الفارس الأسود يبحث عن حياة هادئة الفصل 2 — الأرض الشرقية

اقرأ الفارس الأسود يبحث عن حياة هادئة الفصل 2 — الأرض الشرقية باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت تسوكيو أمة جزيرية تقع قبالة الساحل الجنوبي لكاثايا، لكن وصفها بالجزيرة ربما يقلل من شأن مساحة المكان. كانت الجزيرة ذات الشكل الهلالي ضخمة، حتى من دون احتساب أرخبيل الأراضي التابعة على حافتها الشرقية.

في النهاية، رضيت بأن أُنزل قرب الطرف الجنوبي للجزيرة. لم يكن نقل برازيو المهرب إياي رخيصاً. لكن بضع يواقيت كفيلة بجعل أي شخص منفتحاً على أي شيء تقريباً. حتى أنه أعطاني كيس من الفضة عملة تسوكيو لقاء عنائي، مع كيس من البذور.

كنت قد قررت أن أصبح مزارعاً. قبل كل هذا، قبل الميت الحي، كانت عائلتي تعمل بالزراعة وهو أمر لدي خبرة فيه. لكن، إن احتجت، أستطيع الصيد براً وبحراً. أي شيء لأتدبر أمري.

توجهت كل الأعين نحوي وأنا أمشي في طريق التراب الأقرب للممر الخشبي، تحيط بي من جهة اليسار صفوف من البيوت الحجرية المنخفضة ذات السقف المائل من القرميد الأزرق. أظن أنني توقعت النظرات. حتى بمعايير الغرب، كنت رجلاً ضخماً، وكان ذلك من دون استخدام قدراتي كعائد من الموت، بينما كان علو القامة نادراً بين قليلي الشرقيين الذين رأيتهم قط.

حسناً، ليكن. لم يكن الوافدون الأجانب إلى الشرق معدومين تماماً، ولا يزال هناك محيط كامل بيني وبين إمبراطورية نوفوس. إن غلب روند يوماً، ووجه أنظارَه شرقاً، فالمفترض أن أراه قادماً وأحظى بفرصة للارتحال.

بينما كنت أمشي على حجر بابل، المعلق حول عنقي كقلادة على شكل معينات، ترجم كلمات المحليين عبر ضباب من السحر. كان نوفوس قد أعطاني إياه أول مرة خلال الحملة في جبال بارثيا، لأفهم لهجة العشائر، لكن السحر ترجم أي لغة. بل إنه استطاع ترجمة النصوص أيضاً، لكني علمت أنني بحاجة لدراسة لغة المحليين أيضاً. تحسباً لأي شيء قد يحدث للحجر اللعين.

... مثل نوع من الغول.

أجنبي آخر؟

راقِبْ ذلك الرجل.

حسناً، إذن كنت ألفت الأنظار. الفكرة وحدها جعلتني أطلق زفرة. لكن العيش في مكان أكثر ريفية أفضل من المجازفة بالذهاب إلى إحدى المدن الكبرى. لأي سبب كان، في كاثايا وتسوكيو، كانت المستوطنات الكبرى عرضة لهجمات الوحوش. كما أن السحرة المحليين أحبوا إثارة المشاكل في المدن أيضاً.

على الأقل، هذا ما أخبرتني به كل قصص الشرق.

واصلت السير، شاقاً طريقي صعوداً نحو المبنى المحاط بسور شاهق والذي بدا مختلفاً عن باقي تيود. كان القاضي، كما أخبرني برازيو، بمثابة حاكم. لكل قرية وبلدة واحد ويقع على عاتقهم إدارة مستوطنة معينة بناء على طلب حاكم مقاطعتهم. إن أردت شراء أرض، فمروراً بهم.

تمترس حارسان عند البوابة، قرويان محليان نالا الوظيفة على الأرجح لكونهما غليظي الرقاب عريضي المنكبين. وقفا بانتباه، واسعي الأعين كلما اقتربت، ورفع الرجلان القبعتين المعدنيتين العريضتين اللتين كانا يرتديانهما. تقاطعت رماحاها، حركة مارساها بوضوح مرات عديدة، مراقبين إياي باهتمام.

قال أحدهم بصوت منخفض وأشج: "من... من أنت؟"

أجبت بفظاظة: "أحتاج إلى التحدث مع القاضي".

عندما يتعلق الأمر بحراس خشنين في قرى بلهاء، كان من المفيد استخدام كلمات بسيطة.

سأل الآخر: "حسناً... هل لديك موعد؟".

واستطعت تمييز عينيه المتجولتين تمسحان جسدي بحثاً عن أي أثر لسلاح. ومع ابتعاد عباءتي، لم أكن أرتدي سوى قميص رمادي، وسراويل داكنة، وبزات بنية بالية. لم يكن لدي أسلحة، ولا شيء يمكن رؤيته على الأقل.

