~~~ على صغر سنّه، رأى ليو جين من المتع وتنعّم بها ما لا يحلم به سوى القلّة. وطأ قصوراً مترامية، ومطاعم فارهة، وغيرها من معاقل الثروة. ولم تعد الثروة والمتعة توحيان له بأي رهبة منذ أمد بعيد. غير أن المشهد الماثل أمامه يوقفه. ليس لأنه تعثر بشيء غريب أو عجيب. أبداً. ليو جين يقف وسط حديقة فائقة الجمال. العشب نضر ووضاء، والشجيرات مقصوصة على هيئة تنانين كاسرة، وتتوزع في كل مكان أزهار حمراء وزرقاء وبنفسجية.
وعلى بعد ياردات معدودة، ترتفع الأوراق جداراً أخضر كثيفاً لا يخرقه سوى قوس واحد يفضي إلى ممر تكتنفه الظلال. لا صوت. رغم الحرب الدائرة في الخارج، لا يوجد أي صوت. ولا يستطيع ليو جين استشعار طاقة أي شخص. لا طاقة الجنرال هي بين، ولا طاقة مورونغ بانغ. ولا حتى طاقة الأخت الكبرى باي أو السيف الساطع. يتلفّت ليو جين في الحديقة فلا يرى للبوابات التي دخل عبرها أثراً. والسبيل الوحيد للدخول أو الخروج من هذه الحديقة هو ذلك القوس.
— الأخت الكبرى باي؟
— ينادي ليو جين.
ثم يضيف على مضض: — السيف الساطع! لا مجيب، ولم يكن ليو جين يتوقع إجابة.
— بُعد مكاني مغاير؟
— يخمّن ليو جين.
— أهذا هو؟
—يسرّني أنك ملمّ بهذا المفهوم. سيسهل ذلك الأمور. يتحول ليو جين فجأة إلى طيف يبتعد ثلاثين ياردة. وتُصدر أفاعي طاقة عديدة فحيحاً حوله بينما يتأجج هاله. ويظلم السماء، وتُقهقه الغيوم بوعيد، غير أن مطراً لا ينزل.
— أيها السلف الموقر — يقول ليو جين: — يسعدني لقاؤك مجدداً.
تتردد قهقهة عميقة في كل مكان بينما تتلوى غيوم داكنة أمام ليو جين. وتتوهج كرتان قرمزيتان من جوف تلك الغيوم حين تأخذان شكل رأس تننين. وينفرج فمه عن ابتسامة تكشف عن أسنان حادة كثيرة.
— لا تقل كلاماً لا تعنيه، أيها الجرو.
يفكر ليو جين في الأمر ويومئ برأسه.
— أيها السلف الموقر، إنه لشرف متواضع أن ألقاك مجدداً — يعدّل ليو جين كلامه.
— بيد أن ظروف هذا اللقاء تحيرني.
أَنحن داخل قصر تننين العاصفة؟
— سؤال شيّق.
— يملأ صوت هدير عميق أذني ليو جين.
يشبه إلى حد بعيد طنين عاصفة.
— يمكنك القول إنك هنا، ويمكن القول أيضاً إنك لست هنا.
أنت داخل جسدي. ويكفيك هذا قدراً من المعرفة. لا يكفيه، لكن ليو جين يعلم أن مجادلة الكيانات العتيقة عبث غالباً.
— أين الشخصان اللذان دخلا القصر معي؟
— يسأل ليو جين.
— في جزء آخر مني — يجيب تننين العاصفة.
وتلمع في عينيه مسحة تسلية حين يرمقه ليو جين بنظرة حارقة.
— أقول الحق، أيها الجرو.
لقد اخترت دخول نطاقي. وطبيعي أن تكون داخله. وذاك مصير كل من يحاول اقتحام القصر.
— أيها السلف الموقر — يقول ليو جين بنبرة محترمة وإن خالها شيء من الجفاف: — أنت من دعاني إلى القصر.
لمَ فعلت هذا؟ يخمّن ليو جين أنها التسلية. فقد علّمه معلمه مرّات أن الأقوياء يفعلون الأشياء دائماً ابتغاء التسلية، وتلك قاعدة نادراً ما أخفقت في الصواب.
— أنا حارس هذه العائلة.
