مرعبٌ هو الوقوف فوق جثة قاتله. الحياة قد غادرت جسد صانع الأجساد بالفعل. سُمّ ثعبان الرؤوس التسعة قد تكفّل بذلك. فتكُه بالغ لدرجة أنه لن يتوقف حتى يمحى جسد صانع الأجساد تماماً. الجثة تحولت بالفعل إلى مزيج غريب من الأصفر والبنفسجي نتيجة التحلل السريع لأعضائه. بعد دقائق معدودة لن يصبح صانع الأجساد سوى بركة على الأرض. يستحق صانع الأجساد هذا المصير بكل المقاييس. لقد كان إنساناً فظيعاً والعالم أفضل حالاً دونه بلا شك.
يفترض ليو جين أنه لا ضير في إيجاد بعض البهجة في هذا. لكن رغم أن التفكير في صانع الأجساد أثار مشاعر عنيفة في داخله منذ أن زحف خارج جسده القديم، فحين تم الأمر يشعر بقليل بشكل ملحوظ. لا بهجة بل شفقة فحسب. لن يمتنّ صانع الأجساد لذلك لكن ليو جين لا يستطيع حيلَة فيما يشعر به. لقد استخدم التنين العاصف هذا الرجل ثم رمى به. لم يدرك قط حتى اللحظة الأخيرة أنه لم يكن سوى أداة.
كيف يمكن ألا يكون ذلك مثيراً للشفقة؟
قال ليو جين وصوته يتردد في ارجاء القاعة: "أيها السلف المعظم. ألا تزال غير راضٍ؟ ألا بد لك من ابقاء المجال المكاني قائماً؟"
لا يجيبه التنين العاصف. تمر الثواني ولا يلقى ليو جين سوى الصمت. إنه تجاهل واضح. لقد مات وأيقظ جزءاً من نفسه. حارب صانع الأجساد وهزمه. كل ما احتجَه منه التنين العاصف قد تم. لذا لم يعد هناك حاجة لأن يسايره التنين العاصف. وبهذا المعنى فهو وصانع الأجساد ليسَا بمختلفين كثيراً.
"لا."
تتوهج طاقة تشي الخاصة بليو جين. يشكل البرق الذهبي أقواس جامحة حوله محطماً الأقمشة المعلقة على الجدران.
قال ليو جين: "أيها السلف. أرفض مجاراة ألعابك بعد الآن".
تجيب العاصفة. البرق يعمي عينيه والرعد يصم أذنيه. يشعر بالمطر يضرب وجهه والريح تهب بقوة تهدد بحمله بعيداً. يجزّ ليو جين على أسنانها ويحطّ بجسد سو آن محيطاً إياها ببنية ثعبانية لحمايتها. حالة روحها لغز بالنسبة إليه ولا ريب فيمن ستكون حين تفتح عينيها. مع ذلك فقد فقدَها ليو جين مرة بالفعل. ليست لديه رغبة في مفارقتها للمرة الثانية.
قال ملقياً ببرقه ليلمع بالبنفسجي معلناً نسبه الملكي بينما يرتفع في السماوات: "لقد مللتُ من كونِي قطعة تحركها على رقعة. لن تستخدمني ولن تستخدم المقربين مني".
"أكذلك الأمر؟"
صوت التنين العاصف وحده يكاد يلقي به على ركبتيه.
سأل التنين العاصف: "تحاول التحدث بسلطة لكن أترى حقاً أنك تملك أي أمر؟ إن رفضتُك فماذا ستفعل؟ أتبكي؟ أتصرخ؟ أتصاب بنوبة غضب؟ أخبرني أيها الجرو. لمَ عليَّ الاستماع إليك؟"
وضع ليو جين يداً على صدره مجيباً: "ستستماع لأنك أنت من يحتاجني. الإمبراطور وابنه كلاهما من دم تشين ومع ذلك استدعيتني إلى هنا. كان بإمكانك رمي سو داجي خارج هذا القصر في أي لحظة ومع ذلك لم تفعل. كان بإمكانها بسهولة أن تصبح أميرة هذه البلاد بالزواج من ابن عمي ومع ذلك لم تفعل شيئاً أيضاً. لقد سمحت لكل ذلك بالحدوث على أمل أن آتي إلى هنا في نهاية المطاف".
تزمجر العاصفة لكنها لا تغمره. يعدّها ليو جين إشارة جيدة.
"لقد استغنيت بالفعل عن الاثنين الآخرين كخليفتين مناسبين. أثبت الإمبراطور ضعفه وسمح للجنرال هي بين بالحكم مكانه. تشين غو ليس شخصاً سيئاً لكنه ظل تحت تأثير كليهما لفترة أطول من اللازم. لم يتبقَ سواي. أنا أملُك الوحيد من أجل إمبراطورية التنين العاصف وعائلة تشين. أنت تحتاجني".
