مضت أسابيع قليلة، وكان شو يانغ قد فرغ من حصاد معظم حقوله لهذا العام. وبات عليه الآن أن يركز على صنع خمره الذي سيبدأ بيعه في الربيع القادم، وذلك قبل أن يستقبل الشتاء. قال في نفسه: "آن أوان الرحيل إلى مدينة كوو، وإلا فلن أغادر حتى العام القادم". اقترب تيارين من شو يانغ وقال: "أبي، أشعر أنني لا أستطيع فعل الكثير حيال سيف تيانهو حتى بعد أن تطورت. ربما يجب أن أبدأ بالتدرب على السيف أنا أيضاً؟" ابتسم شو يانغ وسأله: "أمتيقن أنت أنك لا تظن السيف رائعاً فحسب؟" تردد تيارين، فقد بدا أخوه رائعاً حقاً وهو يلوح بالسيف. وقال: "أريد فقط أن أكون قوياً قدر الإمكان. وإن ظهر أحد أولئك القتلة حاملاً سيفاً، فسأكون عارياً بلا دفاع". قال في نفسه: "صحيح أن فن القتال الذي استنباطه لا يقدم عوناً يذكر في الحركات السريعة التي تفيد في تفادي السيوف. فهو يركز أكثر على القوة الخالصة المستمدة من اللكمات البطيئة والثابتة". أجاب شو يانغ: "إن كنت ترغب حقاً في السيف، فسأحضره لك. لكن عليك أن تفكر بالأمر ملياً. فننا القتالى لا يساعد في حركات السيف، وسيتعين عليك الاعتماد كلياً على فهمك الخاص لتتدرب. ومع أن جلدك قد يظل هشاً، والسيوف خطيرة، فما زلت مقاتلاً من الدرجة الثالثة فحسب. قد يأتي يوم تصبح فيه قوياً بما يكفي لتتجاهل النصال الحادة، وحينها يمكنك اختراق حركات السيافين البهلوانية بلكماتك. إن كنت تسألني، فأقول لك إن عليك التركيز على التقدم، ببطء وثبات، كما كنتم تفعلون. وفي الوقت نفسه، واصل التدرب على القتال مع أبناء عمومتك لترى مواطن قصورك. قد يكون الجواب الأفضل هو أن تمارس فن السيف بنفسك، لكن لا تتسرع في أي شيء". أومأ تيارين وقال: "أنا أفهم". ابتسم شو يانغ وقال: "حسناً، الأمر متروك لك في النهاية. إن كنت تظن السيوف رائعة، فقد يكون ذلك سبباً كافياً. لا يسعني إلا تقديم بعض النصيحة. أنت وحدك من يتعين عليه أن يقرر أي نوع من المقاتلين، وأي نوع من البشر، تريد أن تصبح، ثم تنفذ الخطوات الصحيحة للوصول إلى هناك". مع أن شو يانغ كان يرى أن التدرب على السيف هو الطريق الخاطئ لتيارين، إلا أنه لم يرغب في تقييد ابنه أكثر من اللازم الآن بعد أن أصبح مقاتلاً من الدرجة الثالثة. لم يكن الأمر أنه يحتقر السيافين، بل إن شو يانغ نفسه لا يعرف شيئاً عن الأمر، وبحسب ما يعلم، لم يمارسه أحد في المنطقة المحيطة إلى أي درجة عالية. وربما سيصبح تيارين مقاتلاً أفضل بكثير إن تمسك بقبضاته، فهناك الكثير ممن يمكنهم إرشاده في هذا الطريق. والسبب في إعطائه سيفاً لتيانهو هو، أولاً، إصراره الشديد عليه. فقبل ثلاث سنوات، بدأ يتحدث عن السيوف طوال الوقت، سائلًا أباه عن كل ما يعلمه عن السيافين. روى شو يانغ بضع قصص استوحاها مما قرأه في حياته السابقة، ومنذ ذلك الحين، لم تكن هناك عودة للوراء. رفض تيانهو التفكير في أي شيء سوى أن يصبح سيافاً مشهوراً في المستقبل. ولما رأى أن تيانهو لم يرتث أي موهبة خاصة في فنون القتال، لم يهتم شو يانغ كثيراً واشترى له سيفاً. لم يكن شو يانغ يدري إن كانت له موهبة في فن السيف؛ وحتى الآن، لم يبدو الأمر كذلك. لكنه بالتأكيد كان يتدرب كثيراً. ولا بد