"تصير مشاعرنا شياطين تُمزق أجسادنا من الداخل"، يستذكر ليو جين من حفظه.
"قال لي سيدي ذلك ذات مرة".
يتعارض الارتقاء مع إرادة السماء في جوهره. لذا، فإن درب الارتقاء محفوف بالأخطار. تكون أحياناً جسدية. وتكون أحياناً روحية. وتكون أحياناً الاثنين معاً.
"أعتقد أن سيدي أراد أن يغرس في نفسي أهمية العقلية السليمـة. بالطبع، ظننتُ سيدي آنذاك يتكلم مجازاً لا حقيقة".
يحافظ ليو جين على هدوء صبره رغم إحاطة الأعداء به من كل جانب. لا يتحرك بحر السوداء حوله لابتلاعه حتى اللحظة. بيد أن ذلك وضع مؤقت لا محالة. يدرك ليو جين حق الإدراك مئات النظرات المسددة إليه. تحمل كل نظرة منها وعداً بعاصفة قادمة. ربما ترضى الأشباح بتمكينه من الكلام الآن، لكن ذلك لن يدوم للأبد. على ليو جين الاستفادة القصوى من هذا الهدوء المزيف.
"ما لبثت أن أدركتُ لاحقاً مدى صدق كلمات سيدي".
لقد كان ذلك أحد أغرب الدروس التي تلقاها ليو جين من العجوز جيانغ.
"عندما يمر مرتقٍ رفيع المستوى باضطراب عاطفي عارم، تحتشد هذه المشاعر لتندمج في كيان جديد. وتلك هي النتيجة التي نُسميها شيطان القلب".
لا ينبغي الخلط بين شيطان القلب والشيطان الحقيقي. حرص السيّد على تأكيد ذلك. تولد الشياطين من الجمادات أو الحيوانات التي تكتسب الوعي بعد تعرضها لطاقة تشي المحيطة لقرون. وحالما تتجمع لديها طاقة كافية، تصبح قادرة على اتخاذ هيئة بشرية. ومع أصولها تلك، تمتلك القدرة على التفكير والتأمل والتغيير. أمّا شياطين القلب، فهي مشاعر مُتجسّدة وصدمات تتخذ شكلاً. يُعرّف وجودُها أبدياً بطبيعة نشأتها.
وكي تولد في هذا العالم، لا بد أن تقتل صانعها. وحالما يحدث ذلك، لا تصبح سوى مشاعر رجل ميت، لا أكثر ولا أقل. شعر ليو جين بالخعر حين علم بإمكانية حدوث أمر كهذا. أن تُعيق مشاعره ارتقاءه شيء. بيد أن احتمال استيقاظ اضطرابه الداخلي لمهاجمته من الداخل كان أمراً مفرطاً. لهذا السبب لا يُقال الكثير للمرتقين الشباب عن شياطين القلب. فهو ليس عبئاً تحتاجه عقولهم. بطبيعة الحال، لم يعبأ العجوز جيانغ قط بأمور تافهة مثل الأعمار القابلة للتأثر حين وضع خططه الدرسية.
"الشك. الخوف. التردد. تلك هي صنف المشاعر التي تميل للتفاقم داخل المرء. حتى لو حاولت قمعها، فلن يتخلصك ذلك منها".
يعقد ليو جين حاجبيه.
"بيد أن خلق شيطان القلب لا يتطلب سوى ذلك، لانتشرت في كل مكان".
"في المقام الأول، يتطلب خلق شيطان القلب أن يكون المرء في رتبة الحقيقة على الأقل. لا تستطيع روح غير مكتملة النضج أداء إنجاز كهذا قط. وإن وُجدت حالة تمكن فيها أحدهم من خلق واحد في رتبة أدنى، فما سمعتُ بها".
يُصلب فنغ تشي ذراعيه. ويُطلّ من علٍ على الساقط وونغ شو.
"حتى في تلك الحالة، فهي ليست حالة شائعة. فكر في الأمر. لو اقتصر الأمر على الاضطراب الداخلي، لَمات معظم مرتقي رتبة التمرد أثناء خلقها".
وهذا لا يعني أن الأمر لم يحدث قط. لكنه ليس ظاهرة شائعة بأي حال. بل بعيد عن ذلك كل البعد. تُشجع رتبة التمرد عقلية مغايرة لتلك المطلوبة لخلق شيطان القلب. رحمة ضئيلة. فمرتقو رتبة التمرد يشكلون عناءً كافياً بأنفسهم.