يعقب ليو جين: "إن لم تقبل بجرو جامح فلن يكون لديك شيء. قوتك لا تُضاهى داخل القصر. ولهذا من السهل جداً نسيان كم أنت محدود حقاً. خارج هذه الحدود حتى أدنى القرويين بعيد عن متناولك. ابقنا محبوسين هنا وسيستمر العالم دونهما. سيصعد حكام جدد وستبقى أنت هنا. بلا قوة كظلّك. أتريد ذلك؟ أم ستفعل ما آمرك به وتدعني أدخل القصر!"
يصرخ ليو جين في النهاية وتطفو الضغائن القديمة والجديدة على السطح. حين ينتهي يعم الهدوء سوى صوت أنفاسه. لقد تجاوز خطاً. وهو يعرف ذلك. ومع ذلك تضحك العاصفة.
دوي ضحك التنين العاصف بقوة جعلت ليو جين يغطي أذنيه: "أحسنْت القول! كنت أتساؤل كم من الوقت ستستغرقه لتقف في وجهي!"
يحدق ليو جين.
"أنت... أردت حدوث هذا؟"
"لا ينبغي للحاكم أن يخضع نفسه ولا ينبغي للتنين أن يسمح للآخرين بإملاء طريقه".
يرتجف جفن ليو جين. أكان ذلك يعني... ألو كان قد وقف في وجه التنين العاصف منذ البداية... ألو كان قد رفضه تماماً...؟
قال التنين العاصف: "تشعر بالتقييد من قوى من هم فوقك وتخطئهم. هذا أمر جيد. مع ذلك فالاستياء ليس كافياً. أيُّ نفع للاستياء إن ظلّ رأسك منحنياً؟ على مستوى ما لقد قبلت مكانتك وبتصرفك هذا غضضت الطرف عن قوتك الخاصة. لا يمكن لهذا أن يكون. ما كان لي أن أؤتمن هذه البلاد على شخص لا يدرك قيمته".
يتنفس ليو جين.
يقول وهو يعلم أنه ما كان له الاستمرار لكنه يفعل على أي حال: "أيها السلف أقرّ بحكمتك. مع ذلك فلن أكون كما تمنيتم أن أكون. هذه البلاد بحاجة لأن تُقاد نحو الازدهار من جديد لكن لا يلزم أن أكون أنا من يفعل ذلك. إن رأيت الجنرال ني دان مناسباً للمهمة فسيكون هو. وإن قررتُ أن عشيرة اللهب الأبدي قادرة على قيادة هذه البلاد فسيكونون هم. لن أكون إمبراطورك القادم".
قال التنين العاصف مما فاجأ ليو جين كثيراً: "هذا حقك. الأمر كما قلتَ أيها الجرو. أنا ظلّ. دوري هنا قد انتهى. إن قرر نسلي التخلي عن حقهم السماوي فهذا أمر يجب أن أقبله. أريد فقط أن يُتخذ القرار بواسطة شخص أوافق عليه".
"أرى..."
"لا، أنت لا ترى، لكن قد ترى ذات يوم. ادخل القصر وراسك مرفوع فلديك مباركتي".
تتلاشى العاصفة ويتبعها النور. ~~~ يتلاشى المجال المكاني للحظة ويكاد ليو جين يصدق أنه عاد إلى عيادة أبيه. يبدو العالم من حوله آمناً ومريحاً بطريقة نسي أنها ممكنة. يلتف حوله بطانية دافئة ويعمل كبلسم على روحه ودرع ضد كل شرور العالم. يبدو كالمنزل. منزل لم يعره قط ولكنه له بلا شك. الشعر يغمره لدرجة ضياع تفاصيل قصر التنين العاصف عنه. لا أهمية لها. لا شيء مهم. لا يمكن ليو جين سوى الاستمتاع باللحظة.
ولهذا يستغرق وقتاً طويلاً ليلاحظ الواضح. يخترق وعيه كجليد يحفر في دماغه. يتحطم سلامه ويدخل عقله في ضباب من الحيرة. إنه يتحرك قبل أن يعي. تسقط ثلاثة جدران في طرفة عين. كان إيجاد طريقه عبر الممرات سيستغرق وقتاً أطول. عليه الوصول إلى هناك. عليه أن يرى. لا يمكن أن يكون صحيحاً. لا يمكن!
"هذا مستحيل..."
كل ما يعرفه يخبره أن المنظر أمامه مستحيل. يرمش ويدعك عينيه لكن العالم يرفض التغيير. يبقى جسد مورونغ بانغ المحتضر حقيقياً وصحيحاً كالأرض تحت قدميه. هناك فجوة في صدره. من فعل ذلك استطاع اختراق درعه مباشرة. عادة يتعافى الإمبراطور بسهولة من أمر كهذا لكنها ليست إصابة جسدية عادية. الفجوة تماماً حيث ينبغي أن يكون دانتيان مورونغ بانغ الأوسط. يدرك ليو جين فوراً أن دانتيان مورونغ بانغ لم يُكسر فحسب بل إن فاعل ذلك استخدم الدانتيان لمهاجمة روح مورونغ بانغ مباشرة وتمزيقها إرباً.
