يهجم تلميذ من العلاقات الخارجية على مكتب ليو جين ويحدق فيه بعينين زرقاوان تعصفان غضباً. إنها المرة الثانية في غضون يومين يحدث فيها هذا. إنه التلميذ نفسه حتى. وكالمعتاد يستهل كلامه بالعبارة ذاتها.
"إلى متى تظن نفسك قادراً على إهانتنا!"
يتنهد ليو جين وهو يطيل النظر في كومة المستندات فوق مكتبه. أعليه أن يفرح لتعطيله عن هذا العمل الممل؟ أم عليه أن يغضب لأن هذه المهام المملة ستستغرق وقتاً أطول بلا شك حتى تنتهي؟ منذ متى صار تنظيم المناوبات ومراجعة التقارير اليومية أعمالاً يتعين عليه القيام بها؟ أليس هذه طائفة اللهب الأبدي؟ أ يُفترض بالتلاميذ هنا تعلم فنون القتال أم تتبع داو البيروقراطية؟ لو كان المعلم ليسمعه لقال غالباً إن مثل هذا الداو موجود تاركاً إياه يتساءل أكان يمزح أم لا.
أما والده فلعرف الحقيقة لكنه لامتنع عن التعليق ربما ليوفر على ليو جين صداعاً هو في غنى عنه.
"حسناً؟ ألا رّد لديك؟!"
يرفع ليو جين حاجبه ببطء متعمد ويستند بظهره إلى مقعده.
"لم أكن أعلم أن هناك حاجة لأقول شيئاً. فمن المؤكد أن الموقف قد شُرِّح بما يرضي الأخ يوان. أم لعل هناك شيئاً ما لم يزل يعجز عن استيعابه لدرجة تدفعه إلى التدخل في عملي بهذه الشراسة؟"
تلتوي شفتا يوان يي في تكشيرة وهو ينتصب بكامل قامته. ومع أنه أكبر من ليو جين بثلاث سنوات فقط إلا أنه يفوقه طولاً برأسين. وتتأجج طاقة تشي الخاصة به من حوله لتعلن أنه في المستوى الخامس من عالم الروح مما يعظم هيبته أكثر.
"أتجرؤ!"
تضيق عينا ليو جين الحمراوان. ولا ترتفع طاقة تشي خاصته قدر ما تلتف حول جسده بحذر. ينحرف يوان يي بغريزته مبتعداً عنه.
"أنت من تجرؤ يا أخي يوان. تجرؤ على اقتحام مكان لست مرغوباً فيه. وتجرؤ على مقاطعة عملي لمناقشة أمر قد حُسم بالفعل."
"أَحُسِمَ؟"
يكرر يوان يي بذهول. وترتجف يداه إلى جانبيه كأنه يريد عصر شيء بهما.
"أي شيء حُسم في رفض الجناح الطبي إمدادنا بالدواء؟!"
"الجناح الطبي لا يفعل شيئاً من هذا القبيل"
يصحح ليو جين فوراً.
"نحن ببساطة لا نستطيع تحمل مسؤولية توزيع ما يحتمل أن يكون ملوثاً. ألا تذكر حكم الشيخ شون؟ أتقصد تلميحاً بأنه كان خاطئاً؟ أم آخذ ذلك كالموقف الرسمي لشعبة العلاقات الخارجية؟"
وكما كان متوقعاً يتراجع يوان يي فوراً.
"بالطبع لا!"
"إذن افهم سبب تصرفاتنا"
يخبره ليو جين. وتنقر أصابعه على مكتبه بإيقاع بطيء.
"كان الشيخ تشيونغ يجري تجارب على التلاميذ بغية حصاد دانايهم. ولا يدري أحد ما كان بمقدور شخص كهذا فعله بالإكسير والأدوية العديدة المخزنة لدينا. فكل ما نعرفه قد ينتهي بنا إلى توزيع سموم بالخطأ. سيكون من التهور توزيعها دون التأكد أولاً من عدم العبث بها."
ولذا توقف الجناح الطبي عن إرسال الأدوية إلى العاصمة مما ترك المشاركين في بطولة السحابة القرمزية بلا مؤن تقريباً. وكأسباب لتخريب اللورد فينغ شانغ فهي ليست سيئة. بل يذهب ليو جين إلى القول إنها مخاوف معقولة تماماً. ومع ذلك تظل مجرد حجة. فلم يعثروا حتى الآن على أي مؤشرات تدل على تعديل الأدوية المخزنة بأي طريقة ضارة.
