"ما زعمك أنهم هربوا؟!"
صاح به حاكم المدينة ووجهه يتوهج غضباً.
"أعني أنهم هربوا".
هزّ ليو جين كتفيه.
"يعجز عقلي عن إدراك سبيلي لجعل العبارة أكثر وضوحاً".
ارتطمت مزهرية بالجدار وتحطمت إلى أجزاء بالغة الصغر. تبعها كرسي وطاولة. ولم يتحطم أي منهما بالروعة ذاتها.
"كان برفقتك ثلاثون رجلاً! ثلاثون!"
صاح حاكم المدينة. وتصاعدت طاقته بعنف حوله مطردة الخدم.
"في الواقع، كانوا أكثر من ثلاثين بقليل يا حاكم المدينة"، صحح ليو جين غير آبه بغضب حاكم المدينة.
كان جالساً على إحدى أرائك حاكم المدينة الوثيرة، وفي يده خليط مسكر من نوع ما.
"حريٌّ بك أن تجلس حقاً".
"لن أجلس! فقدتَ الرجال الذين برفقتك وما زلت عاجزاً عن أسر جماعة الإخوة! كيف لك أن تسمح بحدوث هذا؟ كيف؟!"
"يُدهشني اهتمامك الكبير بالرجال"، قال ليو جين متوقفاً ليرتشف رشفة صغيرة من شرابه.
كان حالياً بالغ الحلاوة، لكن ليو جين يستسيغه.
"عشرة منهم فقط كانوا يتبعونك حسب ما أتذكر".
"لا أعبأ بالرجال!"
صاح حاكم المدينة رامياً مزهرية أخرى على الجدار. وتحول وجهه من الاحمرار إلى الأرجواني. فذكّر ليو جين ببرقوقة بالغة النضج.
"أخبرتني أن بمقدورك أسر جماعة الإخوة! كيف سمحت لهم بالفرار؟ ليسوا سوى حزباً من الجهلة الأغبياء! حين أرسلك الجنرال إلى هنا، توقعت أن تكون كفؤاً لعملك!!!"
مدّ ليو جين يده إلى القارورة المجاورة وسكب لنفسه شرابه مجدداً. وعلى الرغم من تناقص عدد المزهريات والكراسي والطاولات في الغرفة، ظل كل ما يبعد ست أقدام عن ليو جين سليماً.
"إن كنت أتذكر جيداً، ظل أولئك الجهلة الأغبياء شوكة في جنبك طوال فترة غير قليلة، وتراخيك هو ما سمح لهم بالنمو على هذا النحو يا حاكم المدينة"، ذكّره ليو جين جاعلاً حاكم المدينة ينكمش من التأنيب.
"يُسعدني ثقتك العالية بي، لكن يلزم أن أتحرك ضمن الحدود التي رسمها لي الجنرال. لا نود إغضابه، أليس كذلك؟"
من المذهل مدى سرعة شحوب وجه حاكم المدينة. فهو لا يعلم بالقيود التي فرضها مورونغ بان على ليو جين، لكن مجرد التلميح باحتمال مخالفته لرغبات مورونغ بان يكفي لردعه.
"ك-كلا، لا نود ذلك بالتاكيد"، قال الحاكم لَاي عاضّاً شفته السفلى بتوتر.
"لكن الرجال..."
"لدينا المزيد من الرجال"، قال ليو جين بثقة.
"أنت تعلم ذلك وأنا أعلمه. إن هزيمة جماعة الإخوة بأسرها في فترة ما بعد ظهيرة واحدة — مهما بدا الأمر مغرياً — لم تكن ممكنة قط. حتى لو قتلت أولئك الذين هاجمونا، لظل هناك العشرات منهم طلقاء. أظن أن حاكم المدينة يعلم هذا أيضاً... ولهذا أستغرب غضب حاكم المدينة هذا الحد".
تجنب الحاكم لَاي التقاء عينيه بعناية فائقة. فأخذ ليو جين رشفة طويلة من شرابه، ولم يتوقف حتى فرغ الكأس.