فإذا استغاث أهلي طالباً للعون، فكيف أردّهم؟ يبدو مثيراً للإعجاب، كما يرى ليو جين، كيف يمكن لتننين العاصفة أن يجعل كلمات لطيفة كهذه تبدو شريرة ومؤشّرة بالسوء بهذا الوضوح. حقاً، تلك مهارة يجب على المرء صقلها ألف عام ليبلغ كمالها.
— أطلب الإمبراطور هذا؟
— يسأل ليو جين.
يضحك تننين العاصفة.
— عمُّك؟
لا، ذلك الرجل مختبئ في غرفته ويتظاهر بأن العالم غير موجود — يقول تننين العاصفة.
— ابن عمك هو من توسل إليّ لأفعل شيئاً.
بيد أن ذاك ليس ما يجب أن يشغلك. تلتف الغيوم أمام ليو جين وتصير شبيهة بالماء. وينعكس عليها صورة واحدة. امرأة في غرفة فارهة تمشط شعرها البنفسجي الطويل، وعلى وجهها الجميل عابسة. ينقطع نفس ليو جين. يبدو الشعر مختلفاً، وبشرتها أصفى من ذي قبل، بل إن وجهها تغير بما يتجاوز بكثير ما يمكن أن تفسره الشيخوخة العادية. ورغم ذلك، يتعرف عليها ليو جين فوراً. كيف لا يفعل؟ وكيف له أن ينسى شخصاً كان إلى جانبه طويلاً في مدينة الميناء الشرقي؟
— سو آن.
تتفاقم طاقته. للحظة، ينسى ليو جين مدى قوة تننين العاصفة، وينسى أنه داخل نطاقه، وينسى أن تننين العاصفة سلفه. ويمتلئ الهواء بنية عاتية، ويتجرأ ليو جين على توجيه ذلك كله صوب تننين العاصفة.
— أيها السلف، إن كان هذا خداعاً من نوع ما...
— ماذا؟
ماذا ستفعل، أيها الجرو؟
— يسأل التننين مقاطعاً إياه.
— لا تبدأ تهديدات لا تستطيع إنهاءها ولا تقسم أيماناً لا يمكنك الوفاء بها.
بيد أنه يمكنك الاطمئنان. لا كذب هنا. الفتاة هي من تظنها. جزئياً، على الأقل. لقد تعرضت للاستحواذ.
— استحواذ؟
— يتردد صدى صوت ليو جين.
— حين يرتحل أمثالنا، نخلف وراءنا ظلاً، صدى لوجودنا قد ينقل قوتنا إلى من نراه أهلاً لها — يخبره تننين العاصفة.
— غير أن لا كل أحد يختار فعل ذلك.
فبعضهم يتمسك بالحياة فوق كل منطق، حتى لو ألحق ذلك دماراً بروحهم لا رجعة فيه. والكائن الذي يسكن جسد تلك المرأة هو أحد تلك المخلوقات. وفي هذا التجسد، تُعرف باسم سو داجي. يبذل ليو جين قصارى جهده للاستماع إلى شرح تننين العاصفة، لكن عقله ما زال يجد صعوبة في استيعاب الموقف. كانت سو آن في مدينة الميناء الشرقي حين تعرضت للهجوم. فكيف يتأتى لها أن تكون هنا الآن؟ وكيف تيسر لها الاستحواذ؟
انتظر. …لقد بدأ الأمر كله حين عثر الأخ سو، وهو ذلك الأبله الذي يحمل الفأس، على امرأة ذات شعر بنفسجي ضائعة خارج الأعماق الهماسة… يصدمه الأمر كصاعقة. شعر بنفسجي. إنها الشخصية التي تعثر عليها ذلك الفرد من أخوية الرعد في الأعماق الهماسة! لا بد أن جيش مورونغ بانغ حاول بيع سو آن، لكنها فرت هاربة إلى الأعماق. ولأن شعرها تبدل لونه بحلول الوقت الذي وجدها فيه رجل الأخوية، فلا بد أنها كانت مسكونة آنذاك.
وكون الروح داخلها عوض أن تئِن تائهة في الأعماق قد يفسر لم اكتشفَت أخوية الرعد مدينتهم المخفية بعدها بقليل. مع ذلك...
— كيف حدث هذا؟
— يسأل ليو جين تننين العاصفة.
— لا أعلم ذلك — يجيب تننين العاصفة، جاهلاً بأفكار ليو جين.
— جل ما أعلمه أنها وجدت المرأة التي تحمل علامتك وعاءً ملائماً.
يعبس ليو جين.
