~~~ تبدو القاعة الكبرى لمورونغ بانغ مغايرة تماماً لكل ما رأى ليو جين من قبل. لا أثر هنا لجوهر ثمين، أو حليّ ذهبية، أو أسطح مصقولة. الأسلحة هي الزينة الوحيدة المسموحة على هذه الجدران على ما يبدو. سيوف، وهراوات، ورماح، وخناجر، وغيرها. ليس شبر واحد من الجدران خالياً منها. السقف أسوأ حالاً بكتير. إنه يضج بشفرات متدلية تبدو وكأنها ستهوي عليهم في أي لحظة. الأسلحة تحيط بهم بغزارة تجعل الغرفة تبدو أصغر بكثير من حجمها الحقيقي.
وحدها الأرضية نجت من هذه الموضة الغريبة. تغطيها العظام عوضاً عن ذلك. جماجم مهشمة، وقصبات سيقان مكسورة، وأضلاع متصدعة. قد لا يلاحظ شخص آخر هذه التفاصيل الدقيقة، لكن عيني ليو جين تدركان ماهيتها تماماً. تتبعثر قطع وشظايا العظام البشرية على الأرض كأنها بذور منثورة في الريح. يستحيل تقريولي المشي من دون وطئها. يبدو عرش مورونغ بانغ أبسط شيء في الغرفة على نحو مثير للدهشة.
إنه لا يعتلي منصة مرتفعة، كما أنه ليس ضخماً أو مهيباً. إنه مجرد مقعد يجلس عليه مورونغ بانغ. ويكفي هذا. يستمع مورونغ بانغ من فوق ذلك المقعد البسيط إلى قصة ليو جين. لا يحتاج الكرسي إلى زخرفة مادام مورونغ بانغ جالساً عليه، فبقية الغرفة تفقد قيمتها حينئذ. كيف يخشى أي كان الشفرات المتدلية فوق رأسه أو العظام تحت قدميه حين يكون الكائن الأكثر تهديداً في الغرفة ماثلاً أمامه مباشرة؟
"لقد مضى وقت طويل منذ أن حدثني أحدهم عن أولئك القابعين خلف السهول الميتة. وقت طويل جداً"، يقول مورونغ بانغ فور فراغ ليو جين.
ينحني إلى الأمام مترهلاً بجسده الضخم ومسنداً مرفقيه على ذراعي المقعد. يبدو صوته أكثر تأملاً مما ظن ليو جين أنه قادر عليه.
"وتقول إن ذلك اللقيط هيّ يعمل معهم؟ ها! لم أظن أن لديه الشجاعة الكافية لذلك".
"ليس مؤكداً أن الجنرال هيّ يعمل معهم"، يرد ليو جين.
إنه يجثو أمام مورونغ بانغ بينما يصطف بقية الوفد خلفه. يشعر بشظايا العظام تضغط على ركبته.
"مع ذلك، لا يمكن إنكار أن أولئك القابعين خلف السهول الميتة يبدون نشطين في أراضيه، وهم يستعدون لشن هجوم من هناك".
يقهقه مورونغ بانغ. لا يختلف صوته كثيراً عن هدير كلب.
"وتريد مني مساعدتك".
"ليست تحالفاً. كل ما يطلبه الجنرال دان هو هدنة مؤقتة فحسب"، يقول ليو جين.
"بالطبع يفعل ذلك".
يقلب مورونغ بانغ عينيه.
"لو كان الطلب صادراً عن أي شخص آخر غير دان، لظننت أن الأمر مجرد حيلة لدفعي إلى خفض حذري قبل أن يوحد اثناهما قواهما ضدي".
"ليست لدى الجنرال دان نوايا كهذه".
"بالطبع لا، لكان الأمر مثيراً للاهتمام حينها"، يقول مورونغ بانغ ويبدو جاداً في ما يعنيه.
"ولكن لا، لن يتفق دان وهيّ على شيء أبداً. حقيقة أنه أرسلكم جميعاً إليّ قبل أن ينبس بكلمة واحدة ل هيّ تختصر كل شيء".
على الرغم من أن ليو جين لم يأت على ذكر أي شيء من هذا القبيل، إلا أن شكوك مورونغ بانغ في محلها. قبل حتى أن يفكر في مفاوضة الجنرال هيّ، أكد الجنرال دان للجميع استحالة تعاون مورونغ بانغ مع كتاب تشكيل الموت، وقرر التفاوض على هدنة مؤقتة معه. يخبرنا هذا بالكثير عن مدى عمق ريبة الجنرال دان في الجنرال هيّ.
