"يا طبيب، لا أملك كلمات كافية لأشكرك حقا!"
"ألم أقل لك؟ ألم أخبرك؟ صديقي طبيب مذهل بحق!"
ملأت قهقهات العجوز غاو عيادة ليو جيانغوو الصغيرة. انتفخ بطنه البارز ضاغطا على ثيابه وهو يرجع رأسه إلى الوراء ضاربا كتف ليو جيانغوو.
"أنا أؤدي عملي فحسب. لا حاجة إلى الشكر"، هكذا أجاب ليو جيانغوو مريضه.
والتفت إلى صديقه قائلا: "أرجوك يا صديقي، أنت تبالغ في إطرائي".
"يقول إني أبالغ".
وملأت قهقهات العجوز غاو الصاخبة العيادة مرة أخرى. وخشي ليو جيانغوو للحظة أن توقظ ليو جين وتجعله يبكي، لكن ابنه كان أوضح عودا وأصلب من ذلك بكثير.
"كأن في الأحياء الخارجية طبيبا يضاهيه".
كان مذهلا كيف تغيرت الأمور في بضع أشهر فقط. لم يفكر ليو جيانغوو كثيرا عندما أعطى العجوز غاو تلك الحبوب. كان يحاول فقط فعل معروف لشخص أظهر له لطفا. لم يكن حتى تصرفا بهذا الكبر. كانت الحبوب رخيصة وسهلة الصنع. ومقارنة بما كان قادرا عليه من قبل، لم تكن تلك الحبوب سوى نفايات. لو قدم ليو جيانغوو شيئا كالحبوب لسيده، لطُرد بسبب هذا العمل الرديء. ومع ذلك، لمن يعني هذا أن الحبوب كانت سيئة.
على العكس تماما، عملت الحبوب تماما كما وُضعت لأجله. لم يعلم ليو جيانغوو متى تحديدا تناول العجوز غاو الحبوب، ولا علم بما دفعه للثقة بدواء أعده رجل مقعد. كل ما عرفه أنه بعد أسبوعين من إعطائه تلك الحبوب، ظهر العجوز في عيادته وشكره بغزارة.
قال العجوز غاو: "حقا إن لقاءنا لشيء باركته السماء. لقد أزعجني السعال لأشهر، ولم يزدد إلا سوءا في الآونة الأخيرة. والآن، زال كل ذلك بفضلك!"
امتنع ليو جيانغوو عن ذكر أن سعال العجوز غاو لكان ازداد سوءا بكثير لو لم يتناول الحبوب. كانت أمراض الرئة عذابا في علاجها، خصوصا إذا سُمح لها بالتفاقم. بعد الأخذ في الاعتبار، كان أمرا جيدا لقاؤه العجوز غاو في ذلك الوقت. حاول ليو جيانغوو إخبار العجوز بأنه لا داعي لجعل الأمر قضية كبيرة. والحق أنه لم يرغب في جذب الكثير من الاهتمام، وكان شكره على إعداد دواء بسيط كهذا أمرا محرجا له.
غير أن العجوز غاو لم تكن لديه نية لإنهاء الأمور هكذا. من قبل، كان يساعد ليو جيانغوو من طيب خاطر. وما إن علم أن ليو جيانغوو لا ينقصه المهارة، حتى صار زائرا دافئا للعيادة بل جلب عائلته إليه. سخر الناس من العجوز غاو لاعتماده على مساعدة مقعد، لكنه لم يدع ذلك يزعجه. وبالفعل، أثبت قرار العجوز صوابه. كان ليو جيانغوو قادرا دائما على حل كل معضلة طبية تُعرض عليه. ثم بدأ العجوز غاو يوصي به لكل من استعد للاستماع إليه.
واتضح أن العجوز غاو يملك شبكة واسعة من الأصدقاء. فالخصال نفسها التي دفعته لمصادقة ليو جيانغوو جعلته يصادق عشرات وعشرات من البشر في شتى أرجاء مدينة ميناء الشرق. كان العجوز غاو يتحدث مع أي شخص يكترث للاستماع وكان مستعدا دائما لمساعدة محتاج. وبدا كأنه لا يوجد شخص واحد يبغضه. وغني عن القول، إن عدد مرضى ليو جيانغوو بدأ في الازدياد. وعيادته الصغيرة، التي بالكاد ترى حفنة مرضى أسبوعيا، بدأت فجأة تستقبل عملاء جددا كل يوم.
