قال صاحب النزل وهو يضع قدحاً من الويسكي أمام تيانشو: "ما الذي يجعلك شائماً هكذا يا صديقي؟ هذا هو اليوم الرابع على التوالي أراك هنا".
أجاب تيانشو بصوت خفيض وهو يطيل النظَر إلى الكأس وشمّها برهةً ليتأكد من خلوّها من السمّ ثم رشف منها: "لاشيء. أنا متعب فحسب".
قال صاحب النزل وهو يهزّ رأسه ببطء: "إنها أوقات عصيبة، والتعب فيها أمر طبيعي".
سأل تيانشو: "أليست الأوقات عصيبة دائماً في هذه الناحية؟".
ضحك صاحب النزل خفيفاً وقال: "بلى. عشيرة الكون تثقل كواهلنا جميعاً. لكنهم على الأقل لا يكترثون بما نقوله، وهذا عزاء ما. أنا أقدم من الشمال، من مناطق عشيرة الزيانغ. لو همست بكلمة سوء بحقهم هناك لَقُطِع لسانك".
قال تيانشو وهو يتكئ إلى الخلف ويطلق زفرة: "يا لنا من محظوظين".
قال صاحب النزل: "أحنّ من غيرنا على الأرجح. على كل حال، أتريد أن تستمر في الطلب كالمعتاد؟".
أومأ تيانشو: "نعم".
قال صاحب النزل: "حسناً، سأتدبر الأمر".
ثم ضحك بخفة وقال: "بالمناسبة، أنت قادر على تحمّل الشراب حقاً. لقد رهانوا عليك البارحة لتعرف متى تسقط تحت الطاولة من كثرة السكر. كنتُ من القلّة التي راهنت على بقائك طوال الليل، وخرجتُ بربح طيب للغاية".
رمقه تيانشو بنظرة دون أن يجيب.
قال صاحب النزل وقد بدا مرتبكاً بعض الشيء: "لذا أشكرك على ذلك. أأنت محارب قتالي؟ لا بدّ أنك كذلك، أليس كذلك؟".
قال تيانشو: "أبقِ الشراب قادماً فحسب. لست بمزاج يسمح بالحديث".
قال صاحب النزل وهو ينصرف أخيراً: "حسناً. بالطبع".
'محارب قتالي، ها'. لقد بلغ تيانشو مرحلة الفطرة منذ سنين طوال بالفعل. بل إنه تيقن في فترة ما من قدرته على بلوغ مرتبة السيد. كان تدريبه يمضي بسلاسة وعزيمته في أعلى درجاتها. ثم... حسناً، حدثت أمور شتى، لكنه تدرب بقسوة أشدّ من ذي قبل، حتى كاد يصبح مهووساً باكتساب القوة. لقد كان معجزة ألا يلجأ إلى فن القتل من فرط اليأس. لكنه الآن، برغم عدم مضي سوى خمسة أيام على أخذ ثأره، لم يعد يعرّف نفسه باعتباره محارباً قتالياً.
كان الأمر أشبه بما قاله أبوه: من لا يتقدم فهو يتراجع. 'ربما كان فقداني لقوتي أمراً جيداً حقاً. فهذا سيسمح لي بأن أسكر حقاً من هذا الشراب'. وبصفته محارباً في مرتبة الفطرة، كان على تيانشو أن يشرب كميات أكبر بكثير لكي يشعر بأثر الكحول، وقد ملّ من ذلك بعض الشيء.
قال صاحب النزل وهو يضع قدحاً جديداً من الويسكي على الطاولة: "كأس أخرى من الويسكي من أجلك".
قال تيانشو وهو يرفع القدح ليشمه: "شكراً لك".