يعترف مورونغ بانغ قائلًا: "فكرة مقاتلة أولئك القابعين خلف السهول الميتة تبدو مثيرة للاهتمام حقاً. بيد أنني أجد نفسي افتقر إلى قائد مئة مقاتل بفضل شخص ما".
يُضيّق ليو جين عينيه.
"مع معذرتي، الجنرال مورونغ هو من صرّح بأن بإمكاني فعل ما تشاء بقمامته".
وأخذ ليو جين كلماته على محمل الجد. قبل مغادرة الحلبة، قام بمعالجة الناجيين الاثنين من لعبة مورونغ بانغ. على فداحة إصاباتهما، إلا أنها لم تكن بالسوء الذي يعجز عن إنقاذهما. للأسف، يبدو أن الرجلين لم يدركا نواياه. وما إن بدأ بمعالجتهما حتى أغمي عليهما من جراء الإرهاق البدني والنقسي التام. ترك ليو جين ليو كونغ يتولى رعايتهما في الخارج. بالنظر إلى ماضيه، فمن الأفضل ألا يقترب ليو كونغ كثيراً من مورونغ بانغ.
"أجل، قلت ذلك حينها. أما الآن فأقول هذا"، يرد مورونغ بانغ بوقاحة.
"بما أن جيشي يفتقر إلى عنصر بمثل هذه الأهمية، فلا يمكنني اتخاذ قرار حاسم في هذه اللحظة، أليس كذلك؟"
إنه يستفزهم. غياب قائد مئة مقاتل لا يعزز شيئاً في المخطط الأكبر للأمور، ناهيك عن رجل كمورونغ بانغ. ومع ذلك، فالأمر ليس غير متوقع. بل هو أفضل بكثير من الرفض القاطع. غير أنه يطرح مشكلة أخرى.
"هذا القرار سيتطلب... ما هي الكلمة؟ تروياً، نعم. تلك هي الكلمة المناسبة"، تبدو ابتسامة مورونغ بانغ قبيحة.
"سيتعين عليك الانتظار، أخشى ذلك. لكن لا تخش شيئاً. حتى أفرز من ترويي، ستستمتعون بضيافتي".
لا يمكنهم مغادرة هذا المكان إلى أن يتلقى مورونغ بانغ إجابة. ~~~ على الرغم من مظهر قاعته الكبرى، فإن أماكن الإقامة التي يخصصها لهم مورونغ بانغ عادية تماماً. ربما لا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئاً. فممتلكات مورونغ بانغ كانت تخص في يوم ما أحد الأثرياء والنافذين في مدينة هطول السحب. لا يمكن أن تكون بأكملها شفرات وعظاماً. ولا يعقل أن يهتم مورونغ بانغ بما يكفي لزخرفة كل غرفة على هواه.
في الحقيقة، العيب الوحيد المتبقي في بقية البناء هو أنه يؤوي مورونغ بانغ. قد يقول البعض إن هذا يكفي.
"الليدي باي، لم أكن أدرك أنك ستكونين هنا".
تأتي لو مي لتخاطب ليو جين فور استقرار في غرفته الجديدة. تفاجأ بوجود الليدي باي معه بالفعل، وبأن ليو جين يبدو مرتبكاً لوجودها تماماً قدر ارتباكها هي.
تكتفي الليدي باي بالقول: "رأيت من الحكمة أن أكون هنا".
رغم ذلك، لا تبذل الليدي باي أي جهد للقول أو فعل أي شيء آخر. تقف تلميذة قصر الصقيع السماوي قرب النافذة بجمود وتأمل. لا تمضي طويلاً حتى يهيمن صمت ثقيل على الغرفة.
حين تلاحظ الليدي باي نظراتهما تقول: "أرجوكما، لا تعيرا لي بالاً. ما زلت أرتب أفكاري. تحدثا عما شئتما وكأنني لست هنا".
"أنا... أرى ذلك"، تقول لو مي وبدت متمزقة.
تلتفت ببطء شديد نحو ليو جين.
"هل الغرفة آمنة؟"
"آمنة قدر استطاعتي"، يجيب ليو جين مشيراً إلى إحدى التمائم التي لصقها على الجدران.
"جيد".
تأخذ لو مي نفساً عميقاً.
"ماذا كان ذلك بحق الجحيم؟!"
ينكمش ليو جين إزاء الغضب الماثل في نبرتها. يكاد يقسم أن درجة حرارة الغرفة قد ارتفعت للتو. لقد توقع هذا. بعد ما جرى في الحلبة، هنأته لو مي على قراءته السليمة للموقف واستباقه لرد فعل مورونغ بانغ لدفع مهمتهم قدماً. وقد فعلت ذلك أمام بقية الوفد. لكنهما وراء الأبواب المغلقة الآن.
