الفصل 269. قصة جانبية: إنقاذ غريب (2)
جلس الحارس يكبح غضبه، مدمدماً بالشتائم وهو يرمق قائده المستغرق بالنعاس.
"أستطيع التغلب عليه في قتال، فهل أفجره وأرتاح منه…"
بوم!
أتحققت أمنيته؟ دوى انفجار حقيقي في المكان.
"ما هذا؟!"
قفز الحارس الأصغر رعباً وذهولاً.
اختفى الحارس الأقدم عن الأنظار، محجوباً بسحابة بيضاء كثيفة.
ما الذي جرى للتو؟
"أكان ذلك سحراً؟"
بدا الانفجار أضعف من أن ينجم عن سحر؛ ولم يتعد كونه نفخة طحين متناثرة بعشوائية.
"سعال… كح…"
أكان طحيناً حقاً؟ سمع صوت قائده يختنق بالسعال.
"كح…!"
"؟"
غير أن الأصوات بدأت تأخذ منحى أكثر إثارة للقلق والريبة.
"غغغ!"
"سيدي روبيد!"
همّ بالاقتراب من الحارس الأقدم، روبيد، لكنه تسمر في مكانه فجأة.
تراءى له خيال مجهول عبر الدخان الأبيض.
"من هناك؟!"
أحكم قبضته على رمحه ذي الفأس ودفعه للأمام بحذر.
"من أنت؟!"
اتضح أن ذلك الخيال يخنق رئيسه روبيد بقوة.
"أرغغغ!"
"اقتله قبل أن تسأله!" صاح روبيد بعينين محتقنتين بالدماء.
"مـ-ماذا؟!"
سواء وصلته رسالة روبيد أم لا، وقف الحارس الأصغر ممسكاً برمحه بحرج.
بفضل هذا الارتباك، أخضع آلموند روبيد بكل سهولة.
"… تباً! يا لك من أحمق!" لفظ روبيد كلماته الأخيرة وسقط فاقداً لوعيه.
ظهر بعد انقشاع السحابة فتى عارٍ.
"أهو روح خرافية…؟"
ظن الحارس الفتى روحاً سحرية لبشرته المضيئة؛ وسواء بدا له كروح أم لا، فقد اعتبره آلموند عدواً.
تردد صوت تركيب سهم في القوس.
"!؟"
صوّب الفتى السهم نحوه مباشرة.
"مهلاً، لمَ تفعل هذا؟ تحدث—"
فوش!
انطلق السهم وامضاً عبر ضوء المشعل وأراق دمه؛ مخترقاً ذراع الحارس بدقة.
"أرغغغ…"
أسقط سلاحه برنين عالٍ وحاول التقاطه، غير أن…
قبل أن يلمسه، استقر سهم آخر بكتفه اليسرى، لتسيل الدماء على ذراعيه.
حذره الفتى بحزم: "إن صرخت أو قاومت ثانية، سأنتزع لسانك بسهمي."
أطلق الفتى سهماً آخر.
فوش!
كشط السهم أذن الحارس ترهيباً له، فسرت قشعريرة بعموده الفقري.
"ماذا… ماذا تريد…"
لم يفزع للصوت المباغت، بل لدقته الخارقة بإصابة أهدافه متى وأينما شاء؛ بقوس يخص الحارس روبيد أصلاً.
استشعر الحارس أن الفتى الواقف أمامه ليس خصماً عادياً قط.
لذا سأل بنبرة ملؤها الحذر الشديد: "ما الذي تريده؟"
"أين ران؟"
"ران…؟"
"أجل، ران الخاضع للتأديب من المدرسة."
أشار الرجل للأسفل بعد تردد.
"انزل طابقاً آخر، فران محبوس بأشد البقاع ظلمة."
صرير.
حين شد آلموند وتر القوس بصمت، أردف الرجل متلعثماً: "إنه الصدق! لا أتحدث مجازاً، هذا كل ما أعرفه؛ ران ذو الملامح الشاحبة الرقيقة، أليس كذلك؟"
رنين.
[خطوة أقرب إلى السر.]
ظهر إشعار نظامي يؤكد صحة كلام الرجل وصدقه.
"يكفي هذا، والآن اركض نحو أطراف الغابة، وإن عدت سأجد سبيلاً لقتلك."
"… حاضر، حاضر."
اندفع الحارس خارج الكهف نحو الغابة دون أدنى تردد.
