"نحن من أزعج سباتك أيها العظيم"، يردّ العجوز جيان بهدوء كأنه لا يخاطب كائناً يحجب جسده الشمس ويلقي عليهم ظلاماً أبدياً.
"لقد تجشّم هذا الشيخ وتلميذه مخاطر الضباب السام والكائنات في الخارج للوقوف بين يديك".
"طفل وإمبراطور يموت"، يقول ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة ويلبس صوته مرحٌ مظلم.
"مضت أربعة آلاف عام وأنتما أول من يمثل أمامي. لا بدّ أن العالم الخارجي في حال يزري بها حقاً".
أربعة آلاف عام. هذا أزيد بثلاثة آلاف عام عمّا قدّره شيا نان. في ضوء كل شيء، هذه الحقيقة لا قيمة لها البتّة. مع ذلك يتمسّك بها ليو جين بقوة لأنه لو ركّز على أي شيء آخر لفقد عقله لا محالة.
"صدقت أيها العظيم. ليس العالم كما كان حين كنت حيّاً".
حيّ؟ هذه الكلمات المفردة تحيّر عقل ليو جين لدرجة أن بعض رعبه يتلاشى.
"سقطت أمم كثيرة. وذبلت طوائف وعشائر عديدة حتى غدت لا شيء. ولا شيء يُذكر مستوى الممارسين مقارنة بما كان في الماضي".
"مع أنه أمر مثير للشفقة، فهو متوقع"، يسخر العملاق.
"استنزفت الحرب هذه القارة حتى قبل موتي. لقد طال انتظاري هنا لمن يطالب بارثي. غير أن..."
تتضيق ثمانية عشر عُيناً تتوقّد كالنجوم. لا تركز نظراتها على ليو جين بل على العجوز جيان، وتلك هي العلة الوحيدة التي تبقي جسد ليو جين واقياً وملابسه نظيفة.
"أعيننا ترى روحك أيها المحتضر. أرى الدنس الذي ينخرها. كم تضاءلت يا ترى؟ بصبغ النظر عن ذلك، العلة التي تعتصرك ليست شيئاً يُصلَح بسهولة. أمثالك لا يصلحون لتلقّي إرثي".
تلك هي المرة الثانية التي يأتي فيها ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة على ذكر صحة معلمه. غير أن كيف لمعلمه الواقع في مرتبة الإصام أن يكون محتضراً؟ صحيح أنه كان شارف على الموت حين التقيا للمرة الأولى، بيد أن ليو جين نجح في إنقاذه. وفوق ذلك يتلقى معلمه العلاج والدواء من أبيه كل أسبوع. كيف له أن يموت؟
"الأمر كما ذكرت أيها العظيم. هذا الشيخ غير ملائم لنيل بركاتك. بل إن هذا الشيخ لم يأت إلى هنا متوقعاً سماع غير ذلك، بل ليضع تلميذه بين يديك. إنه شخص يصلح لتلقّي إرثك".
يشير إليه معلمه. تلتفت ثمانية عشر عُيناً وتسعة رؤوس نحو ليو جين لتجمده رعباً.
"هو؟"
يفعل ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة حينئذ ما لم يتوقع ليو جين رؤيته منه أبداً. يضحك.
"طفل في مرتبة الداخل فحسب؟ ليتلقى إرثي؟"
تضحك الرؤوس التسعة جميعها بصوت عال ودون كبح. بالنسبة لملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة، لا يمثل حتى من هم في مرتبة الإصام شيئاً يُذكر. أمّا ليو جين الذي لا يعدو كونه في مرتبة الداخل فهو وجود تافه للغاية لا يستحق حتى إمعان النظر فيه.
"ما سمع ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة هذا قط طريفة أضحك منه. وحدها هذه تستحق الاستيقاظ".
إن كان العجوز جيان مهاباً بأي طريقة من ردة فعل ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة على مقترحه فهو لا يبدي شيئاً. وحتى حين يتموج الفضاء من حولهم بسبب ضحكات ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة، يتكلم العجوز جيان دون وجل.
