لا ينتظر الوقت أحداً. ليو جين ليس استثناءً. غادرت زوجته. لا يتباطأ عيشه بتاتاً. بل يسرع. كأنّ الزمان الذي قضاه شياو شوانغ وذلك البيت الصغير لم يكن سوى حلم عابر. عاد ليو جين إلى التدريب تحت إمرة العجوز جيانغ بمجرد انقضائه. عاد لمساعدة أبيه في العيادة وتلقي العلم في طائفة شياو. تغيّر مقام ليو جين في طائفة شياو. لا يعني هذا أنّه يتلقى التعليم برفقة التلاميذ الداخليين. ليو جين أضعف من أن يفعل.
لا يعني هذا أيضاً أن كل شيء عاد إلى ما كان عليه. صار ليو جين قادراً على ارتياد كل أرجاء مجمع طائفة شياو. يعود ليو جين أحياناً إلى بيته وبيوت شياو شوانغ ليعتني بشجرة الحيوية الأبدية. يجد فيها مكاناً ممتازاً للتأمل أيضاً. تغيّر أمر آخر.
"يبدو الأخ ليو في حال حسنة اليوم."
"لا بد لي من القول إن هيئة الأخ ليو تتحسن كل يوم."
"الأخ ليو! إن لم يكن في الأمر إزعاج، أفلك أن تتبادل بعض النصائح مع هذا الحقير؟"
هذا. ينقبض وجه ليو جين. الأمر هكذا منذ حفل الزفاف. لم يكن واضحاً تماماً في البداية. قضى ليو جين الشهر التالي للزفاف مع شياو شوانغ. لم تتوفر فرص كثيرة لاحتكاكه بالتلاميذ الخارجيين والداخليين. يركز التلاميذ الأساسيون على تدريبهم والمهام الموكلة إليهم من الطائفة أكثر من أي شيء آخر. عاد ليو جين للاحتكاك بالتلاميذ الخارجيين بانتظام. بات الفارق واضحاً تماماً وسهل الإدراك.
كانوا ينظرون إليه قبل الزفاف بحذر وحسد. بل بنوع من الاستياء في بعض الأحيان. كان مقامه غير مؤكد بعد في ذلك الحين. تغيّر هذا. ليو جين صهر شياو تشنغ. هذه حقيقة لا تقبل الجدل. هو في مرتبة أعلى منهم من حيث المقام. لا عجب والحال هذه أن يختار التلاميذ الخضوع له. يتعلقون بكل كلمة يلفظها. مستعدون دائماً لموافقته وتقديم الخدمات له. يعرضون اصطحابه لتناول الطعام وأشياء أخرى. الأمر متوقع تماماً.
يأملون في تحسين حظوظهم بترك انطباع جيد لديه. من الطبيعي أن يراعوا مصالحهم العليا. الأمر طبيعي. لكنه مزعج. منحه العيش في بلدة القمري الجديد بعض الخبرة في التعامل مع مواقف كهذه. لا يشعر بالارتياح مع ذلك. استطاع البقاء في غرفته طوال اليوم في بلدة القمري الجديد وينتهي الأمر. ليس هذا خياراً متاحاً هنا. وإن وجِدت أيام يقصد فيها بيته وبيت شياو شوانغ ليتأمل طوال اليوم. لكنه لا يستطيع الاختباء هناك للأبد.
لا يليق به فعل ذلك. سيتعين على ليو جين عاجلاً أم آجلاً الاختلاط بالتلاميذ الآخرين مجدداً. هو يكره هذا. يكره ليو جين ابتساماتهم المزيفة ومديحهم المصطنع. يكره أكثر من أي شيء تذكير هذا الوضع له ببلدة القمري الجديد. لا يستطيع ليو جين تفادي تذكر عجزه كلما فكر في بلدة القمري الجديد. الشعور ليس لطيفاً البتة. لا يؤدي إلا لزيادة جفوة ليو جين مع زملائه التلاميذ. لا يواجه أي خطر حقيقي منهم.