لم يكن يدري حقاً لِمَ يتعب نفسه؛ فلم يكن يكترث كثيراً إن كان مسموماً. فكر تيانشو وهو يتحقق من خلوّ الكأس من أي رائحة غريبة: 'أظن أن الموت ليس أسوأ ما يمكن أن يحدث'. لقد رأى أناساً في حالات مروعة نتيجة شرب ما لا ينبغي شربه. حتى الرجال لم يكونوا في مأمن من مسحوق الإثارة الذي انتشر مؤخراً. وكانت القدرة على شمّ السموم مهارة تعلمها بعد فترة قصيرة من قدومه إلى هذا المكان؛
فقد كانت ضرورية للغاية لمن أراد البقاء حياً لأكثر من عام أو عامين. لقد علمه إياها لونغهنغ، زعيم مجموعة من محاربي الفطرة الذين كانوا يقاتلون طغيان العشيرات العظمى الثلاث. وهي مجموعة انضم إليها بعد وقت قصير من وصوله إلى الغرب الأقصى. تعلّم تيانشو في الواقع ما جاء لمعرفته سريعاً جداً. فبعد وقت قصير من عبور الغبار مع وانغلي وقوانغزي، اكتشف أن الاسم الكامل للمعلم وو هو وو تشانغسو، وهو عضو في عشيرة وو، إحدى العشيرات العظمى الثلاث في الغرب الأقصى.
ولأسفهم، كانت تلك العشيرات أقوى بكثير مما توقع، إذ ترأس كل عشيرة منها قديس كسيّد للعائلة، فتخلّى تيانشو عن فكرة التوجه إلى هناك برفقة وانغلي وقوانغزي؛ فقد خشى أن يكتتشفا أنه لم يمارس فن القتل قط. لذا، عندما توقفوا للاستراحة في بلدة صغيرة على طول الطريق، تسلل تيانشو في الليل، عازماً على الترحل بمفرده في المستقبل، وجمع المعلومات الاستخباراتية ببطء لعلّه يعثر على مكان عمه.
طاف وحده لعدة أشهر، متبادلاً الحديث مع الناس على طول الطريق، وفهم تدريجياً تلك الأرض الغريبة التي وجد نفسه فيها. ثم ذات يوم، عثر صدفةً على معركة ضارية بين مجموعتين من الناس. كانت إحدى المجموعتين ترتدي ألوان عشيرة دونغ، وهي القوة المحلية المهيمنة. وكان تيانشو قد سمع وشاهد خلال مقامه في المنطقة ما يكفي ويزيد ليعلم أنهم حفنة من الأوغاد، لذا قفز لمساعدة الجماعة الأخرى في قتالهم، مسلالً سيفه، راجياً أن يصقل نفسه وربما يدرك، شأن أخيه، ذلك الإشراق العصي في السيف وهو يرقص على حافة الهاوية بين الحياة والموت.
في النهاية، لم يدرك شيئاً؛ بل فقد وعيه بعد دقيقة واحدة أو نحوها. دفاعاً عنه، لم يكن قد ترقى إلى مرتبة الفطرة بعد، لذا كان مجرد البقاء على قيد الحياة إنجازاً بحد ذاته. لكن الأمر لم يكن سيئاً برمته. فقد أعجب الفريق الذي قاتل بجانبه بشجاعته، وطلب منه زعيمهم لونغهنغ، وهو سيد، أن ينضم إليهم. إثر ذلك، عاش تيانشو حياة المتجول البار. كان يرتحل مع زمرة إخوته، يقاتلون، يجتثون الشر، يتوارون عن أعين العشيرات، وينقذون المتعثرين.
شربوا، ضحكوا، وبكوا. عاشوا. لقد كان عامين رائعين شعر فيهما تيانشو أخيراً بانتمائه إلى مكان ما. لكن كل شيء جميل لا بد أن ينتهي. فقد خانهم أحد أعضاء المجموعة، كاشفاً عن موقع مخبئهم المؤقت للعشيرة التي أثاروا متاعب لها في الأيام الأخيرة. لقد غُلِبوا على أمرهم، والسبب الوحيد لنجاتهم هو أن لونغهنغ تصدى للمهاجمين، مانحاً إياهم وقتاً للهرب. نجح بعضهم في الفرار، وكان تيانشو أحدهم.
لكن رؤية رأس لونغهنغ معلقاً على رمح خارج أسوار البلدة في صباح اليوم التالي كانت ضربة قاصمة للمعنويات. لم يعلم أحد من خاون موقعهم، وجعلت الريبة الممزوجة بفقدان زعيمهم من المستحيل إبقاء المجموعة متماسكة. بقي تيانشو مع اثنين آخرين وثق صلته بهما على مر السنين، وحاولوا البدء من جديد. لكن الأمور تغيرت؛ لقد أصابهم التعب وشعروا باليأس. وفي النهاية، سلك كل منهم طريقه، وبقي تيانشو وحيداً من جديد.
أكثر وحدَة من أي وقت مضى.
