قال له أبوه وعيناه تمسحان وجهه: "يبدو عليك التعب يا بني".
فتح ليو جين فاه ليجيب فلم يخرج منه غير تثاؤبة اضطر إلى سترها بكفه. السماء تميل إلى العتمة وليلها يزحف بينما ليو جين لا يكاد يصل داره الآن.
رد بعد أن فرغ من تثاؤبه: "ليس الأمر خطيراً يا أابت، إنما هو...".
خمن أبوه بابتسامة عارفة: "ممل".
فلم يملك ليو جين إلا أن يهز رأسه موافقاً. لو اقتصرت مهامه في طائفة شياو على الجهد البدني ومعالجة الآخرين لهان الأمر. لو أتيح ليو جين أن يقضي يومه في صنع العقاقير لما عدّ ذلك عملاً أصلاً. لو انحصر واجبه في النزال مع التلاميذ الداخليين لصار قريباً من اللهو.
فرك ليو جين مؤخرة عنقه وقال: "إنه أمر مزعج تصفح ملاحظات الطبيب وو. الجلوس طوال اليوم أضرّ به".
أردف بابتسامة خبيثة تلامس شفتيه: "ومع ذلك أحضرت بعض ملاحظاته معك".
أشاح ليو جين بوجهه وقد اشتعل خجلاً: "ما إن شرعت في هذا الجزء حتى بات تركه دون تمام يضنياني".
طرف ليو جين بعينيه حين تسلت رائحة إلى أنفه. انتصب رأس المطبخ والتفت يلتمس الهواء بأنفه.
التفت إلى أبيه ومرفقه مستقر على الطاولة وسأله: "أعندنا حلويات؟".
"كنت أتساءل متى تفطن لذلك. جلب غاو سي صندوق كعك باللوز صنعته زوجته اليوم. وهي في المطبخ".
كاد ليو جين ينهض ليظفر بواحدة حتى استقر وقع كلمات أبيه في صدره تماماً.
حول بصره إليه وقد مال برأسه قليلاً نحو اليمين: "تزوج غاو سي؟".
لعل في دهشة ليو جين شيئاً من الفظاظة. لكن غاو سي هو من دأبت العجوز غاو على نعته بالابن العاق الذي يعجز عن الظفر بامرأة ولو كانت عمياء صماء.
"فاجأني الأمر أنا أيضاً ولكن نعم. أقيم الزفاف قبل بضعة أشهر. ولا أستغرب أن يفوته عليك".
سرت في وجه أبيه مسحة انزعاج: "كان لدينا ما يشغلنا آنذاك".
قال ليو جين وقد تسلل الحزن إلى منكبيه لكنه بذل جهده لينفضه: "أنا سعيد من أجله. أظن زوجته بصحة جيدة بما أنه جلب الحلويات".
ما أكثر ما يحمل المرضى الهدايا امتناناً لخدمات أبيه. يحدث ذلك مرتين في الأسبوع على الأقل.
"بل وأكثر من ذلك، إنها حامل بتوأمين".
لم تكن ابتسامة أبيه تقل إشراقاً عن النهار ولم يلبث ليو جين أن بادله إياها. كان العجوزان غاو وغاو سي من أوائل مرضى أبيه. يكاد يبدو أمس القريب حين كان غاو سي يتردد كل أسبوع ليتلمس دواء أمه. أنى ليو جين ألا يغمره السرور وهو يرى صاحبه يغدو أباً؟
هز ليو جين رأسه مبتسماً: "توأمان حقاً؟ لكانت العجوز غاو بالغة السعادة لو شهدت هذا".
طالما أقلقها عُقم حظ ابنها وطالما تذمرت من خلو دارها من أحفاد تدللهم وسواء حضر غاو سي أو غاب. ما أسرع انقضاء الأيام.
"أأرسل لهم هدية؟".
"إن شئت. وأنا جازم بأن ذلك سيغمرهم بالفرح. قد لا تدرك بحكم انشغالك مبلغ تعاظم صيتك في أرجاء المدينة خلال الشهور الماضية".
رمق أببيه الملاحظات وتابع: "إن احتجت عوناً فأنا أزعم أني قادر على تقديم بعضه".
هز ليو جين رأسه مستدركاً بسرعة: "هذا يسير. وأبوك مثقل بهموم العيادة وما فيها. أرجوك لا تدعني أزيد أثقالها".
قد يبعث الأمر على شيء من الضيق لكن انشغاله بطائفة شياو بات يقتطع من وقته في العيادة سنة بعد سنة. ومع أنه يجوز لأحد أن يجادل بأن ليو جيانغوو ما افتقر يوماً حقاً لعون ليو جين فهذا لا يمنع ليو جين من الإحساس بالذنب لتقصيره.
قال أبوه بنبرة حازمة: "يا بني، لا أظن هذا يحتاج إلى قول، لكنك أولى اهتماماتي دائماً. وما قلّ ما أستطيع نفعك به فلا تحرمني فرصة تحقيقه".
احمر وجه ليو جين وطأطأ ينظر إلى حِجره: "شكراً لك يا أببت".
"على قيد الذكر، الكلمة التي درتها في دائرة تعني العائلة".
بقي ليو جين يطرف بعينيه حائراً.
نقل بصره مراراً بين الملاحظات وأبيه: "لكن هذه... لقد أوحى السياق دوماً أنها شيء شديد السقّم والضجر".
أكد أبوه بيقين تام: "العائلة. لا شيء أشد وقعاً على الطبيب من عائلة المريض. لا غرابة في أنك لم تدركها بعد. فرغم براعتك حِميتك عن ذلك الجانب من الطب".
عاد ليو جين يردد غير مصدق: "العائلة؟".
فأومأ أبوه بيقين مطلق: "سياتي يوم تعالج فيه مريضاً يبدو وديعاً. ثم ينهال أهله عليك زيارة إثر زيارة ويرتقب كل منهم أن تعيد على مسامعه ما شرحته للمريض سالفاً وكل منهم يحسب أنه الأعلم بما يصلح. إنهم يفعلون ذلك فرط حرصهم، لكن هذا لا يرفع عنهم شيئاً من وطأتهم. قد أكون كرهت الطبيب وو شخصياً، لكن ثمة حقائق لا يدركها إلا الأطباء. وتلك إحداها".
العائلة. رمق ليو جين الملاحظات وأبدل في عقله الكلمة المُعمّاة بكلمة العائلة. استقامت في موضعها تماماً. وكما عهدناه، أبوه مذهل حقاً.
"يا أببت، ما زال أمامي الكثير لأتعلمه".
"الكل كذلك يا بني. وجوب الأمر كله ألا تنسى أبداً أن في جعبتك متسعاً للتعلم".