— لقد قلت ذلك من قبل، أيها السلف — يقول ليو جين: — قلت إنها تحمل علامتي، لكني لم أضع علامة قط على سو آن.
— ألم تكن طاقتك هي ما صاغ جسد تلك المرأة وحسّن مسارات طاقتها ودانتيانها؟
لولا ذلك، لما كانت سوى حصى عابر على الطريق. ماذا تسمي ذلك إن لم يكن وضع علامة على أحدهم؟
— يسأله تننين العاصفة.
— ربما لم ترد سوى خلق رفيقة ملائمة، ولكن لولا ذلك، لما وجدت الروح فيها قط وعاءً صالحاً.
لا يضيع ليو جين وقتاً في تصحيح خطأ سلفه. فعقله غارق فيما سمعه للتو. لولا ليو جين، لما تعرضت سو آن للاستحواذ قط. بداهةً، ما كان ليو جين ليعلم قط أن سو آن ستصادف روح كائن عتيق قوي، لكن الأمر يؤلمه بالرغم من ذلك. لقد ساعدته سو آن في ممارسة الكثير من التقنيات التي تعلمها من العجوز جيانغ. وحين اتضحت فوائد ذلك لها، سرّ ليو جين بمواصلة الأمر. لم يفعل ذلك لمنفعة مخلوق بائس!
— أيمكن إنقاذ سو آن؟
— يسأل ليو جين.
— الأمر ليس مستحيلاً — يرد تننين العاصفة.
— الروح التي سيطرت عليها عتيقة وقوية، غير أن الثعلبة فقدت الكثير من قوتها والكثير من ذكرياتها.
وما هي إلا ظل لما كانت عليه، وقبضتها على مضيفها الجديد واهية في أحسن الأحوال. إن غلبتها واستحوذت على روحها، فقد تصل إلى امرأتك. بيد أنذرْك، كلما مضى الوقت، قويت الروح وضعفت امرأتك. لا سبيل لمعرفة الهيئة التي ستجد عليها روحها. يأخذ ليو جين نفساً عميقاً.
— أيها السلف الموقر، لدي سؤال أخير.
— سل، أيها الجرو.
— قيل لي إنه بصفتي من دماء ملكية، فلن يمسني أذى داخل أسوار قصر تننين العاصفة — يقول ليو جين، مدققاً النظر في تعبيرات وجه تننين العاصفة بحذر.
— أيسري ذلك الحماية ذاتها عليَّ هنا؟
— سؤال شيّق — يقول تننين العاصفة.
— لكن، أثَمّة إجابة تغير ما تنوي فعله؟
تتلّوى هيئة تننين العاصفة، فارمةً أمام ليو جين مساراً يفضي إلى المدخل المقوس.
— إن سلكت هذا الدرب، ستواجه محناً جمّة.
وثمة ممارسون أقوياء ينتظرون في الأمام، ويريد كثر منهم موتك. ومهما بلغ عمك من بلادة، فإن مستوى ممارسته يتجاوز مستواك. ولن يسعى خلفك، لكنه لن يفوت فرصته إن صادفك. أمّا هي بين، فسيذل جهده ليجدك. فإن أخبرتك أنني لن أحميك، أستبقى هنا إلى أن يأتي أحدهم لنجدتك؟ نعم. ليو جين ليس بالأحمق ولا المتهور ليظن أن لديه فرصة أمام شخص في عالم السماء، ناهيك عن إمبراطور. ويبدو الانتظار حتى يدخل شخص قوي كفاية، ويفضل أن يكون الجنرال ني دان، إلى القصر الخيار الأضمن.
غير أن تلك ليست الإجابة التي يريد تننين العاصفة سماعها. والأهم من ذلك، إن كان وضع سو آن حرجاً كما يزعم تننين العاصفة... وإن كان حقاً قادراً على إنقاذها... أيمكنه إبادة تلك الفرصة؟ يحاول تننين العاصفة التلاعب به. إنه يريد منه المغامرة بدخول القصر. ويريد منه قتال عائلته. ويريد منه اعتلاء العرش. إنه يستغل حضور سو آن لضمان حدوث ذلك. ليو جين يعلم هذا. وهذا لا يعني أنه لا يؤتي ثماره.
