~~~ ينقضّ حيز تنين العواصف المكونانيّ وتعم الفوضى أرض المعركة. ما من إنسان يقف في مكانه الذي كان فيه حين ابتلعهم النور أجمعين. تحطمت كل التشكيلات وسقط عدد لا يحصى من القتلى. وفيما انخرط ممارسو الزراعة رفيعو المستوى في مبارزات، أخذ الجنود العاديون يذبحون بعضهم مئاتٍ مئاتٍ في ممرات حيز المكان اللانهائية. حتى جنود القائد هي بين، أولئك الذين عرفوا بأمر الحيز مسبقاً، لم يخرجوا سالمين من تلك التجربة.
فما من قدر من التحذيرات كان ليؤهّلهم لتلك الأبعاد المتقلبة بلا انقطاع في ذلك الحيز المتاهة، حيث لا يدري المرء أعدوّ أم صديق ينتظره خلف الباب التالي. ومع ذلك، يبقى الشعور بالذهول والاضطراب أهون من الموت. والآن إذ تحرروا، بات بإمكانهم استشعار العالم الماديّ عوضاً عن الفراغ الشاسع لحيز تنين العواصف. يهز ذلك كيان لو مي من جذوره.
تتمتم بصوت خشن: "علينا الرحيل... الآن!"
رد فعلها وليد الغريزة المحضة. بدائيّ. ولذا، ما إن تفوهت بالكلمات حتى أدركت أن قولها لن يُقبل دون تساؤل.
"أرفض الرحيل، يا سيدي!"
وكما توقعت، كانت تلك المعارضة الأولى والأكثر بداهة. ولاحظت لو مي، بقدر ليس بالهيّن من الارتياح، أنها تستطيع استشعار تشين جين حياً وبخلافة.
"ماذا؟ لكن ما إن تلاشى حيز المكان، بات بإمكنني أخيراً التوجه حيث يوجد سلفي المبجّل!"
تلك هي المعارضة الثانية. ولحسن الحظّ، يسهل تجاهلها.
"ظننت أننا نحاول إنقاذ الأخ تشين؟"
الثالثة. لم تكن لو مي متأكدة ممّا إن كان هوانغ شينغ سيتكلم، لكنها أيقنت أنه لا داعي لانتظار صوت رابع. قد لا تحب فان بينغبينغ، لكنها تعلم أن الفتاة ستنتظر حتى تُنهي شرحها قبل أن تنبس بكلمة.
قالت لو مي للي كونغ: "بإمكانك الذهاب إليه الآن إن شئت"، ثم أردفت بسرعة: "ولكن انتظر حتى أفرغ من الشرح! إنه آمن هنا! أما نحن فلا!"
ولحسن الحظّ، لم يتلاشَ لي كونغ في ومضة سرعة وهي في منتصف جملتها. ولو لم يكن يصارع لعنة عالم الأرض، لربما فعل.
قالت لو مي ودرجة الحرارة حولها ترتفع باضطراب: "الأمر واضح جداً الآن".
توسوس لها اللهب الأبديّ. وتكشف لها الحقيقة التي ظلت محجوبة عنها بفعل حيز المكان والحواجز المحيطة بالقصر. الأمر مرعب.
قالت لو مي مشيرة إلى تشين غو: "لقد قالها. أتذكر؟ تنين العواصف متجسد طوال هذا الوقت. هذا كل ما في الأمر!"
سأل تشين غو: "عما تتحدثين؟ تجسد تنين العواصف تدبير دفاعي ضروري لحماية أبي من القائدين الآخرين".
أشارت فان بينغبينغ، متكلمة أخيراً، بقولها: "لكن الأمر لم يكن هكذا دوماً".
وانتقلت نظراتها إلى لو مي.
"بسبب الحرب الأهلية وحدها ظل تنين العواصف متجسداً طوال هذه المدة. وحسب ما فهمت، ما كان ليحدث هذا عادة".
قالت لو مي وهي تروح وتجيئ باضطراب: "بالتأكيد ما كان ليحدث. لا توجد طريقة يبقى فيها أمر كهذا متجسداً طوال هذه المدة بلا عواقب! لقد ظلت قوته تتخمر في هذا القصر طوال هذا الوقت مغيره إياه. والآن، كادت تكتمل! إنها تنبض! ألا تسمعونها؟!"
قال هوانغ شينغ: "تسمعون ماذا؟ الأخت مي، أنت لا توفّقين القول".
صاحت لو مي: "أقول إن القصر اكتسب خصائص تنين العواصف! إنه يخلق قلباً! كتلة طاقة عملاقة واحدة، وربما تكون أعظم مصدر طاقة مفرد في القارة بأكملها! ويمكن لهذا المكان بأسره أن يتحول إلى ساحة معركة بين الأباطرة في أي ثانية".