"ألعله"، بدأ ليو جين واضعاً كأسه جانباً، "أن حاكم المدينة لَاي قد استغل الفرصة لمحاولة إرسال قافلة حقيقية سراً بينما كنت أرافق المزيفة؟ أربل أمل في أن تهاجم جماعة الإخوة إحداهما وتدع الأخرى؟ وألعله أن جماعة الإخوة لم تهاجم المزيفة فحسب بل الحقيقية أيضاً؟"
لم تكن هناك حاجة لأن يجيب حاكم المدينة. فطريقة تشنج وجهه بتعبيرات متعددة ومذهلة تفصح عما تقصر عنه الكلمات.
"أنت لست غاضباً لأنك فقدت رجالاً"، قال ليو جين.
"بل أنت غاضب لأنك فقدت بضاعة".
"كيف لك أن تعلم...؟"
توقف حاكم المدينة وأخذ نفساً عميقاً. وتيبست يداه وانبسطتا مراراً. وراء ليو جين عروقه تكاد تنفجر.
"جواسيس. أهذا كل ما في الأمر؟ أبهذه الطريقة علمت؟"
"يا حاكم المدينة، قضيت ليلة واحدة تحديداً في مدينتك قبل اليوم"، أشار ليو جين.
"يسعدني تقديرك العالي لي، لكن يستحيل علي زرع جواسيس في دارك في مثل هذا الوقت القصير".
وإن حاول حاكم المدينة التيقن من خلاف ذلك، فسيصيبه خيبة أمل. باستطاعة ليو جين أن يأمر كوان برفع تقرير يفيد بأنه وحش روحي متنكر في هيئة بشر، وسيفعل الرجل ذلك على الأرجح. والفكرة مسلية بالقدر الذي جعل ليو جين يفكر بجدية في تنفيذها. لكن لا، ليس هذا وقتاً للألعاب، حتى لو بدا الجميع كأنهم يلعبون واحدة.
"لقد خمنت فقط يا حاكم المدينة. وبناءً على رد فعلك، يحق لي الجزم بأن تخميني كان دقيقاً"، قال ليو جين.
"لقد تصرفتَ من ورائي يا حاكم المدينة. وتلك مشكلة. يعجزني مساعدتك في مشاكلك إن لم تشركني في خططك".
"أعلي الاعتذار لعدم رغبتي الكبيرة في إفشاء شؤون مدينتي لشخص كان خادماً للجنرال دَان قبل أسابيع معدودة؟!"
صاح به حاكم المدينة. فكر ليو جين في الأمر، وأهمهمهم، ثم أومأ.
"معك حق. أظن أن الأمور ستسير بسلاسة أكبر لو تعاونا، لكن هذا لا يبدو خياراً مطروحاً. ربما كان الأفضل ألا يقف أحدنا في طريق الآخر وحسب".
"قد يكون ذلك صحيحاً، لكن ربما... ربما هناك سبيل لبناء الثقة بيننا"، قال الحاكم لَاي منتقياً كلماته بعناية.
وترسمت بصيص فكرة في عينيه.
"لو أن القائد تشينغ قدم عرضاً مناسباً..."
"لن أهديَ لَاي كونغ إليك"، قال ليو جين قبل أن يتم حاكم المدينة كلامه.
نقر حاكم المدينة بلسانه.
"أهو ثمين إلى هذه الحد في نظرك؟"
"لَاي كونغ ممارس تارين في عالم الأرض وأقسم لي بولاء مطلق"، أوضح ليو جين.
"أخشى أن ثقة حاكم المدينة ليست جائزة مكافئة".
"آه، لكنها لن تكون مجرد ثقتي وامتناني"، قال حاكم المدينة متبسماً للمرة الأولى في اللقاء.
"بل ثقة عشيرة لَاي وامتنانهم. وكما قلت في لقائنا الأخير، سيسر عمي برؤية الصغير كونغ مجدداً".
وما لم يُقل هو أن رفض عرضه والوقوف بجانب لَاي كونغ سيكسب ليو جين عداوة عشيرة لَاي. تظاهر ليو جين بالتفكير في الأمر.