"أنت في رتبة الروح، الرتبة الرابعة من الارتقاء، ومع ذلك خلقت بطريقة ما لا شيطاناً واحداً بل مئات من شياطين القلب. ليس هذا فحسب، بل خلقتهم دون أن تموت. ذاك أمر مستحيل. التجسد المادي لشطان القلب ظاهرة نادرة للغاية ولا تحدث إلا إذا مات المرتقي أولاً".
شيطان القلب ليس أمراً يحدث بغتة. ولا يبدأ وجود شيطان القلب يوم مقتل المرتقي. أبداً. إنها عملية بطيئة، وغالباً ما يمتلك المرتقي وقتاً وافراً لتفادي هكذا نتيجة. وبما أنها مشكلة عاطفية وروحية في جوهرها، فإن إصلاحها مجرد مسألة إيجاد توازن عاطفي وروحي. من شأن ذلك تجريد شيطان القلب من قوته بل وإخماده للأبد. ولا يضطر المرتقي لمواجهة شيطان القلب داخل روحه إلا عندما يفشل كل شيء سواها، وغالباً بعد اجتياز اختراق.
ونادراً ما تصل الأمور إلى تلك النقطة، والنادر الأندر أن يفوز شيطان القلب. وبعبارة أخرى، لا يستطيع شيطان القلب التجلي في المستوى المادي إلا حين يسوء كل شيء ويكون المرتقي قد مات. بيد أن وونغ شو حياً بلا شك. والطريقة التي تتغلغل بها طاقته عبر البرج خير دليل على ذلك. لو قُتل، لخضعت طاقة شيطان القلب لتحول. ولما عادت تُشعر على أنها طاقة وونغ شو.
"ألا ترى ذلك يا سيّد فنغ تشي!"
يصرخ وونغ شو.
"لهذا السبب بالذات لا أستطيع..."
"اصمت"، يقول فنغ تشي، مُسدساً فم وونغ شو على الفور.
"صحيح أن شيئاً في حالتك لا يلتزم بالمعايير. بيد أن ثمة عاملاً واحداً لا يجب إغفاله".
"ما هو؟"
"تفوح منك رائحة النقص".
تلمع عينا فنغ تشي الذهبيتان بالشفقة وهو ينظر إلى وونغ شو من علٍ.
"استطعت تمييز ذلك منذ اللحظة التي التقينا فيها".
ففي نهاية المطاف، هي رائحة يألفها حق الألفة.
"لا أبتغي الإساءة، لكن الحالة الذهنية لوونغ شو لم تكن على ما يرام قبل قدومنا إلى هنا. إجباره من قِبل أبيه على موقف لم يرتضه. اضطراره للتعامل مع عمه وبقية الطائفة وهم يشيرون إلى نقائصه في كل منعطف. رؤية الطائفة تتهددها التمزق بسبب ضعفه. لا بد أن الأمر كان هكذا".
يتنهد ليو جين. لقد كان هناك... مشاكل أخرى على الأرجح بين البطريرك وونغ وبعض شيوخ طائفة الوهم الساطع. أمور صغيرة. وأمور كبيرة. بيد أن إصراره على اختيار وونغ شو انتهى ليكون ما رجح الكفة. لابد وأن الأمر كان أشبه بذلك. لكنه لم يبدُ لوونغ شو كذلك قط. بل بدا وكأنه المشكلة الوحيدة برمته.
"لا بد أن وونغ شو عانى الأمرين خلال تلك الأيام".
عوضاً عن الغضب منه، تسارع الأشباح للإعراب عن موافقتها. ويقطر الحقد من كل كلمة تنطق بها.
"أجبن من اتخاذ القرارات".
"أجبن من التعرض للأذى".
"أجبن من البروز".
"أجبن من تحمل المسؤولية".
"ما أقصاكم"، يبتسم ليو جين بحزن، "لكنني أخال... أنكم تملكون ذلك الحق بالفعل".
كبت وونغ شو كل تلك المشاعر. وحبسها داخله. غير أن ذلك لم يكن ليُكتب له الدوام إلى الأبد. وما يُدفن سيُنبش يوماً. لا مهرب من ذلك. حين تحاول الفرار من مخاوفك، لا تنتهي إلا بحملها معك. ومن تلك المشاعر، ولدت تلك الأشباح، تلك الشياطين القلبيّة.
"لا يمكنني ادعاء معرفة كيفية تكونكم. فهي لا تطابق العملية المعتادة بأي حال، بيد أنني متأكد من أنكم ولدتم من مشاعر وونغ شو المكبوثة. وبهذا المعنى، ليس لدي ما أنعتكم به سواه".
يرفع ليو جين حاجبيه.
"أكنتم 'أجبن من اتخاذ القرارات'؟ أتلك هي حقيقتكم؟"
"كلا!"
"بلى!"