"لقد قال الأخ تشينغ تلك الكلمات البارحة بالفعل ويبدو لي أن الجناح الطبي لا يواجه أي مشكلة في منح الأدوية للتلاميذ الوافدين إلى هنا. فلم إذن يصعب إرسال الإمدادات إلى العاصمة؟"
تتوتر عضلات رقبة يوان يي لدرجة تدعو للتعجب كيف ينجح في إخراج أي كلمات من فمه.
"يا أخي يوان، التلاميذ الذين يأتون إلى هنا يفعلون ذلك بسبب إصابات طفيفة"
يقول ليو جين منحنياً إلى الأمام ومرتفقاً بمرفقيه على مكتبه ومشابكاً أصابعه.
"علاجات بسيطة كهذه يمكن تحضيرها بين عشية وضحاها. بالنسبة لمعظم الإصابات الشائعة لا نحتاج حتى إلى إهدار الموارد. تكفي تقنية بسيطة. لكن احتياجات التلاميذ الأساسيين لا يُستجَاب لها بمثل هذه السهولة. لا يمكنك قط توقع إنتاجنا لعلاجات عالية الجودة بهذه السرعة."
وحين يفرغون من صنع ما يكفي لإرساله ستكون بطولة السحابة القرمزية قد انتهت. يا لها من ظروف مؤسفة حقاً.
"لكن لماذا أكلف نفسي عناء قول هذا للأخ يوان؟"
تفلت ضحكة قصيرة وجافة من فم ليو جين. وترتطم كفه بالمكتب بقوة أكبر قليلاً من اللازم.
"ألم نخض هذا النقاش ذاته البارحة؟ سينال اللورد فينغ شانغ ما يحتاجه حين نستطيع توفيره. وحتى ذلك الحين فأيدينا مكتوفة للأسف. لك أن تخبر الشيخ فا بذلك."
يحول ليو جين بصره عن يوان يي باذلاً قصارى جهده لتجاهل الحرارة المتصاعدة في أحشائه. كان قد أوشك على الانتها حين اقتحم يوان يي مكتبه. كان يحتاج فقط إلى بضع... ترتطم كف يوان يي بمكتبه.
"أتجرؤ على معاملتي لمجرد ساعٍ؟! كخادم يُطرَد؟!"
"الشيخ فا هو من يتجرؤ على معاملتك لمجرد ساعٍ"
يشير ليو جين.
"وأنا أكرمه باتباع مثاله."
أهو عدائي أكثر من اللازم ربما؟ بالتأكيد. وليو جين واع بما يكفي لنفسه ليدرك ذلك لولا شكر العناية. فمن غير المنصف منه تفريغ إحباطاته في شخص يماثله في مركزه. يوان يي ينفذ أوامر الشيخ فا بنفس الطريقة التي ينفذ بها ليو جين أوامر الشيخ شيويه. كلاهما يؤدي دوره فحسب. لكن وبسبب أدائهما لدوريهما يعلم ليو جين إلى أين سيؤدي هذا. لا فائدة من التظاهر بغير ذلك. والآن بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد سيفعل يوان يي ما فعله البارحة.
وحقيقة اضطراره لإهدار الوقت في هذه المهزلة تترك ليو جين مستززاً بعض الشيء...
"يا تشينغ جين، أتحداك!"
ها هو ذا. لكل تلميذ في طائفة اللهب الأبدي الحق في فرض ثلاثة تحديات مضمونة يومياً. وكما يوحي الاسم لا يستطيع من يتلقى التحدي المضمون رفضه. حتى لو تحدى تلميذ خارجي تلميذاً أساسياً فلا يحق للتلميذ الأساسي الانسحاب. مهما بدا الأمر إهداراً للوقت ومهما كان أقل من مقامه طالما أنه لم يقبل بالفعل ثلاثة تحديات مضمونة أخرى في اليوم ذاته فلا مفر له من القبول. ومنذ المحاكمة شهدت التحديات المضمونة بين تلاميذ اللورد فينغ غوي وتلاميذ اللورد فينغ شانغ طفرة في شعبيتها.
وبالتأكيد لم يفرط يوان يي وليو جين في جذب حشد من المتابعين وهما يتواجهان أمام الجناح الطبي. بعضهم تلاميذ تتبعوهما أثناء خروجهما من المبنى. وبعضهم تلاميذ جاؤوا برفقة يوان يي لكنهم لم يُسمَح لهم بالدخول إلى الجناح الطبي نظراً لأن شخصاً واحداً يكفي لتسليم الرسالة.
"مثير للشفقة!"
يصيح يوان يي.