"طرحت نقطة وجيهة"، قال ليو جين.
"لكني لا أرى حكمة في الرد الآن. ما زال لدي واجب كلفني به الجنرال مورونغ. وحين ينتهي... سأكون منفتحاً على هذا النوع من التفاوض".
تألقت عيناها حاكم المدينة.
"آه، فهمت. فهمت تماماً. سنتحدث أكثر في ذلك الحين إذن. أجل، أعتقد أن هذا هو الأفضل. بيد أن هذا يبقي مسألة جماعة الإخوة قائمة. ما عزمك فعله بشأنهم أيها القائد؟"
"وما عساي أفعل؟"
تساءل ليو جين.
"الترحال لزيارة البلدات إلى أن يتحدث أحد ما".
انفتح الباب قبل أن يتمكن حاكم المدينة من الرد.
"أأقاطعكما، أم انتهيتما بالفعل؟"
سألت لو مَي وهي تدلف الغرفة وخلفها خادمان.
"أظننا انتهينا"، قال ليو جين ناهضاً من مقعده.
وابتسم حين رأى الصناديق الكثيرة التي يحملها الخدم.
"أرى أنك وجدت ما يسليك".
هزت لو مَي كتفيها وألقت بخصلات شعرها.
"بعض الثياب المعروضة هنا كانت مقبولة".
فخر حاكم المدينة بذلك.
"لدى سيدتك ذوق رفيع أيها القائد. تضم مدينتي أروع متاجر الملابس في إمبراطورية تنين العواصف".
ولسوء الحظ، لم يكن ذلك الإنجاز الذي يتصوره حاكم المدينة.
"لا بد أنها كذلك إن حظيت برضى مَي"، قال ليو جين عوضاً عن ذلك.
وأمال رأسه بخفة.
"ومع ذلك، لا يسعني التعليق على مدى حكمة شراء الكثير بينما سنغادر هذه المدينة قريباً جداً. فبلدات صغيرة قبيحة ليست محلاً للثياب الجميلة".
"يسعدني اتفاقك معي"، قالت لو مَي.
"لهذا السبب بالذات سأمكث هنا".
طرف ليو جين بعينيه.
"أعيدی ما قلت؟"
"سأمكث هنا"، كررت لو مَي.
"الأمر كما قلتم. بلدات صغيرة قبيحة ليست محلاً للثياب الجميلة. كما أنها ليست محلاً لزهور جميلة مثلي. أخشى أنني استنفدت طاقتي في العيش على الطرقات محاطة بحفنة من الرجال نتني الرائحة".
تطلع ليو جين ولو مَي أحدهما في عين الآخر. لبثا ثوانٍ معدودة، لكن محادثة كاملة مرت بينهما دون النطق بحرف واحد.
"...حسناً إذن"، قال ليو جين أخيراً متنهداً وهو يشيح بنظره.
"يا حاكم المدينة، يبدو أنني سأسرف في استغلال ضيافتك أكثر".
"أه، لا حاجة للقلق أيها القائد تشينغ. أنا من رغب في مكوثك بالمدينة فترة أطول، ألم تذكر؟"
قال حاكم المدينة.
"الأمر كما قلت. لدينا أعمال كثيرة لنناقشها بعد الفراغ من جماعة الإخوة. بل يمكنك اعتبار الأمر فرصة لتوسيع آفاقك. سمعت أن حتى البلدات تضم مناظر خلابة هنا وهناك".
"ربما أفعل. ربما أفعل".
ضحك حاكم المدينة.
"أه أيها القائد. آمل حقاً أن تتخذ القرار الصائب بعد انتهاء هذه المشكلة البسيطة".
~~~ "أتراه انطلى عليه الأمر يا مولاي؟"
سأله لَاي كونغ بعد مغادرتهما المدينة.
"شبه مستحيل"، أجابه ليو جين.
