كان شو يان يسير في الشارع قاصداً المكتبة، متحفزاً، وعيناه تمسحان ما حوله. إن لاح أي أثر لخطر، فسيهرب بأقصى سرعة يستطيعها. شعر بأنه ربما يكون حذراً أكثر من اللازم، لكن لم يكن أمامه خيار، فما يمتلكه أغلى من أن يخسره بسبب التهور. بقوته كمقاتل من الدرجة الأولى، لم يعد بحاجة لتوخي الحذر الشديد في بلدة تشونسي، لكن مدينة كوو كانت مختلفة. هنا يوجد مقاتلون متمرسون. ولم يكونوا واحداً أو اثنين، بل عرف شو يان أن هناك خمس قاعات فنون قتالية على الأقل تضم مقاتلين متمرسين في المنطقة. وتأكد أيضاً من أن بعض العائلات النافذة والمسؤولين رفيعي المستوى في مكتب المقاطعة يملكون نصيبهم من هؤلاء المقاتلين. حتى وإن كان احتمال مصادفة مقاتل متمرس ضئيلاً، واحتمال استهدافه أقل، لم يستطع شو يان منع نفسه من رهبة هذا الاحتمال. كان المقاتلون المتمرسون أقوياء للغاية. المقاتلون من الدرجات الثالثة والثانية والأولى أقوياء أيضاً، لكن قوتهم تظل بشرية إلى حد ما. فكون شو يان مقاتلاً من الدرجة الأولى لا يعني أنه يستطيع لكم ثقب جدار، أو شق أحدهم نصفين بسيف. نظرياً، يستطيع الناس العاديون مواجهة المراحل الأولى للمقاتلين إن امتلكوا مهارة وعدداً أكبر. يزيد المقاتل من الدرجة الثالثة قوته بنحو ثلاثين بالمئة عند ترقيه، وتصل تلك النسبة إلى نحو خمسين بالمئة في ذروتها. يكفي هذا بلا شك لإحداث فرق معتبر، فلا تزداد القوة وحدها، بل يصبح الجسد أكثر صلابة وقدرة على التحمل. ورغم ذلك، إن حوصرت بجمع من اللصوص المسلحة بأسلحة حادة، فقد تلقى حتفك لا محالة، حتى وإن كانوا أناشاً عاديين. يأتي الترق إلى المرحلتين الثانية والأولى بتحسن مشابه نسبته ثلاثين بالمئة بعد التطور مباشرة، وخمسين بالمئة في الذروة. في النهاية، تبلغ قوة المقاتل من الدرجة الأولى ثلاثة أضعاف أو أربعة أضعاف قوة الإنسان العادي، اعتماداً نوعاً ما على الجينات والفنون القتالية. بالطبع، هذا تحسن هائل، وهو سبب الاحترام الكبير الذي يحظى به المقاتلون. لكنهم يعاملون في النهاية كبشر عاديين، أشد قوة فحسب. أما المقاتلون المتمرسون فمختلفون. إنهم في مستوى مختلف حقاً. لا يُنظر إليهم كأشخاص أقوياء فحسب، بل كفئة فريدة وحدها. هم في الأعلى، والجميع في الأسفل. لم تكن خبرة شو يان واسعة، لذا لم يلم بالتفاصيل الدقيقة. لكن حسب ما سمع، لا يقتصر المقاتلون المتمرسون على تقوية أجسادهم فحسب؛ بل تكمن في أجسادهم نفحة من طاقة أصلية يملكون السيطرة عليها. لا تستخدم هذه الطاقة لتقوية اللكمات والركلات لحظياً فحسب، بل يمكن تشريب الأسلحة بها أيضاً. يستطيع المقاتل المتمرس لكم الصخور وشق المعدن بسكين دون أدنى مشكلة. لا يقتصر هذا التهديد على التعرض للضرب المبرح، بل يرقى إلى الموت بغتة. حتى وإن كان الشخص العادي هالكة لا محالة سواء واجه مقاتلاً من الدرجة الأولى أو مقاتلاً متمرساً، فهناك شعور باليأس لا يبعثه في النفوس سوى المقاتل المتمرس. لم يكن شو يان بمنأى عن هذا الشعور. لم يخش أن يكون أضعف قليلاً من خصمه، لكنه خشى أن يُسحق كنمطة. الفرق بين وجود الأمل وانعدامه راسخ بعمق في نفوس البشر جميعاً. وفي