ينطلق ليو جين عابراً البوابة. ويتبعه ضحك تننين العاصفة. ~~~ تتلفّت باي وين يمنة ويسرى. وهي بطريقة ما وسط ممر فسيح. والبوابات التي دخلت القصر عبرها توارى عن البصر، ولا تستطيع استشعار طاقة تشينغ جين. وغالباً ما يعني هذا أنها نُقلت إلى بُعد مكاني مغاير، بُعد مُتراكب فوق قصر تننين العاصفة. ترتفع طاقتها. ويتصدع الخشب تحت قدميها مع هبوط حاد في درجات الحرارة. حتّى الهواء يبدو كأنه يتجمد، ويصدح صوت تهشم الزجاج في أنحاء الممر.
لا شيء يحدث. تطلق باي وين تنهيدة خيبة أمل. لكان الأمر حسناً لو كان بالبساطة تلك، لكن يبدو أنها ستضطر حقاً للترحال عبر هذا البُعد المكاني. إذن، لخير لها ألا تضيع وقتاً. ~~~ — يا كلب مورونغ بانغ! مت!
— هذا مشيق بحق — يقول السيف الساطع وهو يطرح أرضاً الرجل الذي حاول مهاجمته بحماقة.
لقد كان في عالم السماء، لذا لا بد أنه كان تابعاً مباشراً للجنرال هي بين.
— تننين العاصفة، أظن هذا من صنعك.
لا يجيبه تننين العاصفة، ولم يكن السيف الساطع يتوقع منه إجابة قط. ومع ذلك، يمكنه استشعار طاقة تننين العاصفة المتغلغلة في هذا البُعد. كما يمكنه استشعار تشينغ جين وباي وين. فقد نُقل كلاهما إلى مناطق مختلفة. وسيجعل ذلك الأمور أيسر. مع ذلك، التفكير في أن الأمور قد تقدمت إلى الحد الذي دفع الجنرال هي بين إلى التوسل لتننين العاصفة كي يظهر بُعده المكاني بهذا الوضوح. لا بد أنه يائس تماماً.
حسن، لا ضير من مجاراة هذا الأمر الآن. فضلاً عن ذلك... للمرة الأولى، تطل المفاجأة على وجه السيف الساطع حين تبلغ حواسه مداها البعيد أخيراً.
— يا للهول.
— تفلت الكلمات من فمه دون قصد.
— هذا...
هذا أمر مهيب حقاً.
— يُقال المثل ذاته عنك.
ينمحي السيف الساطع فجأة حين يتجلى تننين العاصفة في الغرفة. يثق السيف الساطع في أمور كثيرة، لكن حتى هو لا يرغب في تحدي ظل داخل نطاقه.
— أيها القديم، تُكرم هذا المرء بحضورك — يقول، منحنياً باحترام أمام تننين العاصفة.
— تحمل معك شيئاً بالغ الاهتمام — يقول تننين العاصفة، متجاهلاً كلماته.
تمتد يد السيف الساطع فوراً إلى الكيس المعلق بخصر ردائه.
— إنه مجرد غرض مكاني، أيها القديم.
ولا يكاد يكون شيئاً يثير اهتمام مثلك. يقهقه تننين العاصفة.
— أنت تسيء الكذب.
— حقاً؟
— يسأل السيف الساطع.
— كنت أظنني كذاباً بارعاً إلى حد ما.
تنمو الغيوم الداكنة حجماً حتى تملأ الغرفة تماماً. ويتردد صوت تننين العاصفة في كل مكان حوله.
— ماذا يفعل أحدهم من قمة السيف السماوي لا يُبارى هنا؟
— أيها القديم، لا أجرؤ على الكذب على مثلك للمرة الثانية، لذا سيتعين عليك مسامحتي إن اخترت الصمت — يقول السيف الساطع.
— أهكذا؟
— يسأل تننين العاصفة، مقهقهاً.
— حسناً جداً، سنرى إن كنت تستطيع التزام الصمت حين نلتقي مجدداً، يا تلميذ قمة السيف السماوي لا يُبارى.
— أه.
يصل صوت واحد إلى أذني السيف الساطع. صوت لا ينتمي البتة إلى تننين العاصفة. وقبل أن يعيها عقله تماماً، يكون قد استدار بالفعل. كيف أمكن لأحدهم الاقتراب منه بهذا القرب دون أن يلاحظه؟ وبينما تنقشع الغيوم الداكنة، ينظر إليه تلميذ من طائفة اللهب الأبدي بمقدار ليس بهين من المفاجأة.
— يبدو أن هذا الطين قد اقتحم المكان.
~~~