"رغم كل عيوبه، لا أظن ابن عمك بالغ الغباء إلى هذا الحد. إنه يرتاب في أمر ما لكنه قرر أن مجاراة التيار هي الخيار الأفضل، هذا إن كان للأمر اعتبار. فرجل مثله لا يستطيع التفكير إلا بطرق معينة".
لم يبدُ لَاي كونغ مطمئناً. فألقى نظرة خلفه إلى المدينة التي تتقلص في الأفق.
"مع ذلك، أترفق بهما السبل على ما يرام؟"
"شبه مؤكد"، رد ليو جين فوراً.
"كما قلت، رجل مثله لا يستطيع التفكير إلا بطرق معينة".
"وماذا عن السيدة لو؟"
سأله لَاي كونغ.
"تركها هناك يعني منح ابن عمي رهينة محتملة لاستخدامها".
أخذ ليو جين نفساً عميقاً. في ظروف أخرى، لسعد بأن لَاي كونغ قد قرر أخيراً البدء بالتشكيك في خياراته. أما الآن، فلا حاجة البداهة لديه بأن يكرر لَاي كونغ كالببغاء ما تقوله الأصوات الشاكة في عقله.
"مَي قادرة تماماً على العناية بنفسها. أكثر بكثير مما تتخيل أنت أو حاكم المدينة"، قال.
"وعلاوة على ذلك، هناك سبب لدعوتي الأخت الكبرى باي للمكوث معهما".
"سيكون تدريباً جيداً لداو الخاص بي".
هذا ما قالته له حين طلب عونها. ومع إخفائها في هيئة خادمة لو مَي، فإن لو مَي آمنة بقدر ما يمكن لأحد أن يكون.
"وإن حاول حاكم المدينة شيئاً رغم ذلك؟"
سأله لَاي كونغ.
"حينها أتوقع ألا نجد مدينة نؤوب إليها عند عودتنا"، قال ليو جين.
وبعد لحظة أردف: "آمل مخلصاً ألا يصل الأمر إلى هذا الحد. فعلينا تسوية الأمور مع جماعة الإخوة قريباً".
وأخذ لحظة ليتأمل لقاءهما مع جماعة الإخوة.
"مجمل القول، سارت الأمور أفضل مما متوقع على تلك الجبهة".
~~~ "اسمي تشينغ جين، تلميذ عشيرة اللهب الأبدي ومبعوث الجنرال نيه دَان. يا رجال جماعة رعد، أريد الحديث معكم".
قابلم صمت مطبق. وحولهم، توقف رجال جماعة الرعد مكانهم. وتجلى الريب والارتباك في أعينهم. ولولا جنود حاكم المدينة فاقدو الوعي عند أقدامهم، لهاجموا على الأرجح دون توقف. وأخيراً، تقدم أحدهم خطوة.
"أيها الغريب"، قال.
"لا أعرف عشيرة اللهب الأبدي، لكني أعرف الجنرال نيه دَان. تزعم أنك مبعوثه، لكنك ترتاد رفقة جنود ذلك الوحش مورونغ بان. لمَ علينا الوثوق بك؟"
"كنت أمل أن يسهم الجنود فاقدو الوعي في بناء بعض الثقة بيننا"، قال ليو جين.
"كما أحمل معلومات ستجدونها مفيدة. أولاً، هذه القافلة مزيفة".
وعلى كلماته، مزق أحد الجنود ببرود سقف إحدى العربات مبيناً خلوها من أي شيء.
"ما هذا إلا فخ دبره حاكم المدينة"، قال ليو جين، "فالقافلة الحقيقية متجهة شرقاً في الوقت الراهن عبر... أعتقد أنكم تسمونها طريق الأنين".
لم يكن اكتشاف ذلك بالغ التعقيد كما ظن ليو جين. فأمن حاكم المدينة يترك الكثير مما يُرتجى. ولو لم تهاجم جماعة الإخوة، لكان ليو جين قد تعقب القافلة الحقيقية عوضاً عن ذلك. بيد أنه يبدو أن لا حاجة لذلك. وكلمات ليو جين تحدث ضجة بين صفوف الجماعة.
