لم يقاتل أحد ليو جين بقية اليوم. في الواقع، انتهت المرحلة الأولى بأحداث شبه معدومة. من امتلك الشجاعة للوقوف أمامه وطلب العفو بعد استشعار هالته المرعبة يمكن عدهم على أصابع اليد الواحدة. بالنظر إلى الأمر من هذه الزاوية، يمكن القول إن مواجهة الريح الهائمة كانت الخيار الأصوب. مع ذلك، لم يشعر ليو جين قط بالراحة تجاه خوف الآخرين منه.
"تقطب حاجبيك هكذا رغم تقاسمك الغرفة معي. قد تشعر أي سيدة عادية بالإهانة."
نظر ليو جين إلى لو مي. كانت جالسة على السرير بالفعل، بعد أن ارتدت ثياب نومها. بينما جلس هو قرب نافذة الغرفة، محدقاً في السحاب القرمزي. حتى في سماء المساء، تعذر تجاهل شكل الملعب الأحمر العائم فوق القصر الإمبراطوري.
قال ليو جين: "أظنني محظوظاً لكونك لست سيدة عادية."
"هل كان هناك شك في ذلك قط؟"
ابتسم ليو جين.
"طلاقة تامة."
على عكسه، شعرت لو مي بسعادة بالغة جراء ما جرى. إمبراطور إمبراطورية تنين العاصفة واجه الريح الهائمة علناً ونجا. من يملكون القوة الكافية يدركون جيداً كيف يتجنبون التأثر بمثل هذه الحكايات، لكنها تظل إضافة أخرى لأسطورته. مع ذلك، لم يقصد ليو جين استدعاء مساره الداخلي بهذه العلنية. ورغم حتمية حدوث ذلك، إلا أن ظهور سو آن هزّه بشكل يفوق توقعاته بكثير.
سألته لو مي: "أتشتاق إليها إلى هذا الحد؟"
أجاب ليو جين: "بدرجة أدهشتني شخصياً. كانت سو آن صديقة عزيزة لي في مدينة الميناء الشرقي. لكنني كنت سأكذب لو قلت إنني فكرت كثيراً فيها بعد سقوط المدينة. كانت مجرد... مجرد شخص آخر أخشل في حمايته."
ربما لهذا السبب لم يفكر فيها مطولاً. كل ما يذكره بمدينة الميناء الشرقي... كان تجنبه أسهل لعقله. أي شيء آخر كان مؤلماً أكثر من اللازم. أخذ ليو جين نفساً عميقاً. استرخى تشي الخاص به.
قال ليو جين: "كل شيء تغير بعد أن علمت أنها على قيد الحياة. كل لحظة تمر دون وجودها إلى جانبي تبدو إهانة شخصية. عندما وصلت الريح الهائمة معها، لم أستطع السيطرة على نفسي. العجز عن التحرك كان عبئاً أثقل من أن يتحمله المرء. هكذا بدا الأمر..."
قالت لو مي وهي تضم وسادة إلى صدرها: "أمر مثتمام الاهتمام. حتى نكون على صواب تام، أدرك تماماً أن جزءاً من هذا يرتبط بمدى هوسك بامتلاك الناس، أليس كذلك؟"
كشّر ليو جين. تمنى لو كان الأمر مجرد قلق بلا أساس، لكن إثارة لو مي له تعني أنه عكس ذلك تماماً. عدد المرات التي ضبط فيها نفسه وهو يتحدث عن الناس أو يفكر بهم بنبرة تشبه الملكية لم يكن... بالشيء البسيط.
قالت لو مي: "لا تسئ الفهم. إنه أمر محبب للغاية. تحب أيّة سيدة الشعور بالمرغوبية، وتُستحسن نوبات التملك المفاجئة. ورغم ذلك..."
أطرق ليو جين برأسه.
"أنا تنين."
هزت لو مي كتفيها قائلة: "هذا التفسير الأرجح. أيعز عليك الأمر؟"
رد ليو جين: "ليس بقدر ما كان سيفعل فيما مضى. لقد تغيرت منذ يوم مغادرتي مدينة الميناء الشرقي، ويمكنني تخيل أمور أسوأ من تقدير من يعنون لي شيئاً. علاوة على ذلك، لو ظننت أنه مشكلة، لكنت فاتحتني بالأمر قبل اليوم بكثير."
"أه؟ أتثق بي إلى هذا الحد؟"
قال ليو جين: "تماماً."
احمرّ وجنتا لو مي.
قالت لو مي: "دائماً ما كنت شهماً، لكن هل يمكنني اعتبارك شهماً حقاً لو تجاهلت سيدة جميلة طوال الليل لمجرد التأمل بصمت؟"
ابتسم ليو جين ووقف.