"ظننت أنك أردت رؤيتي في أقصى حاولي جرأة".
يحاول ليو جين الابتسام جالساً على حافة سريره.
"للأسف الشديد، ليست بالرؤية اللطيفة".
تحذره لو مي: "لا تحاول الكذب عليّ. أنت رجل عبقري. وأنا أعلم ذلك. والجميع يعلمون أنك كذلك، فلماذا أقدمت على فعلة كهذه؟ كان بإمكانك أن تعرض حياتك للموت! كان بإمكانك أن تعرضنا جميعاً للموت! قد يكون كل شيء قد سار على ما يرام في النهاية، لكني أرفض تصديق أنك لم تكن تدرك بأنك تعرضنا جميعاً لخطر بلا داع".
تتلاشى محاولة ليو جين الضعيفة للابتسام.
يقول ناظراً إلى كفيه: "أعلم ذلك. كل ما كان عليّ فعله هو المراقبة وعدم فعل شيء. لقد أدركت ذلك. لن تكون المرة الأولى التي أقف فيها متفرجاً بينما يمارس أناس قساة قسوتهم. حياة متسولين اثنين لا تساوي شيئاً في المخطط الأكبر للأمور".
ألا ينم هذا عن شيء؟ إنه لا يحب ذلك. بل إنه يمقته، ومع ذلك وجد نفسه مرغماً على تقبله في مرحلة ما بطول الطريق.
"لقد عرضت كل ما عملت من أجله للخطر. وعرضتكم جميعاً للخطر. أنا أعلم".
لا يزيد اعترافه إلا من حيرة مي.
"إذاً لماذا؟"
يعترف ليو جين عاجزاً عن إخفاء مدى رعبه: "أنا... لا أعلم لماذا. لقد حدث كل ذلك حين أدركت الأمر. لم أستطيع كبح نفسي".
يلتفت كل من ليو جين ولو مي نحو الليدي باي.
تخبره الليدي باي بنبرة تنم عن الفخر: "لقد كان ذلك داوك".
يسأل ليو جين: "داوي؟ الأخت الكبرى باي، يسعدني ظنك هذا، لكني لم أبلغ تلك المرتفعات بعد".
تخبره الليدي باي بنبرة توحي بأنه قال حماقة: "بالطبع لم تبلغ تلك المرتفعات بعد. بيد أن هذا لا يعني أنك لم تستزرع بداياتها".
تشير الليدي باي إلى صدره.
"اليوم، شاءت الصدفة أن تخطو خطوة أقرب إليه. فالوضع الذي خلقه مورونغ بانغ صدى في داخلك. ولسوء الحظ، أجبرك ذلك على التحرك أيضاً. لو لم تفعل، لتعرضت لجرح بليغ. خيانة داوك، لا سيما حين يكون في مرحلة النشوء، أمر بالغ الخطورة".
تقول لو مي بتردد بعض الشيء: "ليدي باي، أيعني هذا أنه سيتعين عليه التصرف هكذا دائماً بسبب داوه؟ جين متهور بما يكفي على أي حال".
في ظروف أخرى، لكان ليو جين اعترض على هذا الوصف. أما الآن، فهو يخشى أن تكون لو مي على حق. فهما لم يموتا الآن، وما ذلك إلا لأنهما أبسطا من تسلية مورونغ بانغ بما يكفي ليصغي إليهما. لا يمكنه الركون إلى التسلية للبقاء على قيد الحياة.
تقول الليدي باي مسببة ارتياحاً لكليهما: "بالطبع لا. لقد كان هذا ببساطة... تفجراً لداو. ولا يختلف كثيراً عن رضيع يلوث حفاظته. غير أن الأمر يختلف بالنسبة لمستنضج ناضج".
تضع الليدي باي يداً على صدرها.
"داوي هو العدالة".
تنطق بالكلمة، فيشعر كل من ليو جين ولو مي بثقلها المجازي قوة مادية. تملأ الغرفة وتمسكهما في كفتي ميزانها. حضورها قاسٍ وبارد، لكنه آمن.
"لا ينكر أحد ظلم أفعال مورونغ بانغ، لكني استطعت البقاء مجرد متفرجة دون تكبد أي عقوبة. تمكنت من فعل ذلك لأنني أعلم أن الانخراط في حملة صليبية محكوم عليها بالفشل ليس عدالة. ولو تحركت، لما كان الأمر سوى إشباع للغرور"، تشرح الليدي باي وين.