أن يؤدي ذلك إلى نتيجة ما على مر السنين، فالموهبة ليست كل شيء في نهاية المطاف. قال في نفسه: "القلق الوحيد هو أنه يبدو أنيقاً أكثر من اللازم وهو يلوح بذلك السيف. تيارين شيء آخر؛ فهو ناضج ولن يتأثر كثيراً. لكن تيانشو قصة أخرى". تنهد شو يانغ بخفة وهو يراقب تيانهو يلوح بسيفه في الفناء، بينما كان تيانشو يقف على مسافة غير بعيدة يراقبه باهتمام بالغ. كان أصغر أبناء شو يانغ شديد الشبه بتيانان في شخصيته الحية المشاكسة. لكن الشخص الذي كان يتخذه قدوة ويحاول تقليده دائماً هو أخوه الأكبر الثاني تيانهو. كان الأمر يسري بشكل جيد في الوقت الحالي، إذ لم يكن تيانشو قد تجاوز الخامسة من عمره، وكان بإمكان شو يانغ تجاهل طلبه بالتدرب على السيف بالقول إنه صغر على ذلك. لكن الأمر سيصبح اصعب في المستقبل. قال في نفسه: "سيكون من المؤسف حقاً أن يضيّع تيانشو وقته على السيوف بدل فنون القتال، مع ما يمتلكه من موهبة". "ربما يمكنني أن أبحث عن فن قتالي يدمج السيف أثناء رحلتي إلى مدينة كوو". في الأيام القليلة التالية، وضع شو يانغ خططه موضع التنفيذ أخيرًا. فقد بات يمتلك القوة والمال، وعلي الاستفادة من ذلك للاستثمار في مستقبله ومستقبل عائلته. فلا يمكنه الاستمرار في البقاء بهذا المكان الصغير والانتظار إلى الأبد. مع ذلك، ظل شو يانغ قلقاً على سلامة عائلته. لذا رتب لأمر إقامتهم عند عائلة رين. كان حماه وشقيقا زوجته مقاتلين من الدرجة الثانية، وينبغي أن يوفر هذا حماية كافية. فرحلته لن تستغرق سوى أسبوع أو نحو ذلك على أي حال. كما طلب من زانغي مراقبة الأمور والمساعدة إن حدث مكروه. قالت تشيانيوي بتعبير ملؤه القلق بينما كان شو يانغ يستعد للرحيل في الصباح الباكر: "كن حذراً". ابتسم شو يانغ وقال: "لا تقلقي. فأنا قوي للغاية. ابقي في المنزل هذه الأيام القليلة وتأكدي من التواصل مع زانغي إن طرأ طارئ. لديه بعض الأصدقاء في قاعة مخلب النمر، لذا ينبغي أن يكون قادراً على التدخل في أي أمر". قالت تشيانيوي وهي تقلب عينيها: "أنسيت مدى قوة أبي وأخوتي؟" قال شو يانغ: "حسناً، كوني حذرة فقط". كان يعلم أن عائلة رين هي الأقوى في القرية، بغض النظر عن ليانغ هوانغ، لكنه لم يستطع منع نفسه من القلق. فهذه هي المرة الأولى التي يفارق فيها عائلته، ولو لأيام معدودة. بعد أن مكث بضع دقائق أخرى، متبادلاً العناق والقبلات مع عائلته، انطلق شو يانغ نحو بلدة تشونسي. وكان قد اتفق على السفر برفقة قافلة تجارية مغادرة إلى مدينة كوو. وأثناء مشيه، استعرض شو يانغ جميع ممتلكاته في ذهنه، متأكداً من أنه لم ينس شيئاً. قال في نفسه: "لقد جلبت معظم القطع النعدنية الفضية التي ادخرتها عائلتنا. ويجب أن أحرص على ألا أتباهى بها أمام الناس". في طريقه، مر شو يانغ بمنزله. فرأى أن عمال البناء الذين استأجرهم قد بدؤوا العمل باكرًا هذا الصباح. الآن بعد أن أمتلك المال، رأى أن الوقت قد حان لتجديد منزل العائلة. وبما أن أحداً لن يقيم هنا في الأيام القليلة القادمة، فقد كان الوقت مثالياً لإنجاز الأعمال. قال في نفسه: "سأخصص بعض المال من مبيعات الخمر العام القادم لأبني بيتاً لتيارين وعائلته المستقبلية بجوار