فكر شو يانغ والمدينة الضخمة تلوح في الأفق: "وأخيراً. لقد وصلنا".
بعد صعوده سفينة التحليق، كان يصعد إلى السطح ليراقب الأفق البعيد بلهفة طوال ساعات النهار تقريباً. وحين صار على هذا القرب الشديد من العثور على ابنته أخيراً، وجد الاسترخاء عسيزاً. واضطر إلى كبح رغبته الجامحة في استخدام مهارة السلالة للبحث عنها، فهو سيحتاج إلى توظيفها على الأرجح لاحقاً. أخذ شو يانغ نفساً عميقاً متمنياً بكل قلبه أن تسير الأمور بسلاسة.
"لقد مر أسبوعان منذ اقتحام أولئك المزارعين من مرتبة النواة الذهبية للميراث. وربما نفد صبرهم بعد البحث طويلاً دون العثور على شيء".
"ثمة احتمال كبير بوجود من ينتظر وصولي في مدينة شينشو الخالدة ليلقي القبض علي فوراً".
لم يظن شو يانغ حقاً أنهم سيتجاهلون وجوده إلى الأبد؛ بل كل ما تمناه ألا يفرطوا في الشبهات نحوه وألّا يوجهوا جل اهتمامهم إليه. وطالما اقتصر الأمر على مواجهة مرؤوسي أولئك المزارعين من مرتبة النواة الذهبية، فقد شعر بأنه سيكون بخير. لقد حاول الحصول على تنكر جيد أثناء انتظاره في مدينة تشنشي الخالدة، تحسباً لأي ملاحقين. ولسوء الحظ، اكتشف قريباً أن الاختفاء عن أعين خبراء التأسيس ليس بالأمر البسيط.
فأي تنكر عادي سيكشفونه فوراً، والتنكر ذو الطبيعة الروحية ليس مما يُشترى هكذا، أو هكذا على الأقل إن أردنا تنكراً قادراً على خداع مزارعي التأسيس. وفي النهاية، حسم شو يانغ أمره بلا تنكر البطل. وشعر بأن خداع مزارعي تشي عديم الجدوى، وأن التنكر قد يجر عليه مزيداً من الأنظار من خبراء التأسيس. لذا فإن كان ثمة من يبحث عنه بالفعل، فسيُكشف أمره غالباً بمجرد نزوله من سفينة التحليق.
"لنأمل فقط ألا يكونوا قد أولوني القدر الكافي من التفكير بعد".
لم يملك حيلة أخرى؛ كان عليه استعادة تياني، ولم يكن الوقت في صفه. بعد توقف عابر عند الحاجز المحيط بالمدينة، سُمح لسفينة التحليق بالمرور. ولم تستغرق السفينة وقتاً طويلاً للوصول إلى مبنى شاهق في قلب المدينة، حيث حطت رحالها. ترجل شو يانغ من سفينة التحليق مع بقية الركب واستعد للاطفاف معهم لإتمام إجراءات دخول المدينة. لكن وقبل أن تتاح له فرصة التقدم، رأى شابةً تقبل نحوه هرولةً.
قالت المرأة منحنية الرأس: "أهلاً بك أيها الخبير العالي في مدينة شينشو الخالدة. تفضل بمرافقتي إلى غرفة الاستقبال إن سمحت".
رفع شو يانغ حاجباً وسأل: "لا توجد حاجة للوقوف في الطابور؟"
أوضحت المرأة بابتسامة: "لخبراء التأسيس مسارهم الخاص".
"أه. يبدو أن قوتي قد رُصدت".
"أعبر الحاجز هنا؟ أم أن خبيرا يرصد الوافدين الجدد؟"
"أَتُرى قوتي حتى في مدينة تشنشي الخالدة؟"
ظن شو يانغ الأمر مرجحاً للغاية.
"على أي حال. ما توقعت إخفاءها للأبد قط".
قال شو يانغ مؤوماً: "حسناً إذن".
تبع المرأة ناظراً حوله بفضول، بيد أن أحداً لم يظهر لتفتيش سفينة التحليق.
"يبدو أن شياورونغ قادرة على الاحتجاب حتى عن أي وسيلة استخدموها لكشف هويتي".
أحضر شو يانغ شياورونغ رفقته عند الرحيل. وفكر في لقائها لاحقاً في طريق العودة، إذ إن اصطحابها ينطوي على بعض المخاطر. غير أنه خلص في النهاية إلى أن شياورونغ بالغة الأهمية لتهريب تياني ولا يمكن تركها خلفه، فطلب منها الاختفاء بأقصى طاقتها واصحبها معه على متن سفينة التحليق. ولحسُن الحظ، لم تخيب سلالة شياورونغ الظن، وبدا أن أحداً لم يقدر على لمس أثر لها. سيق شو يانغ إلى غرفة استقبال حيث قُدِّم له الشاي والمقرمشات.