"ولدتُ..."
"لأحمي طائفة الوهم الساطع!"
"لأدمّرها!"
"لأغادرها!"
"لألقي اللوم على عشيرة اللهب الأبدي!"
"لأزيلها!"
"لأحاربها!"
تغمر الحزن عيني ليو جين. هكذا إذن، كان هذا ما تعاملوا معه طوال الوقت. تمثل شياطين القلب هذه تردُّد وونغ شو، وعجزه عن اختيار مسار عمل محدد. لقد هاجموا ممتلكات طائفة الوهم الساطع في غابة الليل لكنهم تفادوا تلاميذ الطائفة الذين يبحثون عنهم في كل منعطف. وكانت تلك نتيجة لتصارع استياء وونغ شو وولائه أحدهما مع الآخر. ولم تستطع الأشباح التعبير عن استياء وونغ شو إلا بطرق لا تلحق الضرر المباشر بأعضاء الطائفة.
بيد أن الأمور تغيرت بمجرد وصول عشيرة اللهب الأبدي. فمشاعر وونغ شو تجاههم كانت أقل تناقضاً بكثير. وقد سمح ذلك للأشباح بالقتال للمرة الأولى. ومن هناك، تصاعدت الأمور لتستهدف المستودع وعمه، لتصطدم أخيرًأ بأعضاء طائفته نفسها. يجب ألا يكون ذلك ممكناً بأي حال. فما كان لوونغ شو أن يكون قادراً على إحداث أمر كهذا. غير أنه لا جدوى من الإنكار الآن. لقد خلق وونغ شو شياطين القلب هذه بطريقة ما.
وحالما ينحي ليو جين استبعاد الحدث جانباً، يسهل عليه تجميع خيوط اللغز معاً. كل ما يحتاجه الآن، هو شراء القليل من الوقت الإضافي.
"ومع ذلك، تظل مسألة حقيقتك قائمة"، يقول فنغ تشي ناظراً إلى وونغ شو الراكع.
ويبدأ في الدوران حوله ببطء.
"لا يمكن أن تكون وونغ شو بحال. أنا متأكد من ذلك تماماً. وإلا لكنت ميتاً بالفعل. لا بد أنك شبح، أو بالأحرى شيطان قلب، تماماً كبقية الموجودين في الخارج".
"أهذا... أهذا ما أنا عليه؟"
لا إنكار هذه المرة. يشعر قلب فنغ تشي بوخز من الشفق لرؤية المظهر المكسور على وجه وونغ شو. عليه تذكير نفسه بأن هذا هو الشخص الذي تجرأ على عرض ذلك الوهم القذر عليه. كلا، إنه ليس بشراً حتى. إنه شيطان قلب. ومهما بدا عاجزاً، فلا يمكن لفنغ تشي التساهل معه. حتى وإن شعر، مرة أخرى، بأنه تحول إلى الشرير. لماذا يتقمص هذا الدور بكل هذه السهولة؟
"وما عدا ذلك يمكن أن تكون؟ أيبقي وونغ شو حياً بعد غليان كل دمائه؟ أيتشافى وونغ شو بعد غرس ذراع في صدره؟ لم تدرك ذلك حتى الآن، لكن الهواء الذي تتنفسه الآن شديد الحرارة لدرجة تتألم معها رتبة الروح. لكان وونغ شو قد مات الآن. ومع ذلك، تواصل التشافي".
يعقد فنغ تشي حاجبيه مع إكماله لشرحه.
"كلا، ليس الأمر هكذا تماماً"، يقول واضعاً يده على كتف وونغ شو.
لتبدو تلك الحركة مواسية لولا طابعها المشؤوم.
"أنت لا تتشافى. بل يُعاد خلقك باستمرار من قِبل وونغ شو الحقيقي. ففي نهاية المطاف، لا يمكن أن يولد شيطان القلب ما لم يقتل المرتقي الذي خلقه، لكن تلك ليست حالتك، أليست كذلك؟ لقد تمكنت أنت والبقية من التجلي دون الحاجة لقتل وونغ شو".
حالما يتجلى شيطان القلب، يتحول إلى كيان مستقل. ولهذا السبب يستمر في الوجود حتى بعد موت المرتقي الذي صدر عنه. بيد ماذا لو تمكن المرتقي وشيطان القلب من الوجود في الوقت ذاته؟ في تلك الحالة، لن يكون شيطان القلب كياناً مستقلاً.
"لم تولدوا كشياطين قلب حقاً بعد"، يختتم فنغ تشي.
إنها مجرد نظرية، لكنها تبدو صادقة في نفسه.
