يؤمن الشيخ جان بالثبات التام. في عالم يعجّ بالزوال، لا بدّ لما يدوم، لما لا يتزعزع أبداً ولا يساوره شك، أن يحمل قيمة أكبر. لطالما اعتقد الشيخ جان هذا. هكذا صيغت حياته جملةً من الثوابت. منصبه شيخاً. تفوق طائفة شيا على طائفة يون. سيادة البطريرك شيا جينغ على كل ما ملك. خلال سنوات قليلة، فقد كلّ ذلك. ربما دلّ هذا على حقيقة أهمية تلك الأشياء. قُتل العظيم شيا جينغ في المعركة.
فقد الصراع المزمن مع طائفة يون معناه حين دُمّرت مدينة الميناء الشرقي. انتُزع منه منصبه شيخاً حين رفض الانحناء لشيا ييفان عقب بسط سيطرتها على الطائفة. جرّاء وقوفه في صف السيد الشاب شيا فان، وُصم بالخيانة طائفة شيا. أمر مثير للضحخ. واهٍ. حقير. لا يعجز عن تفهم من أداروا ظهورهم للس السيد الشاب شيا فان. يبدو ممارس في مرتبة الإمبراطور مثل شيا ييفان خياراً أسمى لقيادة الطائفة.
لولا أن حكمها اشترط موت السيد الشاب شيا فان، لسعى لنصحه بألّا يثور ضدها. لكن الأمر كذلك، لذا لن يقبلها قط. تتراءى أياّم يتمنى فيها الشيخ جان لو كان أقوى. لو تيسّر له بلوغ مرتبة الإمبراطور، لأطاح بعمة السيد الشاب الخائنة وأعاد كل شيء إلى نصابه، بيد أن هذا يقتضي ارتياد أهوال عالم المارقين. حتى لو كتب له النجاح، لطالما وجب عليه مفارقة السيد الشاب طويلاً. يستحيل هذا.
إن غاب كل ثابت، فعليه على الأقل السعي ليكون هو نفسه ثابتاً.
"أيها الشيخ جان، مضى أسبوعان. لا داعي لأن تواصل الانتظار هنا بحق".
يردّ الشيخ جان على الفتاة المتقدمة نحوه: "واجبي حراسة السيد الشاب شيا فان، أيتها الفتية شين مي. أين عساني أكون؟".
شين مي تلميذة قصر الجليد السماوي. عثرت الفتاة عليهما بعد أسابيع قليلة من نبأ دمار مدينة الميناء الشرقي. حملت معها رسالتين. واحدة خطاب تعريف من السيدة داي جي من قصر الجليد السماوي. والأخرى من السيدة الشابة شيا شوانغ. رافقتهم شين مي منذ ذلك الحين، وسط تبرّم السيد الشاب شيا فان الشديد. واعتياد السيد الشاب شيا فان على التعامل مع المرؤوسين لا النظراء يجعله يجد حضور الفتاة المتغطرسة شديدة الاعتزاز بنفسها والموهوبة بحق...
عصيباً.
"أيها الشيخ، تفانيك جدير بالاحترام، لكن..."
تهزّ شين مي كتفيها مشيرة بیأس إلى المشهد أمامهما.
"لا شيء هنا يستحق الحراسة الآن".
تعترض طريقهم عاصفة رملية عارمة. كثيفة لدرجة تعذر رؤية المرء أرنبة أنفه. تحتدم منذ ثلاثة أسابيع، وإن صدق أهل المنطقة، فستستمر أشهراً عديدة. الظاهرة مألوفة في غابة الكثبان. قبل أسبوعين، غامر السيد الشاب شيا فان داخل العاصفة الرملية. لم يخرج بعد.
"تبّاً!".
تكتف الفتاة ذراعيها.
"الأحمق اقتحم المكان خلف شائعة! إن ضاع في الكثبان للأبد، فهذا ذنبه وحده. لا يستحق اهتمامك، أيها الشيخ".
يعقب الشيخ جان: "أيتها الفتاة شين مي، تأتين إلى هنا كل يوم. إن كان السيد الشاب شيا فان لا يستحق الاتمام، فهو محظوظ بوجود اهتمامك".
يشتعل تشي الخاص بالفتاة.
تردّ شين مي: "اهتمامي بصفتي ممثلة لقصر الجليد السماوي. وفاته ستسبب لنا إزعاجاً".