كانوا يأتون أحيانا في الصباح. وكانوا يأتون أحيانا تحت جنح الظلام، خشية أن يُروا وهم يستشيرون مقعدا. وكانت أمراضهم مألوفة أحيانا، وتطلبت أحيانا أخرى بعض التفكير. ومع ذلك، لم تكن أي مشكلة خارج حدود مهارة ليو جيانغوو الطبية، وهي حقيقة أصبحت أكثر وضوحا بينما كان يتعامل مع المزيد والمزيد من المرضى. وانتشرت الألسنة أكثر مع استمرار نجاحاته، وأصبح لدى ليو جيانغوو الآن ممارسة مزدهرة.
لم تكن شيئا يُذكر مقارنة بكبار أطباء المدينة، لكنها كانت أكثر من كافية له ولليوم جين ليعيشا. الآن، لن يتساءل أحد بعد عن مصدر حصوله على كل أمواله.
"أوافق العجوز غاو الرأي، أيها الطبيب المُجلّ. لولاك لكنت حتما في ورطة غدا".
كان العميل الذي جلبه العجوز غاو هذه المرة تلميذا من طائفة شيا يتردد على متجره. وقد عانى إصابة أثناء نزال لم يرغب في الإفصاح عنها لقرنائه. أمرا طبيعيا تماما من منظور ليو جيانغوو. بغض النظر عن المدينة أو البلد، كان الأمر سيّان دوما. يتصارع التلاميذ ويتنافسون فيما بينهم لبلوغ القمة. من الخارجية إلى الداخلية فالباطنة. تتغير الأسماء أحيانا، لكن كل ذلك في سبيل الظفر بمكانة من الحظوة والنفوذ داخل الطائفة.
قال التلميذ وهو يدلك ذراعه الملتئمة الآن بذهول: "فزت بنزال ضد تلميذ داخلي آخر في الأيام القليلة الماضية، لكنني جُرِحت أثناء الجولة. كان وجهه عاديا إلى حد ما ويسهل نسيانه، باستثناء أنفه الذي كان كبيرا للغاية. "ما كان لي أن أسمح لنفسي بالظهور بمظهر الضعيف، لكن جرحي لم يكن يلتئم بالسرعة الكافية.
لو ذهبت إلى الأطباء الذين يعملون لصالح الطائفة، لعلم الآخرون على الفور.
لولا مساعدتك لكنت حتما في ورطة". عدم القدرة على الثقة بزملائه التلاميذ. قد يعتبره البعض أمرا محزنا، لكنه بالنسبة ليو جيانغوو دليل على إمكاناته. إن خشي استهداف التلاميذ الآخرين له، فذلك لأنه كان قويا بالقدر الذي يجعله يُعدّ تهديدا. ويا للأسف، عنى اضطراره للجوء إلى شخص مثله أنه لم يملك حلفاء كثر داخل طائفة شيا بعد. يا له من أمر مؤسف. شخص مثله لن ينجو طويلا ما لم يصنع الأصدقاء المناسبين. هكذا كانت الأمور تسير عادة. ضحك التلميذ غير آبه بأفكار ليو جيانغوو. "كنت قلقا نظرا لوجود نزال مهم في انتظاري، لكني أعلم الآن أنه لا شيء أخشاه.
ربما ساعدت للتو شخصا سيصبح ذات يوم تلميذا باطنا لطائفة شيا، أيها الطبيب ليو!"
شك ليو جيانغوو إلى حد ما في حدوث ذلك. وضحك العجوز غاو.
"احرص على شكر الأخ جيانغوو إذن، أليس كذلك؟ تأكد من إخبار الجميع بوجود طبيب في الأحياء الخارجية جيد تماما كأولئك الذين في الأحياء الداخلية".
"أرجو أن لا تقول شيئا كهذا أبدا. أنا مولع جدا بربط رأسي بعنقي".
كان هذا النوع من التفاخر هو ما سيورطه في المشاكل لا غير. عرف ليو جيانغوو أن ذلك النوع من الأمور ينتهي بالتصاعد بلا داع بسبب كبرياء الناس الأحمق. لم يملك حتى طاقة تشي، فلم تكن تلك مخاطرة قادرا على تحملها. وربما ظنا منه أنه كان يلقي دعابة، ضحك العجوز غاو والشاب من طائفة شيا.