"أيها الغريب، إن كانت كلماتك صحيحة، فقد أسديت إلينا صنيعاً عظيماً"، قال رجل الجماعة.
"ما الذي تبغيه من جماعة الرعد؟"
"أريد التحدث إلى قادتكم"، قال ليو جين.
"في البداية، كان الهدف فهم دوافعكم، لكنني أظننيكونت فكرة واضحة بما يكفي بعد زيارة بضع قرى. أما الآن، فلا أبتغي سوى عرض خدماتي".
وإن كانت كلمات ليو جين تفاجئ الرجال تحت إمرته، فلم يبدوا ذلك. ظل العشرون صامتين، مستعدين لتنفيذ أمره. لقد اختار ليو جين هؤلاء العشرين لولائهم وانضباطهم. وحين ينتظمون، سيحذو معظم الآخرين حذوهم.
"هذا قرار لا يقدر عليه شخص مثلي"، أجاب رجل الجماعة بعد هنيهة.
"توقعْت ذلك"، قال ليو جين.
"لم أكن أترقب رداً فورياً. تحدثوا إلى قادتكم وأخبروهم أن تشينغ جين من عشيرة اللهب الأبدي يرغب في محادثتهم. هذا جل ما أطلبه منكم".
وأشار إلى جنود حاكم المدينة.
"ويمكنكم اصطحاب هؤلاء الرجال معكم دليلاً على إخلاصي".
"انتظروا!"
تصاعد صوت أجش من الأرض. أحد الجنود لم يكن فاقد الوعي تماماً. ونظر إلى ليو جين بذعر جم.
"لا يمكنك فعل ذلك! سيقتلوننا!"
"على الأرجح"، أجاب ليو جين ناظراً في عيني الرجل.
" عادة ما أكون معارضاً لذلك، لكن أخبرني، ما نوع البضائع التي تنقلونها عادة؟ أخبرني، وإن وجدتها بريئة، فسأحميك من هؤلاء الرجال".
لم يجب الجندي. بل أشاح بنظره.
"ظننت ذلك"، قال ليو جين.
"أترغب في معرفة ذلك؟"
سأله رجل الجماعة.
"يمكنني إخبارك تحديداً بما ينقله هؤلاء الرجال".
تنهد ليو جين.
"كلا، أفضّل رؤية ذلك بعيني".
لديه بالفعل فكرة جيدة عما يجري. ~~~ أجل، بمجمل الاعتبارات، سار ذلك اللقاء على أفضل نحو ممكن.
"أخي الأكبر، ما عزمنا فعله حتى تتواصل معنا الجماعة؟"
سأله تينغ، بعدما سمع الشطر الأخير من محادثتهما.
"قد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً. أنظل نتحرك بلا هدف؟"
"كلا، لا داعي لذلك، تماماً كما لا داعي لانتظار رد الجماعة"، أجاب ليو جين.
"لقد جعلت أحد شظايا روحي تتعقبهم سراً. وأنا أعلم مكان مخبئهم بالفعل".
تبادل لَاي كونغ وتينغ زيتشون نظرات متبادلة يكسوها الذهول.
"أمتأكد من حكمة مواصلة صنع شظايا الروح وأنت على هذه الحال يا مولاي؟"
"لا أرهق نفسي، وإصابات وليست روحية"، أجاب ليو جين.
وعلاوة على ذلك، تتميز شظايا روحه ببراعة مذهلة في إخفاء طاقتها. وسيكون إهمال استغلال ذلك خسارة، رغم أسفه لكونه لا يستطيع تجسيدها إلا في هيئة أفاعٍ. فالطيور ستكون أنفع بكثير، لكن حسب قول العشيرة شو, لا يتسنى للمرء دائماً التحكم بهيئة روحه. جذب تينغ ياقته بتوتر.
"مع معذرتي، ألن ترد جماعة الرعد بسوء إذا ظهرنا فجأة على أعتابهم أخي الأكبر؟"
"مما لا شك فيه".