"ألا تمتلك حتى الشجاعة لخطو قاعة النزال معي؟"
كان رد فعل الحشد متوقعاً للغاية. فهتافات تلاميذ العلاقات الخارجية دوت مرددة كلمات يوان يي وناعتة ليو جين بالجبان وخائر الجنان وغيرها الكثير. بينما هاجم أصحاب الصيدلية والجناح الطبي يوان يي بالمقابل. إلا أن هناك شخصاً واحداً نجحت كلماته في اختراق كل ذلك الصراخ.
"أه؟"
ترمش عينان بنيتان صافيتان ببلادة بومة.
"ولماذا ينبغي على الأخ تشينغ فعل ذلك؟"
يحدق يوان يي بغضب في الفتاة التي تحدثت للتو. وعلى الرغم من تماثل مستويات تدريبهما إلا أن مظهريهما يختلفان تماماً. فعلى عكس يوان يي الطويل المهيب الذي تبرز عضلاته حتى وهو يرتدي الرداء تبدو الفتاة قصيرة ونحيلة لدرجة توحي بالهشاشة وكأنها دمية. وخلافاً للو مي التي تزهر كامرأة ذات جمال آسر لا يُنسى فإن هذه الفتاة بشعرها البني القصير يمكن أن تمر كطفلة بالملابس المناسبة.
إنها فان بينغبيْنغ إحدى التلميذات المعارات من الشيخ جو إلى الشيخ شيويه. ومع أنها ليست الأقوى بينهم إلا أن فان بينغبيْنغ تعمل كحلقة وصل بين ليو جين وتلاميذ شعبة الاستكشاف. فلن يليق بالتلاميذ الأساسيين النزول إلى مستوى التعامل مع ليو جين. هكذا تسير الأمور ببساطة. التلاميذ الخارجيون وجدوا ليأمرهم الجميع بينما الشيوخ وحدهم من يملكون إصدار الأوامر للتلاميذ الأساسيين.
"قواعد طائفة اللهب الأبدي تنص على عدم جواز رفض التحدي المضمون"
تتابع فان بينغبيْنغ.
"لكنها لا توضح في أي مكان وجوب إقامة التحدي في قاعة النزال. لكان حسناً لو ثقّف الأخ يوان نفسه أكثر كيلا يجلب العار لشعبة العلاقات الخارجية."
تقول فان بينغبيْنغ كل ذلك بنبرة رتيبة ومملة لكن هذا لم يمنع وجه يوان يي من الارتعاش غضباً وهو غضب يتفاقم مع ضحكات بعض التلاميذ حولهما.
"هذا لا يخصك!"
يهمس يوان يي بحنق.
"أهكذا حقاً؟ معذرتي إذن. سأبذل جهدي كيلا أصحح للأخ يوان خطأه القادم."
وبينما ضحك البعض لا يوجد أي أثر للمزاح في عيني فان بينغبيْنغ. لقد قصدت بصدق كل حرف نطقت به. وحين همّ يوان يي بالتقدم نحو فان بينغبيْنغ أشعل ليو جين طاقة تشي خاصته ليجبر انتباه يوان يي على العودة إليه.
"يا أخي يوان، لماذا تضيع الوقت وأنت من أطلق التحدي؟ إن كنت تفكر في تحدي الأخت فان بدلاً مني فاختر ما تشاء الآن."
"لا أنصحه بذلك"
تقول فان بينغبيْنغ ويداهما مكتوفتان خلف ظهرها.
"لن أكون رحيمة في نصري مثل الأخ تشينغ."
يرتجف وجه يوان يي.
"أتسلم بأنني سأخسر سلفاً؟"
كانت الثغرة أوضح من أن يتجاهلها ليو جين.
"ولماذا يكون اليوم مختلفاً عن البارحة؟"
هذا كل ما يتطلبه الأمر. فالحشد الذي حافظ على مسافة آمنة منهما منذ البداية يتراجع إلى الخلف أكثر بينما تومض النيران حول جسد يوان يي. وحتى فان بينغبيْنغ تبتعد عنهما سريعاً.
[انفجار اللهب الهائج]
يستخدم ليو جين [تقلص الأرض] بينما تبتلع النيران القرمزية ساحة القتال. يغطي الناس وجوههم ويشيحون بأبصارهم بينما يلتهم النار الساطعة كل شيء وترتفع عدة ياردات في السماء. وفي البارحة استخدم يوان يي هذه التقنية في النهاية فقط. أما الآن فإنه يستهل المعركة بها. بغض النظر عن ذلك تظل طريقة التعامل معها ثابتة. وما إن تبدأ النيران بالخمود حتى ينطلق ليو جين خاطفاً والرماح بيده.