تتراقص ألهبة ذهبية حولها. وبؤبؤا عينيها متسعان تماماً.
"علينا الرحيل!"
~~~ تماماً كما عجزت النملة عن إدراك الفارق بين الرابية والجبل، عجز معظمهم عن ملاحظة أن موروغ بانغ يلفظ أنفاسه الأخيرة. فسواء في أضعف حالاته أم أقواها، يبقى الإمبراطور إمبراطوراً. بيد أن الإمبراطور الميت أمر آخر تماماً. حين يموت متسوّل، يتجاهله العالم. وحين يموت إمبراطور، يجب أن يُقدم العالم الدليل. لذا ترتجف الأرض وتظلم السماء. يسقط جنود موروغ بانغ على ركبهم وقد علت وجوههم ملامح عدم التصديق، بينما يهلل الجميع تقريباً.
قد تقدم الأرض احترامها، لكنهم لن يفعلوا. الوحش مات. فليفرح الجميع! يقتحم القائد نيه دان القصر. حركته مباغتة. فورية. خطوة واحدة تضعه مباشرة بجانب ليو جين.
سأل: "أوجهت الضربة القاضية؟"
استغرق ليو جين عدة ثوانٍ ليرد.
ما زال ليو جين يحدق في جثة موروغ بانغ، وقال: "فكرت في الأمر. لأعوام، ظللت أفكر فيه. قلت لنفسي إنني لم أكن أفعل، لكني كنت أفعل... لقد كان مصاباً. ضعيفاً. كانت الفرصة المثالية... لم أستطع إجبار نفسي على فعلها... لم أستطع..."
"أرى".
لا يوجد إدانة في نبرة القائد نيه دان. ولا يوجد استحسان أيضاً. يكتفي القائد بالنظر إلى ليو جين بلا أحكام.
أفلت ليو جين بالقول: "ظنّني أبي. لم يكن في قمة وعيه. رآى عينيّ فظنّني أباك".
يفكر القائد نيه دان في نفسه: ليس عينيه فحسب. يشبه الفتاة أباه لدرجة تكاد تكون مرعبة. إنه تشابه يتجاوز المظهر الجسديّ. فهما يحملان التعبيرات ذاتها، والإيقاع ذاته، والحضور ذاته. ومن الطبيعي تماماً أن يخلط موروغ بانغ المحتضر بين الاثنين.
قال ليو جين: "أبي ميت. لقد دمر زراعته وعاش طبيباً بلا حول ولا قوة أعواماً طوالاً. هاجم موروغ بانغ مدينتنا ذات يوم... ومات أبي في ذلك الهجوم".
يغمض القائد نيه دان عينيه. كان يعلم. بالطبع كان يعلم. ومنذ اللحظة التي رآى فيها الفتى، عرف أن ذلك احتمال وارد. ومن بين كل السيناريوهات التي افترضها، كان ذلك الأكثر رجحانًا. وسماع التأكيد يجعله يشعر بكل عام من عمره.
قال ليو جين: "أردت أن أقول له الحقيقة وهو يحتضر. ليموت سعيداً... ظاناً أن أبي قد عاد... لم يكن ذلك صواباً. لمَ عليه أن يموت مرتاح البال بعد أن جعل الجميع بؤساء؟ أردت أن يدرك ما جلبته طريقته في الحياة وهو يموت. أردت أن يموت بائساً. مجروحاً ومليئاً باليأس. لعلّ ذلك كان أقل ما يستحقه".
يرتجف جسد ليو جين بأسره. اضطراباً. غضباً. ندماً. تلك كلها وأكثر.
قال ليو جين: "لم أستطع. في النهاية تماماً، لم أرَ سوى كلب مسعور سعد فقط لأن سيده عاد أخيراً. شعرت بالشفقة تجاهه وتركته يموت سعيداً لهذا السبب".
"أَتندم على ذلك؟"
"لا أدري. لا أدري حقاً".
يضحك ليو جين باختناق بائس: "أظنني ليّناً كما يقول الجميع".
قال نيه دان، مما جعل ليو جين ينكمش: "أنت كذلك".
يشبك القائد ذراعيه.
"ومع ذلك، في هذه المناسبة، أنا ممتن لأنك كنت كذلك".
"أيها القائد؟"
قال نيه دان: "موروغ بانغ رجل حاربْتُ جنباً إلى جنب معه يوماً. لقد أنقذ حياتي، وأنقذتُ حياته. تقاسمنا انتصارات لا تحصى وانتكاسات عابرة. ما من شخص عاقل سيرثي موروغ بانغ. وما من شخص عاقل سيفقده. سيفرح لا محالة عدد لا يحصى بموته. ورغم ذلك، وبصفتي تابعاً زميلاً للتنين الأسود، أقدر ما فعلته حتى وإن لم يقدره أحد غيري".