~~~ ماذا سيفعل الحاكم لَاي لو علم أن المقر الرئيسي لجماعة الرعد يقع في أعماق الأعماق المهجوسة، وهي النقطة ذاتها التي تمر عبرها غالبية طرق نقل بضائعه؟ لا عجب في أن جماعة تشن هجماتها بكل سهولة على أي قافلة تعبر هناك. لا بد أنهم يعرفون المكان كمعرفتهم لراحة كفوفهم. وبالنسبة لجنود حاكم المدينة، يبدو الأمر كأن الجماعة تظهر من العدم دائماً. فطبيعة الأعماق المتاهية ممزوجة بالضباب الكثيف في المنطقة تشكل مخبأً مثالياً.
وبالنسبة لمعظم الناس، يشبه العثور على أي شيء هنا البحث عن إبرة في كومة قش. ولا يعاني ليو جين من تلك المشكلة. فشظية روحه دلته على الطريق بالفعل. فدخل هو ورجاله المائة إلى الأعماق المهجوسة متخذين طريقاً مستقيماً صوب مخبأ الجماعة. وكما هو متوقع، لم يستغرق الأمر طويلاً حتى لاحظت الجماعة حضورهم. وفعلاً، بمجرد اقتراب ليو جين ورجاله ببضع مئات من الياردات من مخبأهم، ظهر عدد لا يحصى من رجال الجماعة حولهم، ناظرين إليهم من فوق المنحدرات ومصوبين أسلحتهم نحوهم.
"تراجعوا!"
صاح بهم أحد رجال الجماعة.
"اخفضوا أسلحتكم واستسلموا!"
"أيها الرجال، اخفضوا أسلحتكم"، قال ليو جين.
"لكن أيها القائد!"
صاح أحد جنوده. فاستقرت عيناه الذعرتان لا على ليو جين بل على الأسلحة المدببة الكثيرة المصوبة نحوهم.
"رجال الجماعة ليسوا أعداءنا"، قال ليو جين.
لم يكن صوته عالياً، ومع ذلك حملت طاقته كلماته إلى كل شخص هناك.
"على الأقل، أرجو ألا يكونوا كذلك. سيكون أمراً سيئاً حقاً لو أوقعوا أنفسهم في تلك المكانة".
"أي صفاقة تلك التي يمتلكها رجل؟!"
زأر رجل ذو شعر بنّي طويل ووجه تغطيه الندوب وهو يشق طريقه إلى مقدمة الجماعة. وترددت صدى طاقته عبر المنحدرات، لتتيح للجميع استشعار قوته. إنه في المستوى الثاني من العالم الحقيقي.
"تشينغ جين من عشيرة اللهب الأبدي، مبعوث الجنرال نيه دَان"، قال الرجل.
"تلقيت رسالتك، لكنك لم تنتظر ردنا. بل أتيت إليّ بمائة رجل. كيف لي تفسير هذا؟"
"أدرك أن إحضار مائة رجل معي يبدو عدوانياً أكثر من اللازم، وأنا أعتذر عن ذلك"، قال ليو جين واضعاً إحدى يديه على صدره وحانياً رأسه بخفة.
"أبكلماتك هذه، أيمكنني افتراض أنك زعيم الجماعة؟"
"بطريقة ما"، أجاب الرجل.
"لقد وضعتني في موقف حرج. لقد ثبتت صحة معلوماتك، لكن الزحف إلى مخبأنا على هذا النحو أمر غير مقبول. لا يمكنني السماح لك ولرجال وإلا تمكنتم من إخبار حاكم المدينة بالأمر".
امتنع ليو جين عن الإشارة إلى عدم قدرة أي شخص هنا على منعه من المغادرة. فهذا النوع من التصرفات غالباً ما يدفع الناس للارتياب فيه.
"لو أردت إخبار حاكم المدينة بمخبأكم، لفعلت ذلك بالفعل. لكني لم أفعله. وأعتقد أن ذلك يوضح نواياي"، قال ليو جين.
"مع ذلك، إن كان في هذا ما يهدئ روعكم، فيمكنكم اعتبارنا أسرى لديكم".
ضيق زعيم الجماعة عينيه.
"أنتم أسرى لدينا".