"حسنا، أيها الطبيب ليو، لن أسبب لك المتاعب، لكني سأحرص على زيارتك حين أصاب. تطلع إلى ذلك".
"أخشى أنني لا أستطيع التطلع إلى أمر كهذا. أنا طبيب. إن جئت لرؤيتي مجددا، فلن يكون ذلك إلا لأنك لست على ما يرام. قد يكون ذلك جيدا لجيوبي، لكنه سيء لصحتك. إن كان ممكنا، فأنا أود في الواقع ألا أراك مجددا أبدا".
"هاهاها!"
ضرب العجوز غاو ركبتيه ومسح دمعة من عينيه.
"أه، أيها الأخ جيانغوو! أنت الأفضل حقا!"
ناقش ليو جيانغوو نفسه في ما إذا كان إخباره بذلك ليس دعابة أيضا. وقرر خلاف ذلك في النهاية. إنه مدين لغاو بازدهار عمله، والضحكات لا تكلف شيئا. ~~~ رفع ليو جيانغوو حاجبا.
"مجددا؟"
"عذرا، أيها الطبيب. أنت تعرف كيف تسير هذه الأمور. حسنا، لا. أنت طبيب، لذا فربما لا تعرف الكثير عن كيفية سير هذه الأمور، لكن ثق بهذا في أن هذا شائع إلى حد ما".
ضمّد ليو جيانغوو جذع الشاب بحرص بينما ضحك الشاب لنفسه. والحق أنه عرف تماما نوع الأمور التي يتحدث عنها الشاب. لقد مضى بضعة أشهر منذ أن جلب العجوز غاو الشاب من طائفة شيا إليه. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الشاب زائرا دافئا لعيادته، قاصدا إياه دوما بعد تعرضه للإصابات.
"الأمر هكذا، أيها الطبيب. واجهت أنا وأصدقائي مشكلة مع عشيرة صغيرة. كان مفترضا أن يكون الأمر بسيطا، لكن تبين أنهم أصدقاء لشخص من مدرسة مرموقة وهؤلاء بدورهم مرؤوسين لطائفة يون، وحسنا..."
"تصاعدت الأمور".
"بالفعل"، أومأ الشاب برأسه بوقار.
"في النهاية، تمكنا من حل الأمور بطريقة سمحت للجميع بحفظ ما وجههم، لكنها ظلت قضية عنيفة".
خلافا لتوقع ليو جيانغوو، بدا أن الشاب قد ازدهر في طائفة شيا. فإما أنه نجح في نسج صداقات صحيحة، أو أن الصداقات الصحيحة نجحت في العثور عليه. وما زال مجرد تلميذ داخلي، لكن مكانته في طائفة شيا بدت وكأنها استقرت. ولم يعد يأتي إلى عيادته نتيجة إصابات تلقاها في صراعات مع زملائه التلاميذ. صار يأتي إليه الآن بسبب صراعات مع عشائر وطوائف أخرى.
قال ليو جيانغوو بصراحة: "يسعدني أنك لم تمت".
"ومع ذلك، لا أملك إلا أن ألاحظ أنك لم تعد بحاجة إلى خدماتي. بالتأكيد، يجب أن تمتلك طائفة شيا أطباء أفضل مني".
حين كانت مكانته في طائفة شيا غير مؤكدة، كان إخفاء إصاباته عن زملائه التلاميذ أمرا بديهيا، لكن ما عاد هناك فضل في ذلك الآن. ولم يكن ليو جيانغوو أحمق بالقدر الذي يجعله يصدق أن الشاب الذي يضمّد جروحه لا يملك أعداء. كان أمر كهذا مستحيلا، لكن مكانته في طائفة شيا يجب أن تكون آمنة بالقدر الكافي لقصور أطبائهم بدلا منه.
"أيها الطبيب ليو، لا تقل أموراً كهذه. أنا أعرف كفاءة الأطباء الآخرين، ولا يمكنهم مقارنتك قط. في الواقع، يمكنك القول إن مكانتي في طائفة شيا الآن ترجع إلى سرعة شفائك لإصابات الجميع مقارنة بالآخرين".
"أرجوك، لا تبالغ في إطرائي".