تبدو شبه مصدقة ما تقول. حسناً، لا تحمل حجتها أي قوة إقناع. مجرد وقوفها هنا لوّث ثوبيها الأزرق والأبيض بالرمال. نظراً لندرة ترجلها عن محفتها تفادياً لتلوث عالمها الخارجي، تفصح زياراتها المستمرة هنا بأكثر مما تُفصح الكلمات. آه، الشباب.
تضيف شين مي: "فضلاً عن ذلك، شيا هينغ متجهم للغاية، وزوجته خنوعة، وصاحب الأنف الكبير فظّ. صحبة شيا فان أهون من صحبة رفاقه".
يقول الشيخ جان مؤمئاً ومبتسماً: "طبعاً".
تسأل شين مي بضيق متصاعد: "من يكون ليو جين هذا بحق؟! كان كل شيء على ما يرام حتى وصلت رسالة الأخت شيا شوانغ! فقرر فجأة أن يتصرف بحماقة ويهرع إلى تلك العاصفة الرملية!".
يردد الشيخ جان ضاحكاً: "من هو ليو جين؟ ثابت في حياة السيد الشاب، أظن. صديق، ربما. شقيق، إن سمح السيد الشاب لنفسه بقدر أكبر من الصراحة. وقبل كل شيء، شخص يرفض السيد الشاب تماماً خسارته أمامه".
"آه".
يبدو الإدراك وقد أشرق على شين مي.
"إنها سفاهة، أليس كذلك؟".
يغرق الشيخ جان في الضحك. كيف له أن يخالفها الرأي؟ بعد علمه بأن صديق طفولته غدا إمبراطور أمة وأنقذ السيد الشاب شيا نان، لم يرَ السيد الشاب شيا فان بداً من اقتحام العاصفة الرملية! السيد الشاب الذي نما حكمةً، واجتاز محاكم عدة، وأقنع عدداً من قادة الفروع بالوقوف في صفه، تفاعل كأنه لم يبرح مدينة الميناء الشرقي قط! كيف لا يكون الأمر هكذا؟
تصرّ شين مي: "أيها الشيخ جان، الأمر جدّي! الممارسة ثمرة جهد دؤوب. لا تُترك رهناً بنزوات شاطحة".
يعقب الشيخ جان: "لا تقطعي بغير ما أقول، أيتها الآنسة. لا يسعى هذا الشيخ للسخرية منك. كلامك صحيح بلا شك. لكن إن سعونا لبلوغ الشطط، فلا مناص لنا من الانجراف أحياناً نحو أفعال شاطحة. كوني جريئة! كوني مقدامة! يحق للشباب ذاك".
تردّ شين مي: "لا ينبغي الخلط بين الجرأة والإقدام والحماقة، إنه غالباً ضائع-"
لا تكمل جملتها. دويّ يصم الآذن يتردد في الأرجاء. ترفع شين مي تشي الخاص بها لحماية نفسها من موجة الصدمة المنتشرة في الصحراء. لا يفعل الشيخ جان ذلك. يبتسم محساً بما يرقد في القلب منها. تشي مألوف للغاية. اختراق مرحّب به للغاية. يظهر بعد ساعة مثخناً بالجراح والدماء الجافة. يكاد الرمل يبلغ خصره. يمنعه التشي وحده من الانطمار عميقاً تحت جذب عالم الأرض.
يقول شيا فان بصوت أجشّ من قلة الاستعمال: "لقد... انتصرت".
لا تنطق شين مي ببنت شفة. ترمق بذهول صامت، ولا يرجع الأمر لتحسن ممارسة السيد الشاب فحسب. بل ثمّة أمر آخر يعمل هناك. ثقل في حضوره لم يكن موجوداً من قبل.
ينحني الشيخ جان محيّياً: "اختراق ممتاز للغاية، أيها السيد الشاب. تهانينا".
يعلن شيا فان بعزم متجدد وقوته تتدفق منه أمواجاً: "سأستعيد... طائفة شيا. ولن أكتفي بالاستعادة. سأجعلها أفضل مما كانت عليه قط. سأحول طائفة شيا إلى أعظم طائفة في إمبراطورية السحاب القرمزي! أنا... أنا... أرفض الخسارة!".
يرفع قبضته عالية معلناً عزمه، لكن الأثر يفسده بعض الشيء إغماؤه بعد ثلاث ثوانٍ. يهزّ الشيخ جان رأسه حاملاً إياه.
"...أحمق...رأس يابس..."
يتمتم السيد الشاب في نومه. يبتسم الشيخ جان.