صاح شاب مقتحماً حانة النزل بحماس: "أسمعتم؟! أسمعتم؟!".
التفت رواد الحانة جميعاً نحوه.
سأل صاحب النزل: "أسمعنا ماذا؟ ماذا حصل؟".
صاح الشاب وهو يلوح بذراعيه بعشوائية: "عشيرة الكون! لقد ماتوا! كلهم أجمعون!".
سأل صاحب النزل: "ماذا؟ كيف ماتوا؟ أمتأكد أنت؟"، وامتلاء الحانة بالصخب وهم يناقشون الخبر الواحد تلو الآخر.
قال الشاب: "لا أعلم البتة من فعلها، لكن ما هناك سوى جثث هامدة الآن. صدقوني، أختي لها صديقة مقربة تعمل خادمة هناك؛ لقد عاينت المشهد بنفسها وعادت للتو من هناك. لو سمعتموها تحكي لتيقنتم أنه الحق المبين".
'أتساءل من سيمتلئ الفراغ الذي خلفوه'. 'ربما يأتي من هو أسوأ من عشيرة الكون حتى. وربما تزداد الأمور سوءاً لأهل هذا المكان'. لم يفاجأ تيانشو بالخبر؛ فقد كان هو من أباد أفراد عشيرة الكون قبل أيام معدودة. 'لكن ما أهمية إن كانوا أفضل من عشيرة الكون أم أسوأ؟ في نهاية المطاف، سيهلكون هم أيضاً عاجلاً أم آجلاً'. هذا ما تعلمه تيانشو بعد أكثر من عقد قضاه هنا. العشيرات مثل عشيرة كوو، التي لا تتعدى قوتها القصوى محاربي الفطرة، كانت ترتفع وتهبط كالشمس والقمر.
'هذه أرض مريضة حقاً'. صادف تيانشو من القرى المدمرة أكثر ممّا يمكنه عدّه. بل إن بلدات بأسرها كانت تباد أحياناً حسب ما أخبروه، رغم أنه لم يشهد ذلك بنفسه. والمسؤولون عن المذابح كانوا يبادون هم أيضاً في أغلب الأحيان، إما بتدخل قوة أعلى، أو بمساعي فنان قتالي ينشد العدالة. لكن آخرين كانوا يأتون ليحلوا محلهم لا محالة. لم يكن فن القتل معرفة شائعة هنا تماماً، لكنه كان أكثر انتشاراً بكثير من الديار.
وقد جعل ذلك عشيرة قوية جديدة قادرة على الصعود في ومضة عين، طالما توافر لديهم ما يكفي من البشر للقتل. جعل هذا العدالة تفقد معناها تقريباً. أراد تيانشو أن يثأر للعشيرة التي قتلت زعيمه، لكنه كان أضعف من ذلك، فتلك العشيرة ضمّت سادة. وظن أنه سيوطّد أمره، ويجتهد في التدريب، ويتقدم، ثم يعود. لكن، بعد عام واحد فقط من مقتل زعيمه، بلغه خبر تدمير تلك العشيرة. كان عليه أن يشعر بالسعادة والارتياح.
لكن كل ما شع به كان غمرة من اليأس. لم يعد يرى جدوى من محاولة فعل الخير. فأولئك المرتكبون للشر سيقتلون في النهاية، بسعيه أو دونه. ومن هو أسوأ سيصعد ليشغل مكانهم، بسعيه أو دونه. وحدها العشيرات العظمى الثلاث ظلت على حالها، مزدهرة حتى بعد قرون من السلطة. 'يا لها من مزحة'. ضحك تيانشو في سره. أن يمرّ المرء بكل هذا العذاب، ولا ينال حتى تشفي الانتقام. 'ما غاية كل هذا إذن؟' بعد أن هام تيانشو على وجهه وحيداً لفترة طويلة، وتلقى نبأ الثأر لمقتل زعيمه، ضاعت بوصلته تماماً.
أدرك أن كل الأفعال الصالحة التي فعلها سابقاً ذهبت سدى. لم يدرك إشراق السيف. ولم يرقَ إلى مرتبة السيد. ولم يجد أي أثر لمكان عمه. لقد غادر البيت دون أن يودع أمه وأباه. لقد كان فاشلاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ثم التقى بها. أجمل امرأة رؤيتها قط. كانت تعمل في حقول قرية مرّ بها. ولما رأته، ابتسمت وسألته إن كان عطشاً من السفر. لم يتذكر تيانشو إن كان قد أجاب أم لا. فقد ذهله وجهها لدرجة أعجزته عن التفكير في أي شيء آخر.