وغادرت المرأة التي أفلحته إلى هناك، وبقي شو يانغ وحده. رغم ظنه أن شياورونغ لا تزال قريبة في مكان ما. بعد دقيقة أو دقيقتين، ولج الغرفة عجوز يرتدي أردية فاخرة. استقام شو يانغ في جلسته قليلاً، إذ استشعر قوة الرجل.
"مزارع تأسيس... وليست في المرتبة الأولى".
تحدث العجوز جالساً على الأريكة المقابلة لشو يانغ: "المعذرة على الانتظار أيها السيد الشاب. اسمي سونغ غوانغ، وأنا المسؤول عن استقبال الضيوف المميزين في مدينة شينشو الخالدة".
وأردف: "أتمنى ألا تمانع الإجابة عن بضع أسئلة؟ لن تستغرق سوى دقيقة أو ديكتين، وسترى حراً في استكشاف المدينة على هواك".
قال شو يانغ بهدوء: "بالتأكيد، تفضل"، لكنه شعر ببعض التوتر في داخله.
سأل سونغ غوانغ: "هلا أخبرتني بموطنك وما الذي أتى بك إلى مدينة شينشو الخالدة؟ ممارس الجسد عملة نادرة، ولا أعرف أحداً منهم في مرتبة التأسيس في أراضينا الخالدة يوانتشي".
"أيمكنه حتى تمييز كوني ممارس جسد؟ هذا سيئ".
كان شو يانغ قد دبر هوية زائفة، لكنها لن تنفع إن عُرِف بكونه ممارس جسد. تزاحمت الخيارات في رأسه، لكن أياً منها لم يبدو كافياً لخداع عجوز يمتلك مئات السنين من الخبرة في عالم الزراعة.
"أظن أنه لا خيار سواه".
ابتسم شو يانغ ابتسامة خفيفة وأجاب بهدوء: "اسمي شو جيان. وأنا تلميذ في طائفة السيف. أما عن سبب مجيئي إلى مدينة شينشو الخالدة؟ فقد اشتهيت ذلك فحسب".
فتح سونغ غوانغ فمه دهشةً وسأل: "طائفة السيف؟ يا له من شرف عظيم تشريفكم لنا. أتسمح لي برؤية رخصة تلمذتك؟"
"رخصة تلمذة. بالطبع".
شعر شو يانغ بأنه تسرع بعض الشيء. لكن الوقت ليس وقت تردّد. قبض شو يانغ على سيفه وأطلق نيته القتالية. لم يهاجم الغرفة أو يحطمها؛ بل أحدث شقوطاً دقيقة متفرقة في أرجاء الغرفة وفي الهواء، ليتمكن العجوز من استشعارها.
أرخى شو يانغ قبضته عن السيف وقال: "نيتي في السيف هي رخصة تلمذتي. أم أنك لا تعرف نية سيف معلمي؟"
سأل سونغ غوانغ بملامح مشوبة بالحذر والشك: "ومن يكون معلمك...؟"
قال شو يانغ عاقداً ذراعيه ومطالعاً أرجاء الغرفة بقطبة خفيفة: "يبدو أنك لا تعرفه. أظن الأمر متوقعاً أصلاً. فأنتم لا تبدون عارفين بقوانين طائفة السيف من أساسه. وسمعت أن تكاثر السلالات ليس معدوماً هنا بالقدر الذي تتمناه طائفتي".
أسرع سونغ غوانغ يؤكد: "أؤكد لك أن تكاثر السلالات لا يُمارس هنا؛ وحتى بغير وعيد طائفة السيف، ما كان لأحد أن يقترف مثل هذا الشر. على الأقل، يمكنني الكفالة الكاملة لعائلتي سونغ. لم يحدث قط مثل هذا الأمر في عائلتنا، ولن يحدث أبداً".
قال شو يانغ: "هذا جيد. آمل حقاً أن يكون الأمر كذلك. لكن لقطع الشك باليقين، لن تمانع تجوالي في المدينة بنفسي أليس كذلك؟"
أجاب سونغ غوانغ: "بالتأكيد لا".
سأل شو يانغ: "إذن أقد انتهينا هنا؟"
تردد سونغ غوانغ برهةً قبل أن يبتسم: "نعم. وعذراً على إزعاجك أيها السيد الشاب شو. وإن احتجت إلى مكان للاسترخاء أثناء إقامتك، فستكون مرحباً بك أشد الترحيب في عائلة سونغ".
نهض شو يانغ وأومأ للعجوز.
"سأفكر في الأمر".
ثم قيد خارج غرفة الاستقبال وصولاً إلى الشارع. ومع كل خطوة يخطوها، تأهب شو يانغ لسؤال استقصائي آخر، لشيء يكشفه في النهاية. ولكنه لحسن الحظ لم يلقَ شيئاً من هذا القبيل. ومع مرور الدقائق الواحدة تلو الأخرى، وابتعاد شو يانغ أكثر فأكثر، بدأ يصدق أخيراً بأنه أفلت بفعله.