"وبعبارة أخرى، لا يزال وجودكم مرتبطاً بوجود وونغ شو. ولهذا السبب لا يمكنك الموت. وباعتبارك كياناً، فأنت ما زلت في طور التكوين. لذا، وبغض النظر عن عدد مرات قتلي لك، يعيد وونغ شو الحقيقي تجسيدك مجدداً".
ألهذا السبب يوجد هذا العدد الهائل منهم؟ يمثل كل شيطان قلب مرآة لنفسية وونغ شو. انعكاس لا أكثر. وهم لا وجود لهم في الواقع بعد. لم يخلقهم وونغ شو بعد. لا ضير من وجود وونغ شو واحد. فحالم تملك ما يكفي من المرائي، يمكنك حيازة ألف انعكاس. أهكذا هي الحال؟
"يجب أن تكون قادراً على استشعار ذلك. نوعاً من الارتباط بوونغ شو الحقيقي. أأنا مخطئ؟"
"أنَا... لا أشعر بشيء من هذا القبيل!"
وحتى مع نطق وونغ شو المزيف بذلك، يدرك اثناهما أنه كاذب. فاللحظة التي يطرح فيها فنغ تشي الاحتمال هي ذات اللحظة التي يلاحظ فيها ذلك الارتباط. الرابط الذي يُبقي على وجوده.
"غير أن السؤال يظل قائماً، ما أنت؟ يولد شيطان القلب من نفسية المرتقي، فما الذي تمثله بالضبط إذن؟"
"ما أنا؟"
"أي جزء من وونغ شو تمثل؟ أي خوف؟ وأي تردّد؟"
"أنا... أنا... أنا... أنا..."
ينكسر شيء ما. يكاد فنغ تشي يلمس تحطم آخر خيوط المقاومة في عيني شيطان القلب. وفي تلك اللحظة، يتغير أمر ما، ليس في شيطان القلب فحسب، بل في الغرفة بأسرها.
"آه، أرى. لقد فهمت الآن".
يختفي. تتصاعد النيران فوراً لتغلف جسد فنغ تشي وتقيه مئات كرات النار الزرقاء المنطلقة نحوه من كل حدب وصوب.
"لقد فهمت الآن، يا سيّد فنغ تشي".
ينبعث صوت وونغ شو من كل مكان في آن واحد. لا أثر للخوف ولا للهستيريا فيه، بل ثقة هادئة.
"أعرف ما أنا عليه الآن".
"أكذلك الأمر؟ وبما أنني شرفتُ بإمساك يدك طوال الطريق، أفتكون من الكرم بحيث تشاركني الإجابة التي توصلت إليها؟"
"أنا رؤية الكمال التي طالما تاقت إليها نفس وونغ شو"، يرد شيطان القلب.
"أنا ما طمح لأن يكونه. أنا من سيسكت كل الأسواء التي تعتلج قلبه".
"وأخالك ستبدأ بي أنا؟"
تستيقظ الغرفة برمتها لمهاجمته. يتغير أمر ما. طقطقة. وهزة. تسري عبر الأشباح واحداً تلو الآخر، كحجر يُلقى في بحيرة، مسببة تموجات في الماء. لا تنمو طاقة الأشباح، أو بالأحرى شياطين القلب، قوةً ولا ضعفاً، بيد أن الهواء يُشحن بغتة بحدة لم تكن موجودة من قبل.
"آه".
"أرى".
"لقد تم الأمر".
"ما الذي تم؟"
يسأل ليو جين.
"لقد انتهينا".
"انتظظنا بتنظيم سليم أخيرًأ. منقسمون لكننا كلٌّ واحد".
"لا يمكنك هزيمتنا".
"أعتقد حقاً أنني مُستهان بي"، يقول ليو جين، "بيد أنني لا أجد في نفسي مبرراً للَومكم. لو كنتُ في مكانكم، لكنت واثقاً من نصري. مع أنني لا أظنني أتمنى يوماً أن أكون في مكانكم".
"تستهزئ بنا".
"لا جدوى من ذلك".
"لن ينقذك رفاقك".
"سُيفرض الصمت عليك".
"سيكون كل شيء صمتاً".
"ليس استهزاءً ولا تباهياً".
لقد أشترى ليو جين بالفعل كل الوقت الذي يحتاجه.
"أيها الشيطان المولود من اضطراب قلب وونغ شو... أود الاعتذار. طبيعة وجودكم جديرة بالشفقة، بيد أنه لا علاج في جعبتي لأقدمه لكم. فأنا أضعف من أن أدرك كيفية علاجكم".
يأخذ ليو جين نفساً عميقاً.
"كل ما يمكنني منحه لكم هو السلام".
ويدخل رتبة الروح.