"لا. لكن رؤيته أمر مهم."

تلاشى صوت الحارس الأول: "حسناً..."، وحدق الرجلان في بعضهما بقلق.

"عادة لا يرغب القاضي في التحدث إلى أشخاص بلا موعد."

سحبت نفساً بطيئاً ومهدئاً عبر أنفي. لا قتل، حدّثت نفسي. لا قتل، لا قتل، لا تقتلهم لتسببهم في إزعاجك، الأشخاص العاديون لا يفعلون ذلك.

وسيكون ذلك عكسياً مع رغبتي الجديدة في حياة هادئة.

مع ذلك... هذان الاثنان بلهاء، على الأرجح سذجان كجرو ذئب وُلِد للتو. ويمكن للرجل الوصول بعيداً طالما تصرف بثقة.

قلت بحزم: "يا بني، ما علي مناقشته مع قاضيكم ذو أهمية بالغة. إنه أمر سيؤثر على مستقبل قريتكم بأكمله. لكنه سري، ولا يمكن إلا لقاضيكم سماع ما أقوله. أفهتمت؟"

راقبتهما وهما يتبادلان نظرة قلقة أخرى. ميلا نحو بعضهما، متبادلين بعض الهمسات الخافتة التي لم يستطع حجر بابل التقاطها. في النهاية، دفع أحدهم البوابة الفولاذية ودخل للداخل. وبقي الآخر في الخلف، مغطياً بجسده الفجوة، وقدم لي ابتسامة خجولة.

شددت فكي وأنا أمنتظر. ملوك.. كان بإمكاني المشي ببساطة عبر ذلك الجدار، وكان بإمكاني تسوية القرية اللعينة بأكملها بلحظة، وكان بإمكاني...

أطفأت تلك الأفكار، ونفس مهدئ آخر طرد الغضب الذي كان يفور بداخلي. لم أعد ذلك الرجل، ذكرت نفسي، والاستسلام لتلك النزاعات سيكون عناءً أكبر مما تستحق.

عاد الحارس الأول في النهاية ومنحني ابتسامة باهتة.

"سيقابلك القاضي الآن أيها الغربي."

كان القاضي ريوجا مشرفاً على تيود طوال السنوات الخمس عشرة الماضية تقريباً. ظن، في البداية، أنها ستكون وظيفة بسيطة. خطوة أعلى من الحياة كموظف في فوضى القمر المنخفض. لكن أحداً لم يخبره أن البلاد تعج بالقطاع، وأن هناك يوكاي شاردة في الغابات، وبالتأكيد لم يحذره أحد من طائفة زهرة الثَّعْبَان على جبل غرواي.

والآن، بدا أن مزارعاً أجنبياً قد هبط على سواحله.

على الأقل هذا ما حذّره منه دانو عندما اقتحم مكتبه شاحب الوجه.

إنّها تلك الـ«هالة»

التي ينبعث بها الرجل، ضغط خفيف في الهواء زعم أنّه يرافق ممارسي زهرة الثعبان حين يحلّون بالبلدة.

حسناً، افترض ريوغا أنّ الممارس الغربيّ يفضل أن يُدعى «ساحراً»

أو «عرافاً»

إن كانت القصص التي سمعها دقيقة.

مع ذلك، ربما كان دانو يبالغ أو يسء قراءة الموقف. لقد استأجر الفتى لقوته لا لعقله، لكنّه ظنّ أنّه من الأفضل المضيّ بشيء من الحذر. التفت قلسلاً عن النافذة حيث كان يراقب قمة جبل غرواي المظللة، وراقب الرجل الغامض وهو يدخل.

كان ريوغا طويل القامة بلغة مقبولة، حتى وإن ترك العمر لقامته انحناءة طفيفة، غير أن الغربيّ كان أطول منه بأكثر من قامة رأس. ورغم هذا، لم يكن ريوغا ممن يرتهبون بسهولة. كان وجهه قناعاً من الحجر المنحوت، وبعينين صقريتين مثبّتتين على الغريب.

سأل القاضي: "ومَنْ تكون عساك؟ قيل لي إنّ لديك بعض الأعمال المهمة لمناقشتها".

"أمون كوسيس، يا صاحب السمو".

تألق الهواء بضعف عندما تحدث، وعندما أنصت ريوغا بتمعن استطاع سماع دويّ خافت في صوته. بدا أن الطاقة تطرّز كلماته وتترجمها إلى لسان التوسيان، مع أنّها بدت غريبة بعض الشيء. كأنّه ينطق الكلمات بلهجة ثقيلة.

"أعتذر عن الظهور المفاجئ، لكن... نعم، كان لديّ شيء مهم لأناقشه. تريث، أودّ شراء بعض الأرض في مستوطنتكم الجميلة".