النهاية، لهذا السبب يحظى المقاتلون المتمرسون بهذا التوقير مقارنة بمن دونهم من المقاتلين. "لقد بدأت للتو ممارسة فني القتالي عالي المستوى المستنبط حديثاً منذ بضعة أشهر، لذا لا يمكنني الجزم بموعد ترقي. لكنه سيستغرق بضعة أعوام على الأرجح. آمل فقط أن تسعفني موهبتي لتجاوز هذه العقبة. لقد اعتدت غياب الاختناقات الآن، ولست مستعداً للرجوع إلى الوراء". بينما لمح شو يان تلك المكتبة المهيبة في نهاية الشارع، لاحظ بضع عربات اصطفت بجانب الطريق. ودقق النظر فرأى أن هذا متجر لبيع العربات. أبطأ شو يان خطاه قليلاً متفرساً بحثاً عن سعر ما. - هل أنت مهتم بشراء عربة يا سيد؟ اقترب رجل من شو يان مستفسراً بأدب. لم يستطع شو يان إلا أن يُعجب قليلاً بمستوى الخدمة هنا في كوو. حتى وإن هندم ثيابه قبل مغادرته وارتدى ملابس نظيفة جديدة، فلم يظن يوماً أنه يبدو ثرياً لدرجة شراء عربة. ولن يُبدد شو يان ماله على الثياب بثرائه الشحيح الحالي. - كم تبلغ تكلفتها؟ لم يستطع شو يان منع نفسه من السؤال. - تتفاوت تفاوتاً كبيراً، أجاب الرجل مبتسماً: بعض العربات الفاخرة المصممة خصيصاً والتي صنعناها بيعت بآلاف القطع الذهبية. لكن هذا استثناء بالطبع. عربتنا المعيارية ذات الميزانية المحدودة لا تكلف سوى ألف ومائتي قطعة فضية. أشار الرجل إلى إحدى العربات في الشارع أثناء حديثه. لم تشبه العربة تلك العربات الفاخرة التي شاهدها في أنحاء المدينة بحال، لكنها بدت متينة ومصنوعة بإتقان. في بلدة تشونسي، وحتى إن توفرت عربات أكثر فخامة، فلن يزهد الناس في هذه قط. وفي قرية بايشو، لم تملك سوى عائلة ليان عربة، ولم يظن شو يان أنها تبدو أفضل كثيراً من الماثلة أمامه. "ألف ومائتي قطعة فضية... إنه مبلغ كبير، لكني أستطيع تحمله". ومع تعمقه في التفكير، أدرك شو يان أن شراء عربة ليس فكرة سيئة على الإطلاق. سيتمكن من العودة إلى منزله أسرع دون الحاجة للسفر سيراً على الأقدام. وسيشكل السفر ذهاباً وإياباً إلى بلدة تشونسي ميسرة بالغة في المستقبل. لكن السبب الأهم هو أن امتلاك عربة سيسمح له بتصدير خمري إلى البلدات المجاورة دون القلق من تدخل التجار واقتطاع نسبتهم. "حتى الآن، تستوعب بلدة تشونسي والقرى المجاورة كل ما أنتجته من خمر. لكني وسعت حقولي مؤخراً، وحصاد العنب هذا العام يضاعف حصاد العام الماضي ثلاث مرات. لا تستوعب بلدة تشونسي سوى قدر محدودة؛ لذا لا بد لي من توسيع التجارة عاجلاً أم آجلاً". "أن أفعل ذلك مبكراً خير من أن أتأخر. هكذا أستطيع المضي ببطء وثبات، بلدة تلو الأخرى. وربما أفتتح متجراً هنا في مدينة كوو يوماً ما". قال شو يان: "سأفكر في الأمر وأعود"، لكن عقله كان قد حسم أمره تماماً. إنه اشترٍ هذه العربة لا محالة. قال الرجل مبتسماً دون أن يظهر أي انزعاج: "حسناً إذن، طاب يومك". ابتسم شو يان ملوحاً بالوداع. فحتى وإن أراد العربة، فسيكون من غير الملائم شراؤها الآن. عليه قضاء أعماله الأخرى أولاً. سيشتري بعض الكتب، ثم يبحث عن نزل يبيت فيه ليلته. وسيكون رائعاً أيضاً الجلوس والحديث مع الناس في حانة لمعرفة إن كانت هناك أخبار مثيرة للاهتمام. ثم غداً، إن