"كان الأمر وشيكاً! لحسن الحظ أنها نجحت".
ومع ذلك، لم يظن شو يانغ أن الحيلة ستدوم للأبد. فربما اقتنع سونغ غوانغ بنية سيف شو يانغ إلى حد ما، فلم يجسر على التمادي. لكنه سيبلغ أحدهم حتماً بمجرد مغادرة شو يانغ. لم يكن سوى مسألة وقت قبل أن يظهر من يكشف أمره، وحينها، وجب على شو يانغ الخروج من هنا بصحبة ابنته. ومشى في الشارع متمكناً من التفكير في عرض سونغ غوانغ.
"إنها فرصة جيدة في الواقع. فستتيح لي دخول جبل عائلة سونغ بلا عوائق".
ما رد شو يانغ عرض سونغ غوانغ إلا لقلقه من زلة لسان تكشفه. فكان الابتعاد عن سونغ غوانغ أولاً ثم التوجه إلى عائلة سونغ دونه أفضل بكثير.
"سأتوجه إلى هناك وأرى إن تمكنت شياورونغ من التسلل للداخل. وإن لم تستطع، فسأدخل عبر البوابة الرئيسية. وإن قلت إني من طائفة السيف ومبدع بدعوة من سونغ غوانغ، فيجب أن يسمحوا لي بالدخول عبر الحاجز والانتظار في إحدى غرف الاستقبال على الأقل".
"وحينها تتسلل شياورونغ لتبحث عن تياني. وسأطلب منها استخدام تعويذة احتجاب لتتسلل نحوي. ومن ثم نغادر جميعاً عبر البوابات الرئيسية".
بدأ الحماس يسري في عروق شو يانغ. وشعر بنجاح الخطة لا محالة. لقد اشترى كثيراً من الأشياء بثروته الجديدة بالتأكيد، وشملت تلك بضع تعويذات احتجاب عالية الجودة لمساعدة تياني على الفرار. وطالما لم يُدقق أي خبير تأسيس، فستقدر على الفرار بسهولة.
تردد صوت مألوف: "يا شو يانغ، ما الذي أتى بك إلى مدينة شينشو الخالدة؟"، فالتفت شو يانغ متفاجئاً.
قال شو يانغ مقطباً: "سونغ هونغتشي".
"ما الذي تبغيه هنا؟ أكانت تنتظر وصولي؟"
ساور شو يانغ شعور بالقلق. فحتى مع وجود يمين الدم، لم يكن يثق بتلك المرأة.
اقتربت سونغ هونغتشي بضع خطوات وسألت: "من تمكن من توقّع لقائنا هكذا سريعاً؟ أتبحث عن أحد؟"
"أتعلم حقاً؟"
قالت سونغ هونغتشي بصوت خفيض، وقد باتت على بعد قدم منه: "إنها ابنتك، أليس كذلك؟ يمكنني مساعدتك في لقائها وضمان خروجك من هنا".
"كيف عرفت كل ذلك؟"
لم يجب شو يانغ، مطبقاً فمه خشية أن تصل سونغ هونغتشي إلى رابط ما وتظفر بأفضلية عليه. لقد كانت بالغة الخطورة.
"لماذا لا نذهب إلى مكان خاص لنتحدث؟ لا تقلق، لا أستطيع إيذاءك ولا إيذاء تياني؛ يجب أن تدرك ذلك. أريد مكافأة بسيطة فقط، أتعاب دلالة، ولن يمضي أكثر من ساعة حتى تكون في طريقك مغادراً من هنا بصحبة تياني. ما رأيك؟ أيحلو لنا الكلام؟"
قال شو يانغ: "حسناً".
ولم يدر ما يفعله سواه. فإن كانت سونغ هونغتشي تعلم بحثه عن تياني، فتلك نقطة تحول كبرى. وربما لم تعد تياني في عائلة سونغ من الأساس.
"إن طالبت بالميراث مقابل تياني، فليكن. فاستعادة تياني سالمة أهون علي من تلك الموارد".
"وبشجرة السلالة، سأبلغ مرتبة النواة الذهبية عاجلاً أم آجلاً على أي حال".
"ومع ذلك، أفضل ألا أخسر أيهما".
ضيق شو يانغ عينيه قليلاً مراقباً سونغ هونغتشي وهي تتقدم دليلةً للمسير.
"ما إن أتأكد من إيداع تياني في مكان آمن، فلن يفت أوان استرداد ما فقدته. ولا أظن سونغ هونغتشي قادرة على المراقبة إلى الأبد".
"وبمساعدة شياورونغ لي. أشك في قدرة أي كان دون مرتبة النواة الذهبية على حماية مقتنياته منا".