مع ذلك لا يحب ليو جين فكرة تنفير التلاميذ الخارجيين محتملاً. يبدو الأمر شبيهاً بما قد ينقلب ضده لاحقاً.
"الأخ ليو!"
"ارجو أن تنتظرنا!"
وهناك هذا أيضاً. كادت عينا ليو جين تتدحرجان إلى الخلف قبل أن يستدير ليواجه التلميذتين وعلى وجهه ابتسامة هادئة. هما فتاتان. تلميذتان خارجيتان في عمره أو أكبر قليلاً على الأرجح. يخيل ليو جين أنه يمكن وصفهما باللطيففتين. مع أنهما لا تقارنان بشياو شوانغ كثيراً. تتقهقه وتتبسم الاثنتان أثناء اقترابهما منه. لا ينعكس بشاشتهما على ليو جين مع ذلك.
"كيف حالك اليوم يا أخ ليو؟"
"كنا نتساءل عما إذا كان بإمكانك مرافققتنا لاحتساء الشاي؟"
المزيد من الابتسامات. المزيد من القهقهات. هذا النوع من الأمور بات شائعاً بمرور الأسابيع للأسف. يكتفي الذكور بمديح كل فعل يأتيه مهما كان بلا مأنى. يوافقونه حتى لو قال إن السماء خضراء ويباركون لأنفسهم على عمل أُنجِز بشكل جيد. الفتيات؟ بعضهن أكثر جرأة. أن تكون صديقاً لصهر الزعيم أمر جيد بعد كل شيء. لكن أن تكون محظية صهر الزعيم؟ الفارق في المكاسب لا جدال فيه. من المرجح أن تعيش الفتاة التي يتخذها ليو جين عشيرة حياة سعيدة.
حذره شياو نان من إمكانية حدوث أمور كهذه. مع ذلك ظل رؤيتها مفاجأة ليو جين. غالباً ما تكون الفتيات في عمره هنّ من يرغبن فجأة في قضاء وقت أطول معه. الذهاب في نزهة. الأكل خارجاً. التدرب معاً. العروض بريئة عادةً. رفض ليو جين كل تلك العروض بالطبع بألطف طريقة استطاع إليها سبيلاً. يفتح ليو جين فمه بتعب. يحاول مسبقاً التفكير في أفضل طريقة للاعتذار دون أن يبدو فظاً.
"يا له من منظر! يا له من منظر! صغار وفي غاية الوقاحة بالفعل!"
يرمش ليو جين. لم يكن هو من قال هذا. ينظر إلى الجانب تماماً مثلما فعلت الفتاتان. المتحدثة فتاة أخرى. تبدو أكبر منه ببضع سنوات. بدأت لتوها بالتحول إلى امرأة شابّة. لها شعر بني طويل مربوط في ذيل حصان أشعث. بعينيها البنيتين الساطعتين وأنقها الصغير، لا شك في أن كثيرين سيصفونها بالجميلة. ترتدي رداء تلميذة داخلية.
تقول وخطواتها المقصودة تضعها بين ليو جين والفتاتين: "أليس لديكما عيون؟ الشخص الذي تخاطبانه هو صهر الزعيم المبجل".
تلوح بذراعها لتشير إلى ليو جين.
تضيق عيناها حين لا ترد الفتاتان بل تحدقان فيها بصمت مذهول: "طرحت عليكما سؤالاً. ألا يعرف التلاميذ الخارجيون كيف يخاطبون التلاميذ الداخليين الآن؟ أقد تدنت المعايير إلى هذا الحد؟"
تشعران بالرهبة من الفتاة الأكبر سناً، فتقولان: "لا! لا!"
تتراجعان خطوة إلى الوراء دون وعي ربما.
تضغط التلميذة الداخلية وهي تعقد ذراعيها: "لا ماذا؟ أتقولان ليس لديكما عيون؟"
تتتعتع إحداهن ولا تجرؤ على ملاقاة عينيها: "كنا نعني أن المعايير لم تتدن! أدركنا أننا نخاطب صهر الزعيم شياو تشنغ!"
