزال بعيداً. فعائلة السيدة جيانغشي أعلى من مستواي بكثير في الوقت الراهن."
"لكن لماذا تعجز قدرتها عن التأثير فيّ؟ أذلك بسبب شجرة السلالة؟ لا، فهذا لا يفسر عجزها عن رؤية حقيقة تيانيوي."
"الشيء الوحيد المشترك بيننا، على ما يبدو، هو سمة «صفاء الذهن». فهل يمكن أن يكون هذا هو السبب؟ هل تخفي هذه السمة أكثر مما ظننت؟"
هز شو يانغ رأسه قليلاً. ستتضح هذه الأمور في المستقبل. أما الآن، فكانت هناك أمور أخرى تشغل بملك. حين فكر في الحرب التي قد تندلع، شعر شو يانغ بالبرد. لا يفصل بين مقاطعة كو ومملكة وين سوى مقاطعة ليجيا الصغيرة. وكان ذلك أقرب مما يبعث على الاطمئنان بكثير.
"أظن أنني كنت محظوظاً للغاية لأنني استطعت أن أنمو بسلام مع عائلتي طوال هذه المدة."
"لكن عليّ الآن أن أستعد تحسباً لاندلاع الحرب... ربما يجدر بي أن أحاول توسيع تجارتي أكثر نحو الشرق. يمكنني ادخار بعض المال وافتتاح متجر في المقاطعة المجاورة. وهكذا ستكون لعائلتي ملاذ آمن تلجأ إليه إذا اضطررنا إلى الفرار."
"يبدو أن ذلك قد ينجح. سأحتاج إلى أن أخطط لكل شيء كما ينبغي حين أعود إلى المنزل."