"ما دمت أبذل قصارى جهدي لأداء الواجبات الموكلة إليّ، فأنا أعلم أن مورونغ بانغ سينال عقابه عاجلاً أم آجلاً. يكفي هذا لإرضاء داوي. وحين تنمو في داوك، ستدرك إلى أي مدى يمكنك دفع حدوده. بيد أن الأمر ليس كذلك معك بعد".
لا إرادياً، يقلد ليو جين حركة باي وين ويضع يده فوق صدره. يستطيع سماع دقات قلبه. يشعر بتشيتشي الخاصة به تتدفق عبر تانتان الخاص به. يشعر بروحه تحت جلده. وثمة بداية ناشئة لداو تعتمل في مكان ما وسط كل ذلك. داو كاد يودي بحياته.
يقول ليو جين متأملاً كلمات يشموذاكرة العجوز جيانغ: "النفس هي العدو الأقوى حقاً".
"حقاً".
تومئ الليدي باي بموافقة.
"لهذا السبب يعد عالم المتمردين المحطة الأخيرة قبل بلوغ ذرى الأباطرة الشاهقة. ستحاول الأرض تثبيتك. وستعاقبك السماوات على جراءتك في النهوض. لكن عدو عالم المتمردين هو نفسك. فضائلك ورذائلك المنقلبة ضدك".
تلوح بيدها كمن تبدد دخاناً.
تقول الليدي باي: "بالطبع، من المبكر جداً الحديث عن أمور مقبضة كهذه. لقد كان هذا مجرد تعثر عرضي، عاد عليك بنفع جُلّ إذ أصبحت أكثر انسجاماً مع داوك مما كنت عليه من قبل. وما دمت تمضي في طريقك، ستتعلم تجنب حوادث مماثلة".
تسأله لو مي: "أداو جين يشبه داوك، ليدي باي؟ أهو... العدالة؟"
تبدو الليدي باي كمن يزن سؤالها بعناية قبل الإجابة.
"سؤال جيد. أعترف بأن جزءاً من سبب اتباعي له إلى هنا هو شعوري بنوع من الألفة تجاهه. بيد أن هذا لا يعني أن داوه هو العدالة بالضرورة".
تصمت، ويستطيع ليو جين استشعار أنها تعبس خلف القناع والوشاح اللذين يغطيان وجهها.
"يصعب الحديث عن الداو. ولهذا رغبت في ترتيب أفكاري قبل فعل ذلك. يجب أن تدركوا أن استخدام تعبير الداو لتمييز طبيعته أشد تعقيداً بكثير مما يبدو عليه. لقد بنيت أفعالك على الاستقامة، لكن داوك قد يكون الغضب. بعبارة أخرى، تحقق داوك من خلال التعبير عن غضبك لا من خلال الدفاع عن معتقداتك. هذا مجرد مثال واحد. ربما دفعتك الاستقامة للتحرك. وربما تطلب الغضب أن يتجلى. وربما رأت الحياة في الاستعراض إهانة لها. وقد تطلب النار الحركة فحسب. تلك كلها احتمالات".
تقول لو مي: "لا أود الإساءة ليدي باي، لكن يبدو الأمر وكأنك تلعبين بالكلمات".
تقول الليدي باي: "بالطبع أفعل ذلك. ففي المستويات العليا، هذا كل ما نقوم به. لا يمكن اختزال المرء في كلمة واحدة، ومع ذلك فنحن نلوي الكلمات ونفتلها محاولين المستحيل. لهذا لا جدوى تذكر من الحديث عن الداو للصغار. فأي درس لن يفيد سوى في إرباكهم. حتى خبيرة بحجم الليدي مينغ يوئه، الثانية بين الخمسة، لم تدرك طبيعة داوها إلا بعد سنوات من صعودها إمبراطوراً".
تسأله لو مي ضاغطة على يده: "ماذا على جين أن يفعل إذاً يا ليدي باي؟"
تعصر يده، فيعصر يدها بدوره.
"كيف يمكننا منع أمر كهذا من التكرار، ليدي باي؟"
تجيب الليدي باي ببساطة: "لا يمكنك. قد يقع الأمر، وقد لا يقع. لا فائدة تذكر من خشية المستقبل. يجب عليك العيش بالطريقة التي عهدتها دوماً. سيكشف طريقك عن نفسه لك في نهاية المطاف".
تصمت الليدي باي برهة. وحين تتحدث تلي ذلك، يكون صوتها مثقلاً بالمعنى.
"لا تهرب من نفسك".
يتأمل ليو جين تلك الكلمات طوال الليل. ~~~