بيتنا". كان الوقت مبكراً لذلك، لكن شو يانغ أراد تجهيز كل شيء لزواج ابنه في أسرع وقت ممكن. وكل ما تمناه هو أن يعثر على فتاة طيبة يخطبها قريباً، كي يطمئن بملك. كان شو يانغ يخشى حقاً أن يماطل أطفاله في تأسيس عائلات خاصة بهم. فهذا سؤخر حصول شو يانغ على صدى تفاعلات أحفاده. وبالطبع، لن يجبر أبناءه على الإنجاب لمجرد منحه المزيد من القوة، لكنه ظن أن العثور على شريكة وتأسيس عائلة هو افضل سبيل لعيش حياة مفعمة بالرضا. وكأي أب، كان يأمل حقاً أن يسلك أبنائه هذا الطريق، وألا ينتهي بهم المطاف وحيدين في شيخوختهم. قال في نفسه: "إن استطعت اكتساب المزيد من القوة عبر سعادة أطفالي، أليست تلك مكافأة لطيفة؟" عند وصوله إلى بلدة تشونسي، أجرى شو يانغ زيارة خاطفة لصديقه زانغي قبل أن يتوجه إلى القافلة التجارية التي ستوفر له مقعداً. سأل عجوز وهو يرى شو يانغ يقترب: "أأنت شو يانغ؟ نستعد للتحرك في أي لحظة الآن". أجاب شو يانغ بأدب: "حسناً، فقط أخبرني إن احتجت إلى مساعدة". ابتسم العجوز بود وقال: "فقط خذ مكاناً في العربة واسترخِ. وإن واجهنا متاعب في الطريق، فسأعول على مساعدتك". رد شو يانغ: "بالتأكيد". فالسبب وراء السماح له بالسفر مع التجار هو أنه مقاتل من الدرجة الثانية وبمكانه المساعدة في القتال إن وقع أي مكروه. كان اللصوص ندرة، على الأقل في مقاطعة كوو، لكن الأمور كانت قد ازدادت اضطراباً بعض الشيء في السنوات القليلة الماضية، لذا لم تكن أي قافلة تجارية ترفض وجود حارس إضافي يرافقها. صعد شو يانغ إلى العربة التي أشار إليه العجوز بها واتخذ مقعداً. لم يكن هناك أحد آخر في الداخل، لذا نظر شو يانغ من النافذة وأخذ يتفحص رفاق سفره. فضلاً عن العجوز، كان هناك خمسة أشخاص آخرين، ثلاثة شبان ورجلان في منتصف العمر. بدا الرجلان الأكبر سناً مقاتلين، لكن شو يانغ لم يستطع تقدير مدى قوتهما. قال في نفسه: "من الجيد وجود مقاتلين آخرين؛ ينبغي أن يكون الأمر آمناً للغاية حتى لو واجهنا مشاغبين". كان شو يانغ قد فكر في السفر بمفرده. فقد ظل يتدرب مع زانغي طوال السنوات الثلاث الماضية، والآن أصبح، إن لم يكن بارعاً، فأكثر خبرة بكثير مما كان عليه حين واجه القاتل في منزله. لكن السفر مع التجار يقدم فوائد جمة. سيصل إلى بلدة كوو قبل يومين كاملين مما لو سافر سيراً على الأقدام. هذا إن استطاع إيجاد طريقه بنفسه حقاً. وبما أنه لم يغادر قط المنطقة المحيطة ببلدة تشونسي من قبل، فقد كان الأفضل ترك هذه الأمور للخبراء. ويمكنه تعلم كل ما يمكن تعلمه بطرح أي أسئلة تدور في خلدة على طول الطريق، وفي المستقبل، سيكون بمقدوره خوض الرحلة وحده. سرعان ما انتهى الرجال في الخارج من تحميل العربة. كانت ممتلئة عن آخرها بالأرز والخضروات الطازجة حديث الحصاد. دخل الشبان الثلاثة وجلسوا بجانب شو يانغ، بينما سافر المقاتلان على صهوات الجياد، وجلس العجوز في المقدمة يتولى القيادة. قال في نفسه: "في الثامنة والشرين من عمري، أغادر موطني أخيرًا لأرى العالم الأرحب".
شجرة السلالة: بناء العشيرة الفصل 15 — الانطلاق
اقرأ شجرة السلالة: بناء العشيرة الفصل 15 — الانطلاق باللغة العربية على مانجا تايم.