تطلق الفتاة ضحكة حادة: "وظننتكما أنكما تستحقان وقته؟ ألا تدركان أن شخصاً في مقامه لديه أمور أهم من إعارتكما انتباهه؟"
"نعتذر!"
"نحن آسفان! لم نفكر!"
تقول التلميذة الداخلية: "لا. لم تفكرا".
تميل إلى الأمام ليقترب وجهها من الفتاتين اللتين تحاولان يائستين عدم النظر إليها.
"اغربتا".
تفر الفتاتان كفأرين مذعورين بحضور نمر. لا أثر للكرامة في حركاتهما. تستدير التلميذة الداخلية بعد ذلك لتواجه ليو جين. ترتسم على وجهها ابتسامة فخور.
تسأل وهي تنحني له: "كيف كان هذا؟"
"قسري إلى حد ما".
"لو أراد الأخ ليو إيقاف هذه المهزلة، لما استدعى الأمر سوى طلب بسيط منه".
يعترف ليو جين: "حقاً".
راوده هذا الشعور أثناء مراقبتها. لكنه قرر ترك الأمور تجري مجراها. لو كانت هذه المرة الأولى التي يقترب فيها أحدهم منه، لشعر ليو جين بالذنب على الأرجح لعدم تدخله. لا يستطيع ليو جين القول إنه يشعر بالكثير مقارنة بالوضع الحالي. تجعل رده المقتضب التلميذة الداخلية تبتسم.
"أهذا يرضيك يا أخ ليو؟"
ينظر ليو جين إليها متمتماً بتفكير.
"إن قلت نعم، فماذا ستطلبين؟"
تجيب ورأسها ما زال منحنياً: "محادثة. ساعة من وقتك على الأكثر".
تنظر حولها. بدأ بعض الأشخاص بمراقبتهما.
"في مكان أكثر خصوصية لو تفضلت".
يفكر ليو جين في الأمر لبرهة.
"حسناً".
تختفي الفتاة عن الأنظار في لمح البصر بالكاد ينجح ليو جين في تتبع حركاتها. تستخدم انكماش الأرض، وهي حركة التنقل المميزة لطائفة شياو. يقفز ليو جين ليتبعها. لا يركض ليجارض سرعتها. لا حاجة له بذلك. يتوقف اثنان فوق سطح قرب حدود المنطقتين الخارجية والوسطى للمجمع.
تعرف التلميذة الداخلية نفسها: "اسم هذه الفتاة سو آن. أريد أن أقدم خدماتي للأخ ليو جين".
يرفع ليو جين حاجبة: "خدمات؟"
"مثلما رأيتني أفعل قبل قليل يا أخ ليو. لا شك في أنك لاحظت صحيح؟ يحاول الناس التقرب منك بسبب مقامك".
يعقد ليو جين ذراعيه: "وتدعين أنك مختلفة؟"
تجيب سو آن بجدية مذهلة: "على الإطلاق. غير أنني أعتزم تقديم شيء مفيد حقاً للأخ ليو. بلا شك تجد كل أولئك الساعين للتقرب منك مزعجين يا أخ ليو. لكن إن كنت هناك، فسيتولى أمر كل أولئك التافهين بسهولة".
يعود العرض بالفائدة بوضوح على سو آن إذ سيجعلها واحدة من أقرب الأشخاص إليه بشكل افتراضي. لكنه سيخفف عبء ليو جين أيضاً. سيبدأ الناس بالقول إنه بارد ومتباعد إن استمرت الأمور على هذا النحو. أما إن كانت سو آن هي من تذم كل من يقترب، فسيقع الكلام السيئ عليها وحدها.
سيقول الناس: "الفتاة التي تحوم حول الأخ ليو سليطة اللسان".
"الناس في عجلة دائماً لإلقاء اللوم على الأتباع"، هذا ما قاله له شياو نان ذات مره.