— هرب دون أن يلتفت خلفه، هههه.
— هل ورط قائده حتى الموت؟! هههه، يا له من وفاء عظيم.
— برؤية رماية آلموند، سأفر دون تردد أنا أيضاً.
ارتدى آلموند ثياب الحارس وشرع يبحث فوراً عن طريق ينحدر نحو القبو.
لحسن الحظ، ناسبته الملابس تقريباً؛ كاستعارة ثياب شقيقه الأكبر لا والده. وبعد عشرين دقيقة تفتيشاً، لمح السلم الهابط للأسفل.
'لمَ لا يوجد أحد هنا؟'
لم يصادف حراساً لعشرين دقيقة؛ ولعل الحراسة تراخت لكون الموضع لتأديب الطلاب.
لكنه بدا متسعاً لمنشأة تأديب طلابية؛ فلو لم يقع داخل مدرسة، لظنه المرء معتقلاً لاحتجاز مجرمين خطرين.
'ما حقيقة هذا المكان؟' تساءل آلموند وهو يهبط الدرجات.
تطلب نمط القصة هذا استنتاج أمور عديدة من اللاعب؛ فالتحرك بلا تفكير مضيعة للوقت. وبمجرد بلوغه الطابق السفلي الثاني، رأى أبواباً متتالية.
لم تكن زنزانة تقليدية؛ إذ كانوا سيستخدمون قضباناً حديدية لمراقبة السجناء بسهولة لو كانت كذلك، غير أنها أبواب خشبية مصمتة.
اقترب من أحد الأبواب وأنصت بهدوء.
"لا، أقصد…"
"… أجل، أتظن ذلك؟"
"لعل صاحبة الفستان الأبيض اليوم…"
"ألا يوجد أحد؟"
سمع حواراً يدور بالداخل.
'أهم حراس المكان؟'
بدوا كحراس آخرين، وبدت الغرفة استراحة لهم.
لن يجلب فتح هذا الباب أي فائدة له.
تحرك سريعاً نحو منطقة أكثر عتمة.
'ها هي هناك.'
رصد أخيراً قضباناً حديدية لزنزانة.
مشى على أطراف أصابعه بحذر شديد.
طاخ!
"!؟"
دوى صوت مباغت في الأرجاء.
طرق.
تجمد آلموند مكانه كأنه صعق بالكهرباء.
'الأرضية…'
صُنعت الأرضية من معدن يرن مع كل خطوة؛ أفعلوا ذلك عمداً؟
— انظروا لتعابير وجهه، هههه.
— فزع تماماً، هههه.
— أأصيب بصعقة كهربائية؟ هههه.
— لوز محمص؛
"تنهيدة."
حول قناة الميكروفون إلى وضع البث وتمتم بتذمر: "هذا مبالغ فيه لسجن يحتجز أطفالاً."
— بكل تأكيد.
— هذا كثير جداً.
— هل هذه مدرسة استثنائية؟
شاطره المتابعون هذا الرأي؛ فالمنشأة تشبه سجون المجرمين الحقيقيين لا مجرد مكان لتأديب طلاب.
"على أي حال، سأواصل التقدم."
استل آلموند قوسه وزحف للأمام بحذر لتقليل الضجيج قدر استطاعته.
— بدأ التوتر يشتد.
— لمَ المكان مظلم هكذا؟
— لا أرى شيئاً إطلاقاً.
تلاشى الضوء تدريجياً، وعجز عن إيجاد زنزانة ران.
بدت الزنازين كلها خاوية بأبواب مفتوحة، دون أثر لحارس.
بلع ريقه.
أكان ذلك مجرد شعور عابر؟ حتى صوت بلع ريقه بدا يصم الآذان في هذا السكون.
تقدم آلموند للأمام ببطء مجدداً؛ فالظلام أمامه دامس وتام، وشعر كأن بصره يفقد وظيفته بين حواسه.
"كيف يعيش شخص بمكان كهذا؟"
'حتى لو تواجد شيء خلف هذا المدى، فهل يهم؟' تساءل آلموند؛ فحتى لو وُجد شيء، فهل يكتشفه أحد؟
— أضللنا الطريق؟
— أهذا هو المسار الصحيح؟
— قشعريرة.
شاطره آلموند هذا الشعور.
بدا كأنه انعطف نحو الاتجاه الخاطئ؛ غير أن الأرض أمامه ظلت ممتدة ومرئية بوضوح. ومع اعتياد عينيه على الظلام، استطاع تبين نحو ثلاثين سنتيمتراً أمامه.