لم يغير رأيه، سيشتري بعض الهدايا للصغار ثم يقتني العربة ويتوجه إلى البيت مباشرة. "علي شراء حصان ليجر العربة أيضاً. وربما حصانين. إن لم أدقق كثيراً في الجودة، فيجب أن أتمكن من الحصول عليهما بمائتي قطعة فضية لكل منهما". "هذا، إلى جانب العربة نفسها، سيكلف ألفاً وستمائة قطعة فضية. ولن يتبقى الكثير للكتب والهدايا، لكنه سيكفي. وستبقى العائلة فقيرة بعض الوقت. سأضطر لتدبير أمري حتى يحل الربيع ويبدأ بيع الخمر". دخل شو يان المكتبة وأخذ يتلفت حوله. ولم يستطع منع نفسه من الحماس؛ فلم يتمكن من تحمل تكاليف الكتب حتى الأعوام القليلة الماضية، وكانت الخيارات محدودة للغاية في بلدة تشونسي. أما الآن، فهناك ما يكفي من الكتب لملء مبنى بأكمله. تقدم شو يان بخطى حثيثة نحو أقرب رف وألقى نظرة سريعة على الأسعار. "تبدو أغلب الكتب بين عشر وعشرين قطعة فضية. لكن الكتب الأكثر تقدماً ترتفع أسعارها كثيراً". لمح شو يان سريعاً كتاباً بسعر مائة وثلاثين قطعة فضية وشعر مجدداً بأنه فقير للغاية. "لا بأس، فلن أستطيع الظفر بكل ما أريده على أي حال. سأشتري الكتب التي أراها الأهم فقط ثم أعود مرة أخرى حين أدخر بعض المال الإضافي". مرت ساعات، وشق شو يان طريقه عبر أغلب أرجاء المتجر. مع أنه اكتفى غالباً بإلقاء نظرة خاطفة على العناوين. ولم يلتقط ويتصفح سوى عدد قليل منها. لم يستطيع شراء جميع الكتب التي دونها تشانغي من أجل الامتحانات الملكية، لذا قرر الاكتفاء بأهم الكتب التي تعوز فيها معرفته. إلى جانب ذلك، اختار مجموعة كتب تفصل مختلف القوى في مملكة يان، فضلاً عن كتب تناقش الممالك المجاورة. كان هذا ما يثير اهتمام شو يان أكثر. وظن أيضاً أنه سيكون مفيداً لأطفاله إدراك العالم الأوسع، لئلا يظنوا أنهم بلغوا القمة لمجرد أن عائلتهم بدأت تكتسب بعض المكانة في قرية بايشو الصغيرة. لم يتوقف شو يان عن قراءته النهمة إلا حين لمس نظرة الاستياء في عين صاحب المتجر. انتقى الكتب التي استقر رأيه عليها وتوجه إلى الطاولة للدفع، مما جعل صاحب المتجر يبدل عبوسه بابتسامة ودودة. وفي النهاية، التقط شو يان كتاباً عن الخيمياء أيضاً. لم يكن متقدماً؛ ولم يتضمن حتى وصفة حبوب تغذية الدم والطاقة. لو فعل، لكان باهظ الثمن. لكن شو يان رأى أنه سيكون من الجميل اقتناؤه في البيت. وإن أبدى أي من أطفاله أو أحفاده اهتماماً بهذا الكتاب في المستقبل، فسيمكنه السفر مجدداً وشراء ما هو أكثر تقدماً. بلغت التكلفة الإجمالية ثلاثمائة وستين قطعة فضية مقابل جميع الكتب التي اختارها. "يبدو أن علي العثور على نزل رخيص لأبيت فيه الليل. فلا طاقة لي بأكثر من ذلك". "لكن الحصاد هذه المرة عظيم!" ومع تفكيره في الكتب التي يحملها في حقيبته على ظهره، ابتسم شو يان باشاً. لم يكن هذا لأجله وحده، بل سيساعد أبناءه جميعاً وأحفاده في المستقبل على اكتساب المعرفة. أضف إلى ذلك الفنون القتالية والعربة، فشعر شو يان أن عائلته ستخطو قفزة جبارة إلى الأمام هذه المرة.
شجرة السلالة: بناء العشيرة الفصل 17 — المكتبة
اقرأ شجرة السلالة: بناء العشيرة الفصل 17 — المكتبة باللغة العربية على مانجا تايم.