"ترى هذه سو آن أنه من الحصافة أيضاً ذكر أن الأخ ليو يتعامل مع التلاميذ الخارجيين الآن، لكن قريباً سيحاول التلاميذ الداخليون كسب وده أيضاً".
"مثلما تفعلين الآن؟"
تومئ سو آن بحماس: "بالضبط! لم تكن الناس متأكدة تماماً كيف تتعامل مع الأخ ليو في البداية. مع ذلك انقضى وقت كافٍ منذ حفل الزفاف بلا أي هزات كبرى. يبدو مقام الأخ ليو أكثر صلابة الآن، حتى لو ظل تلميذاً خارجيّاً. حقيقة كون الأخ ليو قريباً من الأخ الأكبر شياو نان تنعكس عليه بشكل جيد أيضاً".
هاه، هكذا يبدو الأمر للآخرين إذاً.
"بينما لا يزال التلاميذ الداخليون مترددين في الاقتراب من الأخ ليو شعوراً بالغرور، فلن يظل الأمر كذلك قريباً جداً. أليس أفضل في هذه الحالة أن يكون لدى الأخ ليو تلميذة داخلية تحرسه بالفعل؟ هذه الفتاة مستعدة لتقديم خدماتها بطرق أخرى. إن سمعت هذه الفتاة شاعات ستنقلها إلى الأخ ليو. وإن احتاج الأخ ليو لبعض التوجيه فستسعد هذه الفتاة بتقديمه. يمكن لهذه الفتاة الإشارة إلى الأشخاص المفيدين للأخ ليو أيضاً".
يرفع ليو جين حاجبة.
"وإن أتى تلميذ داخلي آخر، أستحقين حقاً في الوقوف في وجههم؟"
تبتسم سو آن.
"هذه الفتاة واثقة من قوتها".
"قد يقول البعض إن كونك أول تلميذة داخلية تقترب مني يجعلك الأكثر يأساً".
"ألا يجب أن يظن الأخ ليو أن هذه سو آن جريئة وبعيدة النظر لقدومها إلى جانب الأخ ليو قبل الجميع، عوضاً عن وصفها باليائسة؟"
يقهقه ليو جين. صرافتها في إظهار نواياها منعشة إلى حد ما. لا يزال هناك أمر واحد يجب أن يعرفه مع ذلك.
"أستحاولين إغوائي؟"
يفضل ليو جين تجنب هذا النوع من الأمور.
تبدو سو آن مصدومة من سؤاله حقيقة: "ماذا؟ لا! لا أقصد الإيحاء بأن الأخ ليو غير جذاب، لكن الأخ ليو أصغر مني سناً. علاوة على ذلك، لقد حسمت هذه الفتاة أمر قلبها لشخص آخر بالفعل".
يسأل ليو جين: "من؟"
ويضيف قبل أن تستطيع الرد: "إن لم تجبي بصدق، فلا أرى سبباً لأخذ عرضك على محمل الجد".
تحمرّ وتخجل سو آن للمرة الأولى. ينخفض رأسها أكثر من ذي قبل. الكلمات التالية التي تخرج من فمها بالكاد تُسمع. بالكاد.
"شياو نان".
يحدق ليو جين.
"تأملين في أن تتمكني من الاقتراب من شياو نان عبر العمل لدي، أليس كذلك؟"
"ربما وضعت هذه الفتاة ذلك ضمن قائمة المكاسب".
يشعر ليو جين بشيء من الشفقة تجاهها. شياو نان شخص واعي تماماً لمقامه في الحياة. لا توجد أي طريقة تجعله ينظر إلى فتاة مجرد تلميذة داخلية.
"أظن أنك ستجدين نفسك خائبة الأمل، لكن إن كان هذا ما تريدينه حقاً، فلا أرى سبباً لرفض خدماتك".
تتألق عينا سو آن البنيتان بعزم.
"لن تندم على هذا أيها الرئيس!"