"سيكون ذلك في غاية الوقاحة مني، أليس كذلك؟"
~~~ بمجرد انتهاء الجولة الأولى من بطولة السحاب القرمزي، مُنح المتنافسون الباقون أيّاماً قليلة للراحة والاستعداد للمرحلة التالية. بات من وصلوا إلى قائمة الألف الأوّل معروفين في مختلف أنحاء المدينة وما وراءها، بينما تلاشى من اخفقوا في حفر أسمائهم ضمن ذلك العدد في غياهب النسيان، ليصبحوا مجرد وجوه في زحام الحشود. يمكن العثور على أحجار الذاكرة لأبرز المعارك حتى الآن في كل مقاطعة تقريباً.
يستمتع بها الكبار والصغار على حد سواء، ويدرسها بدقة المتسابقون القدامى في المرحلة الثانية والمقامرون المخضرمون. مع كل ذلك، ينمو السحاب القرمزي. الملعب الأحمر العائم فوق القصر كان يتميز بحجمه المهيب بالفعل، لكنه بات أكبر حجماً منذ انتهاء المرحلة الأولى. صار لونه القرمزي أكثر توهجاً، وتمددت السحب المكونة له لتشكل سجادة حمراء كثيفة تغطي القصر الإمبراطوري طوال ساعات اليوم.
لذا، حين يحل اليوم الأول من المرحلة الثانية، يتجمع المتنافسون الباقون تحت ظل السحاب القرمزي.
قال الإمبراطور شيانغ للمتنافسين الألف الباقين في البطولة: "تماماً كما يُفصل القمح عن الزؤان، صعدتم جميعاً فوق أقرانكم بفضل تميزكم الذاتي. ومع ذلك، هذا لا يكفي. ألف متنافس رقم أكبر بكثير من المسموح."
كان الجو مثقلاً بالتوتر. تجمع أمام الإمبراطور ألمع المواهب التي يقدّمها هذا الجيل. وقفوا في فناء القصر، منتظمين في عشرين صفاً يضم كل منها خمسين فرداً. وقف المصنفون في المراتب العليا في المقدمة، بينما احتل المتاخمون المؤخرة. وحتى أثناء حديث الإمبراطور، رمق بعضهم بعضاً بنظرات فاحصة. لم تكن عينا ليو جين ترى سوى سو آن. عرف بمكانها في صدارة المجموعة الخضراء منذ أيام قليلة.
وحين صارت على بعد خطوات معدودة منه، لم يرغب في شيء قدر أخذها جانباً ليتبادلا الحديث. لكن عليه التحلي بالصبر. لا تدري ما حلّ بها منذ رآها آخر مرة. جسدياً، لا تزال التغيرات التي سببتها سو داجي قائمة. وبالمثل، يحتفظ تشي الخاص بها بآثار طاقة شيطانية، لكنها لا تطابق تماماً حالتها السابقة. شيء ما تغير فيها. لا يسع ليو جين إلا الأمل في أن يكون تغييراً إيجابياً.
تابع الإمبراطور شيانغ ويداه مطبقتان خلف ظهره: "يعرف بعضكم مسبقاً ما ستؤول إليه الأمور. لكنني سأتحدث لإفادة من لا يعلمون. لن تُعقد المرحلة الثانية من البطولة في مدينة السحاب الإمبراطوري. بل ستغامرون بالدخول إلى عالم السحاب القرمزي!"
ما إن أعلن ذلك حتى التوى السحاب القرمزي فوق رؤوسهم، والتفت مسارات سحابية لتهبط نحو الفناء، رابطة السماء والأرض بخيوط قرمزيّة.
"أتساءلت يوماً عن سبب مشاركتنا في البطولة يا صهري؟"
هكذا سأله فنغ جوو ذات يوم.
"بالتأكيد، تمثل هيبة الأمر كله جزءاً كبيراً منه. في هذه الأيام، يمكن القول إنها الجزء الأهم، لكن الأمر لم يبدأ هكذا. مشاركة الطوائف الكبرى الأربع هي ما يمنح البطولة مشروعيتها، وما كنّا لننضم أبداً لو لم تقدم العائلة المالكة عرضاً مناسباً."
تابع الإمبراطور: "لا يوجد حد زمني للمرحلة الثانية. ستاتلون حتى يتبقى منكم أربعة وستون فقط. لا أكثر ولا أقل. أنتم أحرار في استخدام أي سيلة ضرورية لتحقيق هذه النتيجة، لكن حذروا! طالما استمرت المرحلة الثانية، سيعرض السحاب القرمزي مبارياتكم في الساحة القرمزيّة."
التحذير أمر ضروري. رغم سماح قواعد البطولة بأمور كثيرة، فإن احتمال اطلاع الجميع على أفعالهم يضمن عدم جلب المتنافسين العار لطوائفهم بمحض إرادتهم. رغم ذلك، ثمة ما هو أهم بكثير لا يقوله الإمبراطور شيانغ.