عبر الدخان المتصاعد والجمر المتقافز يلتقي عينا يوان يي بابتسامة.
[انفجار اللهب الهائج]
تغمر التقنية كل شيء بالنيران مرة أخرى. تقفز قلب ليو جين في صدره وهو يغير اتجاهه في اللحظة الأخيرة بصعوبة. ومع ذلك لا يكتفي يوان يي بتركه وشأنه. فهو لا ينتظر حتى يخفت الانفجار بل يندفع مباشرة نحو ليو جين ناثراً جسده خارج النار كرماد يقذفه ثوران بركاني.
[انفجار اللهب الهائج]
يعض ليو جين على أسنانه ويستدعي طاقة تشي لحظة إصابة النار له. لا تشبه هذه البارحة بأي شكل. لقد تحول يوان يي إلى بركان حي. ذابت أرضية الحجارة المرصوفة. وتشوه الهواء نفسه بفعل حرارة كانت لتقتل رجالاً أدنى منه شأناً.
[انفجار اللهب الهائج]
آه. هكذا إذن. أعليه ترك يوان يي يتعب نفسه إذن؟ لا. يعقد ليو جين حاجبيه. سيعني فعل ذلك الاستسلام لما يرمي إليه يوان يي. ولا توجد سوى طريقة واحدة حقاً للتعامل مع هذا. تتطاير شرارات البرق حول ليو جين وهو يندفع نحو مركز النيران. أتيحت ليو جين أقل من جزء من مَائَة من الثانية ليلاحظ عيني يوان يي المتسعتين قبل أن تبتلعهما تقنيته وسط النيران مرة أخرى. يعض ليو جين على أسنانه ويتحمل.
قد يكون تدريب يوان يي أعلى من تدريبه لكنه يبدد طاقته بتهور. فنشرها على مساحة واسعة كهذه يضعف فعاليتها. وفي المقابل التقى برق ليو جين ملتفاً بإحكام حول جسده ليقوي ويهيمن على طاقته. وفي معركة الحرارة الفائز هو ليو جين. يلتقي الرماح بالقبضة. يخلف السلاح المدعم جرحاً غائراً في ذراع يوان يي. ينطلق الدم نافراً ليتبخر فوراً إذ تكوي الحرارة الجرح لتغلقه. يصيح أحدهم بشيء ما.
لكن ليو جين لا يستطيع تمييز الكلمات وسط هدير النيران. إنه بالكاد يرى. وكل ما يعتمد عليه هو طاقة تشي الخاصة بيوان يي. وهذا يكفي. ومرة تلو الأخرى يتواجه اثنان في قلب الجحيم بينما يحترق ويذوب كل ما حولهما وترتفع النيران أعلى فأعلى. إنها رقصة برية محمومة، ولسهوة قصيرة، يسمح ليو جين لنفسه بالانطلاق. يُلوَّح بالرماح بقوة وسرعة أكبر في كل مرة ليغدو أشبه بهراوة وهو يفرغ إحباطه في يوان يي مسدداً ثلاث أو أربع ضربات مقابل كل ضربة يتلقاها.
ولا يستغرق الأمر طويلاً حتى تبدأ حركات يوان يي بالبطء والترنح. قد يكون الحفاظ على استمرار [انفجار اللهب الهائج] مفيداً للتعامل مع من هم أضعف منه، لكن في نزال كهذا لم يكن سوى إهدار للطاقة.
"الفائز، تشينغ جين!"
بالطبع، ربما كان يوان يي يعلم ذلك مسبقاً.
"يا أخي يوان، أتحداك!"
لم يكد الدخان ينجلي تماماً. أرضية الحجارة المرصوفة تشبه ماء عكراً، والدخان يتصاعد من جسد ليو جين. ومع ذلك يتجرؤ تلميذ على إلقاء تحديه. ترتسم ابتسامة مريرة على وجه ليو جين إذ تؤكد شكوكه. لقد كان يوان يي يعلم أنه سيخسر كما فعل البارحة. لم تكن استراتيجيته الفوز قط. بل سعى لإنهاكه من أجل منافسه التالي.
"آه، فهذا سبب قتال الأخ يوان بطريقة غريبة اليوم إذن. أَيَجِبُ أن أشعر بالاطراء؟ بصراحة لا أظن أنني أستحق كل هذا العناء."
"لا يفهم هذا الفرد ما يتحدث عنه الأخ تشينغ"
يقول التلميذ الذي تحداه للتو. ومثل يوان يي فهو في المستوى الخامس من عالم الروح.
"لقد تأثر هذا الفرد أشد التأثر بقتال الأخ تشينغ لدرجة لم يجد معها مفر سوى التماس الإرشاد منه."