"إذن، بصفتي أسيراً لديكم، لا أطلب منكم سوى أمرين على ضوء المعلومات التي قدمتها لكم"، قال ليو جين.
"الأول، حظي بلقاء يجمعني بك وبقية قادتكم لأتمكن من عرض قضيتي".
خرخر الرجل سخرياً.
"جرأة بالغة من أسير أن تكون له مطالب، ليكن. وما أمرك الثاني؟"
"أريد أن أرى أنا ورجالي الغنائم التي سرقتموها من حاكم المدينة"، قال ليو جين.
نظر إليه الرجل بنظرة مظلمة.
"أنت تعلم بالفعل".
"أخمّن ذلك"، قال ليو جين وبصوته مسحة تعب طفيفة.
"أريد رؤيتها، وأريد لرجالي رؤيتها أيضاً".
"أرفض إدخال مائة رجل مسلح إلى مخبأنا"، قال.
"أيها الرجال، ألقوا أسلحتكم وانزعوا دروعكم"، قال ليو جين.
"ماذا؟"
صرخ أحد قادته الخماسيين.
"لكن هذا..."
"أضللتكم طوال هذه الفترة؟ لقد حاربتم وحوش الروح تحت إشرافي، وخرجتم منتصرين مرة تلو الأخرى"، ذكّرهم ليو جين.
"كل واحد منكم أقوى من اليوم الذي التقينا فيه. وأقوى بكثير مما قد تكونون عليه كجنود عاديين. لهذا لم تترددوا حين أمرتكم بمهاجمة رجال حاكم المدينة. والآن، أطلب منكم إلقاء أسلحتكم، وستفعلون لأنكم تعلمون أنني لن أسمح بإلحاق الأذى بأحد منكم مادام تحت إمرتي".
ابتلع الجنود لعابهم. وحتى رجال الجماعة بدا عليهم الذهول. صوت ليو جين جازم بلا شك، لكنه يدرك تماماً حجم المخاطرة هنا. وهو يعلم أن هذه نقطة تحول. فلو قرر جندي واحد المقاومة، لربما حرض البقية، وسيضطر لإيقافهم. وحينها سيخسر ثقة رجاله، وستصبح أي مفاوضات مع الجماعة بالغة الصعوبة. ولهذا لا يشعر ليو جين سوى بالارتياح حين يلقي رجاله أسلحتهم وينزعون دروعهم واحداً تلو الآخر.
"ستدخلون في مجموعات من عشرة أفراد كحد أقصى"، تذمر زعيم الجماعة.
أمر ليو جين تينغ ولَاي كونغ بتولي قيادة الرجال البقين في الخارج بينما قيد هو وتسعة آخرين نحو أعماق الأعماق المهجوسة. ساروا عبر ممرات صخرية وضباب كثيف إلى أن بلغوا مخبأ جماعة الرعد. وحين وقعت عيناها ليو جين عليه، أدرك أنه أقرب إلى مدينة مصغرة منحوتة في صخر المنحدرات منه إلى مخبأ عابر.
"لقد وصلتم في الوقت المناسب تماماً"، قال الزعيم.
"ما زلنا نفك قيودهم".
احتار بعض رجال ليو جين من كلماته، لكن أسئلتهم تلاشت حين وصلوا إلى ساحة اصطف فيها العديد من الرجال والنساء والأطفال أمام رجل يحمل فأساً ضخمة. وكل فرد من أولئك الأشخاص ترتدي أيديهم وأرجلهم قيود معدنية. وحين يصلون إلى صاحب الفأس، يهوي بسلاحه قاطعاً المعدن ومطلقاً سراحهم.
"تلك بضاعتكم"، بصق زعيم الجماعة كلماته.
وبدا كأنه يستمتع بإدراك يتسلل إلى عقول رجال ليو جين. فالآن، يدرك الجميع ما كان ليو جين يرتاب فيه طوال المدة الماضية. وهم يعلمون لمَ كانت قرية الأردواز خالية. كان الحاكم لَاي يبيع أبناء شعبه. ~~~