"أن تفكر أن وحشاً كموروغ بانغ سيُذكر بمثل هذا الودّ. إنه أكثر بكثير مما يستحق".
يرفع نيه دان هالته بخفة.
قال: "هي بين".
كان يعلم أن زميله القائد كان يستمع.
يتقدم القائد الثالث من القادة السماويين الثلاثة بخطى واسعة إلى الغرفة، قال هي بين: "لقد مضى وقت طويل. تساؤلي هو: إن متُّ، أتتحدث عني بهذا اللطف؟"
يرد نيه دان: "أنت تعرف الإجابة عن ذلك سلفاً".
يبتسم هي بين.
"بالطبع".
تتصادى خطاه بخفة في الحجرة.
"كيف لي أن أتوقع شيئاً آخر؟ كم أنت غير منصف".
يلوح هي بين بذراعه. فتتلاشى جثة موروغ بانغ على الفور، لتتحول إلى مجرد غبار في الريح. يتحرك ليو جين بحكمة خلف القائد نيه دان.
يقول هي بين وهو ينفض بعض الغبار عن رداءيه: "كان حيواناً. وأقل من ذلك. أبقى التنين الأسود عليه لكونه جزّاراً جيداً لا غير".
يقول نيه دان: "لقد جعلنا البقية نبدو أفضل بالمقارنة. لقد أتقن التنين الأسود استخدام القسوة. وكان وجود وحش كموروغ بانغ ملائماً جداً في بعض الأحيان. فبالوقوف بجانبه، استطاع التنين الأسود دائماً تقديم نفسه رجلاً عاقلاً. استغرقت وقتاً لأفهم ذلك".
يعارض هي بين: "هذا إنجاز التنين الأسود، لا موروغ بانغ. والحقيقة هي أننا جميعاً أفضل حالاً بموته".
يقر نيه دان: "حقّ".
"جيد. تشاركنا أرضية مشتركة أخيراً".
يخطو هي بين خطوة أقرب. وتتشتد هالة نيه دان تحذيراً.
"أَتكون منفتحاً على المفاوضات؟"
يخرخر نيه دان. ويبقى وجه ليو جين فارغاً، غير أن ومضة اضطراب تتلألأ في عينيه.
يهز نيه دان رأسه، قال: "بالطبع ستحاول هذا".
"أأكون مخطئاً إن فعلت؟"
يبسط هي بين ذراعيه ملوحاً بالغرفة.
"أظن أنه يمكننا الاتفاق نحن الاثنين على أن عدد من ماتوا يكفي. لمَ الاستمرار؟ موروغ بانغ ميت. وبغيابه، يستطيع إمبراطورية تنين العواصف الانتقال أخيراً إلى عصر جديد من الازهار. أتقول إن هذا الطفل من دم تشين؟ حسناً. يمكنه أن يكون الوريث الظاهر إن شئت. لمَ التدقيق في التفاصيل؟"
قال نيه دان: "أيها النذل الوقح. أَتتوقع أن أنسى تحالفك مع القوى القادمة من الطرف الآخر من السهول الميتة؟"
يرد هي بين: "بطبيعة الحال. وفي المقابل، سأنسى أنك اخترت التحالف مع موروغ بانغ قبل التحالف معي. قد يشعر شخص أقل تعقلاً بالأذى جراء أمر كهذا".
يمسح نيه دان الابتسامة عن وجه هي بين، قال: "أنت مثير للشفقة. لقد انتهى أمر وحوشك. لا بد أن صانعها قد مات أو عُطل. وجيشك لا يمكنه مجاراة جيشي، ولا يمكنك قتل الطفل بجانبي لأن تنين العواصف سيحميه. القتال معي هو الطريق الوحيد المتاح لك، وتخشى حتى فعل هذا القدر المنشود. انتهى الأمر يا هي بين. لقد خسرت".
يضحك القائد هي بين. بيد أن الغضب الذي يملأ الغرفة يجعل تنفّس ليو جين عسراً.
يقول هي بين مبتسماً بغضب: "نيه دان، أيها الأحمق اللعين. موروغ بانغ ميت. ألا تفهم ما يعنيه هذا؟"
يرد نيه دان بلا اكتراث: "أدرك أنك وجدت طريقة لقتله. وأعرف أيضاً أنه لو كان بإمكانك فعلها مرة أخرى بمثل هذه السهولة، لكنت قتلتني بالفعل عوضاً عن محاولة التفاوض. فأنت حذر أكثر من أن تقدم على شيء آخر. بمعنى آخر، لا يمكنك قتلي الآن".
يبتسم هي بين: "تفكير وتعليل سديدان للغاية. كما هو متوقع منك. ومع ذلك، يسرني إخبارك بأنك مخطئ".