يمسك ليو جين وجهه بيده ويضحك.
"بالطبع."
ليست هذه المرة الأولى التي يُتحدَّى فيها ليو جين من قِبل تلاميذ شعب أخرى. فمنذ تولي الشيخ شيويه أمر الجناح الطبي وتيرة التحديات ضده في تصاعد. ولحسن الحظ لم يأتِ أي منها من تلاميذ أساسيين. فلو تحداه تلميذ أساسي بلا دافع قوي لكان الأمر مجرد اغتيال وسيعامله الجميع كذلك. لكن الأمر يختلف إن حدث له مكروه أثناء القتال مع تلميذ داخلي. فأي أذى يلحق به سيُعامَل حينها كحادثة مأساوية.
ومع ذلك فهذه المرة الأولى التي يحاول فيها أحدهم هذا النهج معه. وبينما يستعد لمعركته الثانية في ذلك اليوم يخطر ببال ليو جين أنه قد يكون قادراً على تسجيل ضربة مفاجئة [بفن اللص الجوال] وإنهاء النزال سريعاً. لكن فعل ذلك سيعني كشف التقنية للناظرين. هناك عيون كثيرة تحوم حوله وتدرس أسلوبه وتنقده باحثة عن نقاط ضعف ليفعل ذلك.
"سيظلون يتحدونك لأنهم لا يخافونك"
قالت له لو مي قبل بضعة أيام. ولسوء الحظ كانت على حق. إنه ليس من النوع الذي يرى في النزالات عذراً لتمزيق خصمه. وحتى لو فعل لربما قام بإصلاحهم بعد ذلك بوقت قصير. وهذا يعني أن بمقدور الناس تحديه بلا خوف.
"سقطت الإمبراطورية في الفوضى بمجرد اختفاء تنين العاصفة الأسود. وبينما وقف كثيرون ضده، كانت طاقته هي ما أبقى الإمبراطورية متماسكة. وبالرعب توحدت الإمبراطورية..."
تومض كلمات لي كونغ في ذهنه في خضم القتال. ما الذي يعنيه الأمر عن البشر حين يُعَدّ الرعب ضرورياً للنظام؟
"الفائز، تشينغ جين!"
"يا أخي يوان... عذراً، يا أخي تشينغ، أتحداك!"
يتقدم مقاتل آخر. إن قضى ليو جين عليه فهل تتوقف التحديات؟ ربما لا، لكن الناس سيضطرون للتفكير مرتين قبل الإقدام عليها. كيف يُسمَّى هذا؟ قسوة مدروسة؟ قسوة ضرورية؟ في أي نقطة تتحول إلى مجرد قسوة؟ لو جلس مع هذا الشخص وتحدث إليه، لو شرح له الأمور وناقشه بمنطق، فهل يكف عن قتاله؟ أيمكنه توقع ذلك بصدق من أحدهم؟
لو التقى ليو جين بشخص يخبره: "أرجوك، ضع أهدافك جانباً، فلي أهداف تخصني".
فهل يستمع لذلك الشخص؟ غالباً لا. أهذا ما صارع والده من أجله؟ ألهذا السبب اختار القسوة والرعب؟ إن كان الأمر كذلك فيمكنه البدء في استيعاب ذلك. أو بالحرى يمكنه تفهم الإحباط والجاذبية النابعين من ذلك الإحباط. لكنه ليس طريقه. لكن هذا...
"الفائز، تشينغ جين!"
"أداء رائع يا أخي جين"
يخبره كونغ هو. لم يكن ليو جين قد رآه في البداية لذا لا بد أنه خرج للمشاهدة في مرحلة ما خلال النزال الثاني.
"لقد أجدت"
تقول فان بينغبيْنغ بإيماءة خفيفة لدرجة تكاد تُحسب مجرد خدعة بصرية.
"شكراً لك"
يقول ليو جين آخذاً نفساً عميقاً.
"لكن يلوح لي أن إخوتنا من شعبة العلاقات الخارجية قد وفدوا التماساً للإرشاد ولم يتمكن سوى ثلاثة منهم من تلقي بعضه مني. لا أود أن يشعر الباقون بأنهم منسيون."
يتجمد تلاميذ العلاقات الخارجية الذين كانوا ينشلون إخوتهم الساقطين في أماكنهم بينما تتحول كل الأجفان نحوهم فجأة.
"ربما"
يتابع ليو جين.
"يرغب البعض هنا في التطوع."
"فكرة ممتازة"
يقول كونغ هو.
"مثير للاهتمام."
لا بد أن هناك طريقة أخرى يقيناً.