امتد مسار دوماً بلا هاوية أو نهاية مسدودة؛ ولم يملك بداً من مواصلة السير.
طاخ.
"!؟"
احتك رداء شخص به فجأة من الخلف؛ ليس من أمامه، بل من ورائه مباشرة!
"ما هذا؟" زمجر الشخص المكتشف لآلموند بصوت منخفض: "ما رقم زنزانتك؟ لا يجدر بك التواجد هنا الآن، أتعطل مجدداً؟"
"أنا رقم واحد."
"هاه؟ كيف تجيب…؟"
فوش!
أطلق آلموند سهماً بغريزته قبل أن يستجمع أفكاره.
طرق.
سُمع صوت سقوط جسد؛ ولغياب الصراخ، فقد هلك فوراً.
"آه، سحقاً."
— هههه.
— يا للمصيبة، مات الرجل ^^
— مهلاً، أهلك حقاً؟
— جنون، هههه.
"تعجلت بإطلاق السهم فمات؛ لمَ يتجول شخص بمكان مظلم كهذا…؟"
لم يتوقع ظهور أحد؛ فلو قصد شخص الهاوية لظهر مشعله أولاً.
لكن هذا الخصم تحرك في العتمة الدامسة بصمت كشبح؛ وبالطبع ليس شبحاً لكونه هلك برصاصة السهم.
"حين دنا الخصم، لم يصدر صوتاً ولم يكن مرئياً."
— حقاً، كان مشهداً صادماً ومفاجئاً.
— أشاهد هذا في العمل وضربت لوحة المفاتيح فزعاً.
— أجل، غابت أي إشارة تدل عليه.
ظهر الخصم بلا بوادر؛ ولولا سؤاله الساذج، لوقع بمباغتته.
"بدا وكأنه لم يعلم بوجودي إلا حين التقينا وجهاً لوجه؛ أيعقل أنهم عاجزون عن الرؤية أيضاً؟"
تجدد الأمل إن كان هؤلاء الخصوم المحتملون عاجزين عن رؤية آلموند بدورهم.
— لعل الأمر كذلك بالفعل.
— بالنظر لسؤاله عن رقمك.
— لم يلحظ حتى الجثة الساقطة هههه.
— إن كانوا لا يبصرون، فلمَ يتحركون هكذا؟ هههه.
"فلنفكر قليلاً…"
إن صح تخمينه، فهم لا يبصرون في الظلمة؛ لكنهم يحفظون الدروب ويسيرون بعتمتها، وربما تمتعوا بسمع حاد.
'لمَ لا تصدر خطواتهم أي جلبة؟'
ماذا عن وقع أقدامهم؟ أيرتدون أحذية لينة؟
الأمر المؤكد الوحيد هو استحالة التنبؤ باقترابهم من الصوت.
"سأواصل المضي قدماً طالما وقع هذا."
فقد يلقى حتفه هنا إن واصل مواجهة أعداء يعجز حتى عن استشعار اقترابهم.
اندفع آلموند للأمام بكل طاقته، مؤثراً القتال بعد الخروج من هذا الموضع.
بوم! بوم!
طقطقت الأرضية المعدنية بصخب عالٍ.
— هههه.
— درامي للغاية.
— هجوم كاسح!
بعد لحظات وجيزة…
بوم!
ارتطم آلموند بحاجز وتوقف مكانه، لتهتز البنية التي اصطدم بها.
'قضبان حديدية؟'
كانت قضباناً حديدية لزنزانة.
دوم!
تردد صدى نقرة طبل نظامية.
[عثرت على ران!]
"من… من أنت؟"
تحدث ران سريعاً قبل أن يجيبه آلموند: "أأنت الحارس؟ ألم يفت موعد طعامي؟ أنا جائع وضعيف؛ أرجوك… أعطني ماءً على الأقل."
استمر ران في التوسل بصوت متهدج يملؤه الرعب:
"… إياك أن تخبرني، أتنوي تركي أموت جوعاً هنا؟"
————————
مرحبًا، أنا المترجم نظارة! أتمنى أن تكون الترجمة قد نالت إعجابكم. لا تترددوا في إبداء ملاحظاتكم أو مشاركة آرائكم في التعليقات أو التواصل معي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. قراءة ممتعة وإلى اللقاء في الفصل القادم!