"عالم السحاب القرمزي ليس مساحة تُفتح لإجراء البطولة فحسب. بل العكس تماماً. تقام البطولة لأن العالم يُفتح. إنه العالم المكاني لملك سابق. عدد الكنوز المخفية هناك لا يُحصى. ما كانت الطوائف الكبرى الأربع لتتقاعس قط عن فرصة نيلها. هكذا دفعتنا العائلة المالكة للمنافسة. وحتى لو اضطررنا لمنح جزء من الكنوز للعائلة المالكة، فالأمر يستحق عناءه تماماً. يمكن القول إن بطولة السحاب القرمزي هي ما منح العائلة المالكة مشروعيتها المطلقة في النهاية."
أُعطيت الإشارة. خطا ليو جين داخل مسار السحب القرمزيّة. ~~~ الغطس في السحاب القرمزي يشبه القفز في بحيرة بلا ماء. يدرك ليو جين أن التشبيه لا منطق فيه تماماً، لكنه الوحيد الذي خطر بباله لوصف الإحساس الغريب الذي تملك جسده طوال نفس واحد. حين فتح عينيه، أحاطت بليو جين أشجار حمراء شاهقة بأوراق تحمل اللون ذاته. غاب القصر الإمبراطوري والمدينة عن الأنظار تماماً. تعذر على ليو جين حتى استشعار تشي أي شخص قريب.
بحركات سريعة ورشيقة، اندفع ليو جين متسلقاً أعلى شجرة ليرى الغابة الحمراء ممتدة على مدى البصر. بدا الأمر وكأن العالم بأسره عالق في خريف لا ينتهي. وحدها نهر أزرق بلورى يتدفق في المنتصف كسر نسق الألوان، وإن تحمل النهر بدوره أوراق شجر متساقطة تطفو على سطحه. حملتها التيارات كقوارب صغيرة تبدأ رحلة بعيدة. الأمر تماماً كما وصفه فنغ جوو.
"يتدفق الوقت بشكل مختلف داخل السحاب القرمزي. إنه أمر مفيد للغاية إذ يمنحك وقتاً أطول للبحث عن الكنوز، لكنه على الأرجح ليس ما يعينك."
بالتأكيد، ليس كذلك. المفترض أن يدخل المشاركون في مجموعات من عشرة أفراد وفقاً لترتيبهم، بفاصل زمني قدره عشرون ثانية بين كل مجموعة وأخرى. لكن داخل السحاب القرمزي، تقارب تلك العشرون ثانية عشرين دقيقة، مما يعني استغراق دخول الجميع يوماً كاملاً وزيادة. بصفته المقاتل الأبرز في المجموعة الحمراء، كان ليو جين من أوائل الداخلين. دخلت فنغ تشي معه أيضاً، وكذلك شياو شوانغ، وهي تلميذة أخرى من مكان الجليد السماوي، وبعض تلاميذ طائفة الجبل اللامتناهي، وطبعاً...
سو داجي. هي هنا. عليه فقط إيجادها، لكن القول أسهل من الفعل. لا يستطيع ليو جين استشعار تشي أي شخص بالقرب منه. ربما كان الأفضل لو بلغت لو مي المركز الثاني، لكن فنغ تشي ما كانت لتوافق على ذلك أبداً. لا بأس. عليه البحث عن سو آن بالطريقة الأصعب.
[انكماش الأرض]
اندفع ليو جين عبر قمم الأشجار بخطى سريعة. لم يكلف نفسه عناء إخفاء تشي الخاص به. لا جدوى من استخدام [فن اللص الهائم] بعد. أراد أن يُرى. أراد أن يُعثر عليه. بالطبع، وبالنظر إلى بقية المشاركين الذين دخلوا رفقته بوصفهم أعضاء في الطوائف الكبرى الأربع، فمن المستبعد أن يحاولوا تحديه في الوقت الحالي. مرت ساعة. ظلت الشمس ثابتة في كبد السماء. كل شيء مطابق لوصف فنغ جوو، مما يعني أن ليو جين لم يصادف فنغ تشي بعد لسبب واحد فقط هو أن السيد الشاب للشعلة الأبدية لا يرغب في حضوره.
تنهد ليو جين. بدأت الشجرة الواقعة تحت قدميه تتحرك. كانت حركتها خفيفة، لكن ليو جين قفز مبتعداً على الفور. التفت قبضة من السحب الحمراء حول الفراغ قبل مرور ثانية كاملة. تحطمت الأغصان لحاء الأشجار إلى شظايا سحابية. تشكلت أذرع وسيقان مستديرة، وانفتح فم. النتيجة النهائية كانت وحشاً بشرياً عملاقاً مصنوعاً من سحب قرمزيّة.
"نسميها وحوش السحاب. على حد علمي، فهي مخلوقات ولدتها المشاعر العدائية داخل السحاب القرمزي. أمر مثير للاهتمام، أليس كذلك؟"
ضرب البرق المكان. شقت شفرة أرجوانية لامعة وحش السحاب ومزقته إرباً.
قال ليو جين بينما بدأت وحوش سحابية أخرى تتشكل حوله من كل حدب وصوب: "لا يا صهري، لا أظن ذلك."