يلتفت رأس كل من القائد نيه دان وليو جين رغم علمهما أن الإعراض عن إمبراطور حماقة. ليس لهما خيار. فالوجود هناك يفرض انتباههما. ولا داعي لأن يشرح القائد هي بين نفسه أكثر. فهما يشعران به. لقد كانت هناك طوال هذا الوقت، لكنهما لم يُسمح لهما برؤيتها إلا الآن.
"كيف؟"
للمرة الأولى، تبدو نبرة القائد نيه دان مهزوزة.
"تهب الريح حيث تشاء. قد لا تلاحظها، لكنها حاضرة أبداً".
ترتدي عباءة خضراء على جسدها. وقامتها أصغر بكثير من القائدين. ومع ذلك، تبدو المرأة مسيطرة على الجميع. يدرك ليو جين على الفور من تكون. لا... ربما كان أدق القول إن حضور هذه الشخصية يكشف هويتها له. إنها الريح الهائمة، أقوى ممارسي زراعة الوادي العاصف بلا نهاية، إحدى الطوائف الكبرى الأربع لإمبراطورية السحابة القرمزية. إنها شخصية وطأت عوالم السيادة.
يقول نيه دان بصرامة: "أرى. أنت من قتل موروغ بانغ".
تُجيب الريح الهائمة: "أنا هي".
"وستقتلني أنا أيضاً".
"لن أقتلَك".
"ماذا؟"
هي بين، لا نيه دان، هو من يطلق صيحة دهشة. ويصمت القائد فوراً حين تحول الريح الهائمة انتباهها إليه.
تقول الريح الهائمة: "لقد استنجدت بمعروف لعجزك عن التعامل مع إمبراطورين. قُضي على أحدهما. وبقي الآخر. يقيناً، لن تقول إن هذا يفوق قدرتك. أم تظن أنك تستطيع قيادة الريح؟"
لا يُتاح لهي بين قول أي شيء رداً. مستمداً السكينة من إعلان الريح الهائمة عدم تدخلها، يندفع القائد نيه دان في هجوم ويلقي بهي بين خارج الغرفة. ومن منظور ليو جين، يبدو الأمر وكأنهما اختفيا فجأة. وبإمكانه استشعار حضورهما على بعد عدة أميال فوق القصر.
تقول الريح الهائمة: "يبدو أنه أراد فعل ذلك منذ فترة. ولا ألومه. هي بين معجب بنفسه حقاً".
يسأل ليو جين: "كيف جئت إلى هنا؟"
لا تجيب الريح الهائمة.
"أعلم أن موروغ بانغ كانت له تعاملات مع الوادي العاصف بلا نهاية، لكن أيعني هذا أن القائد هي بين له تعاملات أيضاً؟ هل الوادي العاصف بلا نهاية متعلق بنص صياغة الموت—"
تقوم الريح الهائمة بحركة بيدها. يستمر فم ليو جين في التحرك، لكن كلماته تتوقف عن إصدار أي صوت.
تقول الريح الهائمة: "تبدو واقعاً في سوء فهم. ورغم أنني أقر بأن رؤيتك تشفق على ذلك الوحش كانت غريبة نوعاً ما، فهذا لا يعني أنك مؤهل للحديث معي".
تلك هي الإجابة المتوقعة من شخصية مثلها. وبسبب ارتباكه وحده تجرّأ ليو جين على التعبير عن أسئلته. لا بد من وجود صلة بين الريح الهائمة، والقائد هي بين، ونصوص صياغة الموت، لكنه لا يفهم كيف تعمل أو ما الغرض الذي تخدمه.
تقول له الريح الهائمة: "السبب الوحيد لوجودك هنا هو أن سلالتك تمنع أي شخص من إيذائك داخل حدود قصر العواصف. ومع ذلك، لا تكن مخطئاً، لوددت اختبار ذلك. ربما أفعل بعد أن ينتهي ذانك الاثنان. أو ربما لا. لا يمكنني القول إني أعبأ بالمؤامرات الكبرى. بغض النظر، سأكون ممتنة لو بقيت صامتاً".
يتدبر ليو جين خياراته بحرص. ما دامت الريح الهائمة هنا، فلن يربحوا. قد تكون قالت إنها لن تعين القائد هي بين ضد نيه دان، ولكن من يدري ما ستفعله بعد انتهاء تلك المعركة؟ فالريح الهائمة ذائعة الصيت بفعل ما تشاء، متصرفة بمعزل تام عن سيطرة الوادي العاصف بلا نهاية. لا يوجد سوى شيء واحد يستطيع ليو جين فعله.
"يا تنين العواصف، اسكن داخلي".
ينشق القصر نصفين. ~~~