لكنه وجد نفسه بطريقة ما يحمل قدحاً من الماء في يديه. وإذ لم يشأ أن يأخذ شيئاً بلا مقابل، وتردد قليلاً في الرحيل مبكراً، عرض عليها المساعدة في عملها. ما زال تيانشو يتذكر مدى دهشتها لعلمه بطريقة العمل في الحقل. وقد جعله ذلك يشعر بالفخر أكثر ممّا شعر به منذ أمد بعيد. بدا الأمر أكثر إثارة للإعجاب حتى من قوته كمحارب في مرتبة الفطرة. تفاخر بكونه قد نشأ في مزرعة، وكيف كان يخرج مع إخوته الكبار وأبيه للمساعدة في الحقول صغيراً.
وعندما أقبل الليل، عرض أبوها عليه المنام في غرفة الضيوف، فقبل الدعوة. وفي صباح اليوم التالي، رأى أن المرأة ما زال لديها عمل تنجزه، فعرض المساعدة مجدداً. احتجت بالطبع، لكن تيانشو أبى أن يتركها تواجه كل ذلك العمل وحدها. وهكذا سارت الأمور، يوماً بعد يوم. يحصد الحقل برفقتها من الصباح حتى المساء. وشعر تيانشو أخيراً أن لأفعاله معنىً من جديد. فلم يكن يهمّ ما تفعله العشيرات الشريرة، أو من تقتل.
وحتى إن جاؤوا ليقتلوه هو وكل من في القرية في اليوم التالي مباشرة، فقد شعر أن لأفعاله مغزىً. لأنه حين كان يساعد، كانت المرأة تبتسم. وحين كان يحدثها، كانت المرأة تسعد. وحين تشاركا قبلتهما الأولى، ثم ليلتهما الأولى، صار لتيانشو وجود يُحتفى به. 'لين شيمينغ'. رأى تيانشو وجهها ماثلاً أمامه مجدداً، فأفرغ كأس الويسكي التي أمامه دفعة واحدة. بالطبع، أسوأ ما في امتلاك شيء ذي معنى هو كم يؤلم غيابه.
ذات يوم، حين ذهب تيانشو إلى البلدة ليشتري بعض الحاجيات لهما، عاد فلم يجد سوى القرية بأكملها أمواتاً. مذبوحة عن آخرها. لم يعثر على حيّ يرزق. سوى كومة ضخمة من الجثث التي أضرمت فيها النيران في وسط القرية. لاحقاً، علم أن عشيرة الكون هي المسؤولة. وكل ذلك بغرض تدريب الوريث الشاب. لكن، حتى بعد أخذه بثأره، لم يفلح ذلك في ردم الهوة الفاغرة في صدره. على الأقل، كان الغضب حاضراً هناك من قبل؛
أما الآن فلم يبقَ سوى الفراغ.
تردد صوت مألوف، وسرى شعور مألوف في كتفه حين وضعت يد دافئة هناك: "ها أنت ذا. ما بال كل هذا الشراب؟ أكسر قلبك؟".
كادت حواس تيانشو تتعطل. أدار رأسه ببطء، وكما ظن تماماً، كان أبوه واقفاً هناك.
تمتم تيانشو: "لقد تعرضت للسم حقاً. أظن أنه لأمر جميل أن أرى أبي مجدداً، لكنني وددت لو ظهرت شيمينغ. ولعلها تنتظرني في الجانب الآخر بالفعل".
سأل أبوه وهو يصفعه على رأسه: "ما الذي تتفوه به؟ كم مقدار ما شربته بحق الجحيم؟".
انتفض تيانشو وفرك رأسه.
قال أبوه: "هيا بنا. عليك أن تستعيد وعيك. لا يمكننا أن ندعك ترى ابنتك وأنت في هذه الحالة".
سأل تيانشو وهو يلتفت بسرعة ليستقر بصره في عينين أبيه: "ابنة؟".
ابتسم أبوه باتساع وقال: "إذن لم تكن تعلم حقاً؟ خير لك أن تجد تفسيراً وجيهاً لي يا بني".