"هذا لا يكذب. أقسم أنها الحقيقة. في الواقع، لو كان الطبيب المُجلّ أمامي هو من يعالج البطريرك، لكان مرضه قد زال على الأرجح الآن".
رمش ليو جيانغوو ورفع نظره بينما أنهى تضميد الإصابة.
"مرض؟"
أكان زعيم طائفة شيا مريضا؟ لم يذكر أنه سمع شيئا عن ذلك. نظر إليه الشاب من طائفة شيا بعينين واسعتين.
"ألا تعرف؟ كل ما يتحدث عنه الناس هو هذا!"
قال ليو جيانغوو محاولا ألا يدير عينيه: "لا أتخذ من الاستماع للنميمة عادة".
"دعني إذن أكون أول من يخبرك، أيها الطبيب ليو"، قال الشاب متخذا كلام ليو جيانغوو بطريقة ما دعوة للنميمة.
"الحقيقة هي حتى نحن التلاميذ الداخليين لا نعرف القصة الكاملة. لا أعتقد أن حتى التلاميذ الباطنين يعرفون".
إذن ما كان ينبغي له التحدث عن هذا.
"كل ما يعرفه هذا هو أن أحدا لم ير البطريرك شيا تشينغ منذ فترة. لقد مضى شهران تقريبا. ولم يغادر المنزل الرئيسي طوال ذلك الوقت".
عقد ليو جيانغوو حاجبيه. شهران؟ لم قد يكون ذلك سببا للقلق؟ حتى بالنسبة لممارس في عالم السماء، لم يكن قضاء سنة كاملة من التدريب خلف الأبواب المغلقة أمرا لم يُسْمَع به. لم قد يتسبب عدم رؤية شيا تشينغ لبضعة أشهر في القلق؟
أوضح الشاب قائلا: "تشير الشائعات إلى أنه مريض. ويبدو أن جميع طاقمنا الطبي قد راح يتردد صعودا وهبوطا على المنزل الرئيسي في الآونة الأخيرة. والخدم قلقون للغاية".
واقترب محتضنا وخفض صوتها.
"سمعت بعض الناس يقولون إنهم رأوا الطبيب وو يدخل المنزل الرئيسي".
"الطبيب وو؟"
بدا الشاب مندهشا.
"طبيب؟ ألعلك لم تسمع بالدكتور وو قط؟ إنه معترف به على نطاق واسع من الجميع بوصفه أفضل طبيب في المدينة! حتى شخص من طائفة شيا مثلي لا يمكنه مجرد الظهور عند عتبة داره وتوقع تلقي العلاج. وحدها النخبة بين النخبة من تستطيع تحمل تكاليف خدماته".
"سيتعين عليك مسامحة جهلي. لا أتخذ من مغادرة الأحياء الخارجية عادة. فالأحياء الداخلية لا تناسب رجلاً بسيطاً مثلي".
"آه، نعم. أنا أفهَم".
أومأ الشاب بقوة.
"هذا منطقي. بغض النظر، أقول إنه إن جلبوا أفضل طبيب في المدينة، فلا بد أن بطريركنا مريض خطير إذن".
قال ليو جيانغوو: "لا أولي الكثير من الاهتمام للشائعات، لكن إن كانوا قد استدعوا خدمات طبيب كهذا بالفعل، فلا أرى كيف لمهاراتي الزهيدة أن تكون ذات نفع".
"حسنا، قد يكون الأمر كذلك. ومع ذلك، سيكون أمرا رائعا، أليس كذلك؟ إن استطاع الطبيب ليو شفاء رجل عجز الطبيب وو عنه، فسيحلق صيته في السماء حتما. بل وربما أنال بعض الفضل لجلب الطبيب ليو إلى طائفة شيا! ألا يبدو جيدا؟"
ضحك الشاب ليظهر أنه كان يقصدها كدعابة فحسب. ابتسم ليو جيانغوو.
"أرجوك، لا تمزح هكذا. أمور كهذه تفوق منزلتي قطعا".
دونَ علم ليو جيانغوو، كانت الشائعات التي جلبها الشاب من طائفة شيا إليه أكثر من مجرد شائعات بسيطة، وستصبح تلك الشائعات في غضون أسابيع قليلة معرفة عامة. وستتقاطع دربه ودرب شيا تشينغ بلا شك.