طرف ريوغا ببطء في وجه الرجل. ثم أمال رأسه إلى الجنيه.

"كنت تحت انطباع أنك تريد مناقشة أمر بالغ الأهمية. كنت أتوقع شيئاً أكثر... خطورة بكثير".

سينال ذانك الاحمقان توبيخاً لاذعاً حين ينتهي من هنا.

"أخبرت حرّاسك بأن الأمر سيؤثر في مستقبل قريتكم بأكملها. على ما أقدر، فإنّ العيش بينكم سيترك أثراً في مستقبل القرية. أثر صغير وغير ضار، على نحو مثاليّ".

هخر ريوغا نافخاً، ليهتز شعرا شاربه الأبيض الرقيق.

وسأل: "ذكيّ، أليس كذلك؟ حسناً، أنت هنا الآن، إذن... لا بأس. يمكننا مناقشة الأمر، لكن ويا للعجب، لا توجد في الحقيقة أرض كثيرة متاحة للشراء في تيود. ليست مما يستحق التملك، على الأقل".

مرّ بجانب العملاق، رافعاً ذقنه عالياً بينما داعب النسيم حاشية ردائه الأبيض. قصد رّفاً محمّلاً بلفائف ذات غلاف نحاسيّ، حافظاً لكلّ منها ومحتواها عن ظهر قلب، وسحب واحدة تضمّ خريطة لمنطقة تيود.

"أنا أشرف على هذه القرية وحلقة واسعة من البرية ما وراء المزارع الخارجية، ومن تلك لا توجد سوى بضعة امتدادات هنا أملك صلاحية بيعها لك".

وضع الخريطة على الطاولة ومرّر إصبعه على امتداد من البرية.

مثاليّاً، فكّر ريوغا، كان بإمكانه جعل هذا الدخيل يغادر وحسب. لعلّ احتمال شراء مساحة ضئيلة كهذه، وبسعر باهظ نسبياً، يجعله ينظر في أمر قرية أخرى.

وعوضاً عن ذلك، راح أمون كوسيس هذا يدلك لحية ذقنه الخشنة ذات اللون المحمرّ. انحنى للأمام نظرة أقرب ثم نقر بإصبعه على رقعة أرض في الشمال الشرقيّ مباشرة، وهي منطقة خالية بغرابة من الأشجار أو المباني الأخرى. كان المشي إليها طويلاً من القرية نفسها، وهي منطقة توفر الخصوصية وقدراً وافراً من العزلة.

"وماذا عن هنا؟"

ابتسم ريوغا قليلاً.

"آه. تلك البقعة القديمة؟ لقد هُجرت منذ بضعة أعوام الآن. فدادين لا باس بها، ولكن ويا للعجب ليست التربة بالجيدة جداً. كان هناك رجل حاول إدارة مزرعة هناك، لتربية الثيران. لم يصمد. إنها... أرض رخيصة، نعم، لكنها رخيصة لسبب ما. بصراحة، سيدي أمون، لن تستحق الشراء".

لم يكن متأكداً مما إذا كان الرجل المتربص فوقه ممارساً أم لا، وقرر أن الأفضل هو الصدق. فهو لا يريد الأجنبيّ يعيش هنا بطبيعة الحال، لكن ريوغا لم يكن أحمق لدرجة المجامرة بفعل أو قول ما قد يغضب رجلاً يملك الطاقة بين أطراف أصابعه.

لم يقل العملاق شيئاً في البداية، وشعر ريوغا ببعض قطرات العرق العصبي تبرز على مؤخرة عنقه بينما حدق إليه الرجل بتعبير خاوٍ.

ثم ابتسم أمون.

"ربما يمكنني الحكم بنفسي إن كنت أريدها؟"

"همم؟"

رفع ريوغا حاجباً دقيقاً.

"سيدي؟"

"أثق بأنك تعرف الأرض أفضل مني، يا صاحب السمو، لكنني أفترض أنني فضوليّ. قد يصعب التعامل مع الأرض، لكن..."

أسند الحقيبة الثقيلة على كتفه، وتدغدغ صدى أصوات قرقعة من الداخل.

"بالأدوات المناسبة، ربما يمكنني صنع شيء منها".

قطب القاضي حاجبيه، مطيلاً النظر صامتاً إلى الرجل. بدا له في تلك اللحظة أكثر احتمالاً من ذي قبل أنّه ينظر إلى نوع ما من الممارسيّن.

فبعد كل شيء، وحدَه الممارس من يقرر أن يكون مصدر إزعاج كهذا فور لقائه به.

مع ذلك، أجبر نفسه على الابتسام.

"امنحني لحظة واحدة فقط لسرج طائري".