رغم كونه في حالة صدمة تسجل عينا ليو جين كل خدش وشق في درع مورونغ بانغ. بغض النظر عن الفجوة في صدره فجسد مورونغ بانغ خالي تماماً من الجراح. انتهت المعركة بضربة حاسمة واحدة. كيف؟ كيف حدث هذا؟ من فعل هذا؟ كيف فاته ذلك؟! يتحرك مورونغ بانغ ويكون ليو جين إلى جانبه فوراً. تفتح عينا الجنرال لكنهما لا تتركزان تماماً. تخرج أزمة ضعيفة من شفتيه صوت يكافح ليو جين لربطه بالجنرال. يميل رأسه باتجاه ليو جين.
"آه... أرى... كنت أعلم... كنت أعلم دائماً..."
تنجح شفتا مورونغ بانغ الداميتان بطريقة ما في رسم ابتسامة.
"ظنت العاهرة دولين أنك أردت منا إيجادك. بقي دان لكنه استسلم بشأن رؤيتك مجدداً. لكنني كنت أعلم أنك ستعود... آه لكن انظر إليّ... لا يمكنني الترحيب بك هكذا".
يدرك ليو جين فوراً أن مورونغ بانغ لا يتحدث إليه. يعتقد مورونغ بانغ أنه يتحدث إلى والده.
تخرج ضحكة ضعيفة مليئة بالدم من مورونغ بانغ: "لمَ تراني دائماً هكذا؟ لو أتيت باكراً لرأيتني في حالة أفضل بكثير. لقد حاولت أتعلم؟ لقد فعلت دائماً. هذا المكان... هذه الأرض... كانت أضعف منك. لم تستطع تحملها أليس كذلك؟ أنا لا ألومك. لا يمكنني تحملها أيضاً. لقد بذلت قصارى جهدي. طهرتها. أردت أن تكون نقية من أجلك. خالية من كل تلك الأشياء المزعجة".
ماذا؟ طوال هذا الوقت... والسبب وراء لعب مورونغ بانغ دور الحاكم... أكان بسبب ذلك؟
"حتى أنني اعتنيت بطفلك. إنه لين لكنه لك. أنت محظوظ لأن تلك العاهرة لم تجده. أحياناً أرمش وأظن أنك تقف مكانه. من يدري ما الذي تفكر فيه رأسها المجنونة؟"
يشخر.
يقول مورونغ بانغ: "لقد جعلتني أنتظر. لمَ... جعلتني أنتظر؟ أنا لا أعرف سوى فعل شيء واحد. أنا مسخ أتعلم؟ كنت أعلم ذلك حتى قبل أن ألقاك... قتلت أمي فور خروجها من الرحم. قتلت أبي بعد سنوات قليلة. واصلت القتل منذ ذلك الحين. أنا جيد في ذلك. ولهذا اخترتني".
يبدأ بالسعال. يغرق مورونغ بانغ في دمه. بكل المقاييس لا يجب أن يكون قادراً حتى على الكلام.
"فلمَ لم تأخذني معك؟"
يبدو الجنرال القوي للحظة وكأنه طفل ضائع لا أكثر. يتمنى ليو جين بيأس لو لم يره هكذا.
"كنت سأتتبعك. أعلم أنك لا تحتاجني... لم تفعل قط... أعلم... لكنني أردت الاستمرار في القتل من أجلك. حين كنت أتبع أوامرك... حين كنت أذبح بناءً على أمرك... تلك هي المرات الوحيدة التي كان لكل شيء فيها معنى. تلك اللعينة هي المرات الوحيدة!"
يضحك. يتدفق المزيد من الدم.
"أفترض أنني لا يمكنني التشكّي... لقد استمتعت أتعلم؟... الموت هكذا ليس سيئاً... لقد ظهرت حتى... لكن... يا هذا... هذا غبي... أعلم أنه غبي لكن... لو استمررت في القتل من أجلك... أتراني..."
يستمر الدم في التدفق. إنه يختنق به.
"أتراني... كنت لأصبح بشراً؟"
هناك الكثير من الأشياء التي يريد ليو جين قولها. يريد لعن اسم مورونغ بانغ. إخباره أن التنين الأسود لن يعود أبداً. إخباره وهو يوت أن شهوته للقتال هي ما انتهى بقتل الرجل الوحيد الذي احترمه حقاً. يريد لذلك الإدراك أن ينغرس في روحه وهو يموت. لا يفعل. لا يمكنه. لا يسعه سوى مقابلة عيني مورونغ بانغ بعينيه دون أن يشيح نظره قط بينما يأخذه الموت. في الموت يُظهر لمورونغ بانغ اللطف الذي حرم الجميع منه في الحياة.
إنه مصير أفضل مما يستحقه.