"مع ذلك أيها العظيم، لا يمكن إنكار أن هذا الطفل قد تجشم عقبات الضباب السام في الخارج بقوته الخاصة. وحتى الآن هو يقاوم ضباب هذا العالم السام من دون أي عون. أفليس جديراً إذن بنيل فرصة لإثبات جدارته؟"
"ألم تعنه؟"
ينظر ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة إلى ليو جين بتممعن أكبر هذه المرة. افترض في البداية أن العجوز هو من ساعد الطفل على النجو من الضباب. غير أنه يرى الآن أن الطفل ينقي السم من جسده بوعي.
"لم تكن هناك حاجة. قد يكون هذا الطفل مجرد ممارس في مرتبة الداخل، لكنه قادر تماماً على التعامل مع هذا المستوى من السموم".
يقول العجوز جيان هذا كأن التعامل مع السم المحيط بهما لا يعدو شيئاً مهماً لليو جين. إذا استطاع ليو جين، كطفل ضعيف في مرتبة الداخل، التعامل مع سموم كهذه، فكم ستشتد قدرته قوّة في المستقبل؟ هذا ما يلمّح به العجوز جيان لملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة بتلك الكلمات.
"مم... أيها الطفل، معلماً يقول الصدق. تملك الحق في الخضوع لاختباري. غير أني لا أضمن نجوتك من التجربة. بل ستكون هلاكاً لا محالة. ومع ذلك، أترغب في الخضوع للاختبار؟"
لا يفهم ليو جين. لا يفهم ليو جين هذا الحديث عن المواريث والاختبارات. لا يفهم كيف لكائن مثل ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة أن يوجد، فضلاً عن كونه ميتاً بالفعل. ولا يفهم كيف أن معلمه محتضراً بزعمهم. لا يفهم أشياء كثيرة لدرجة أنه لا يدري أيبكي أم يضحك. مع ذلك يدرك ليو جين أن معلمه أحضره إلى هنا لسبب. ويعلم أنه اتخذ قراره لحظة دخوله الكهف. بل قبل ذلك حتى. بطريقة ما، اتخذ ليو جين قراره لحظة قرر أن يصبح تلميذاً للعجوز جيان.
يتمسك ليو جين بذلك العزم. يتمسك به لأنه إن فعل أي شيء آخر فسيهوي في اليأس حتماً.
"سيكون ذلك شرفاً لهذا العبد أيها العظيم".
ينتزع ليو جين كل ذرة شجاعة تبقت في جسده فقط ليقول تلك الكلمات. ويُحسب له أن صوته لم يخرج إلا مرتجفاً طفيفاً رغم أن جسده المبتل بالعرق يروي القصة كاملة.
"حسناً إذن أيها الطفل. على رأسك تدور الدوائر. ستتلقى اختباري. لثلاث سنوات، ستحمل علامتي. انجُ، وسيكون إرثي لك لتطالب به".
ثلاث سنوات؟ لا يملك ليو جين وقتاً ليسأل شيئاً. وقبل أن يستوعب المعلومة يزهر ألم في بطنه كحديد محمر يمزق أحشاءه. إنه أسوأ ألم يختبره الطفل الصغير حتى الآن. يفتح ليو جين فمه ويصرخ. إنه مشتت بالألم لدرجة أنه يكاد لا يلاحظ المشكلة الأكبر. السم. إنه أشد فتكاً وعنفاً بكثير من أي شيء خبره من قبل. لا يضاهي الضباب السام خارج الكهف السم العارم الآن داخل جسده. يخرج الدم من فمه وهو ينهار على الأرض.
لا يستطيع ليو جين مقاومته. ينتشر السم في كل جزء من جسده من أطراف أصابعه إلى قمة رأسه. يشعر كأن كل عضو من أعضائه يُغلى ويُمزق. لا! يضرب ليو جين بقبضته الصغيرة على الأرض. لا يمكنه الموت هنا! ليس هكذا. إن هلك الآن فما جدوى كل ما فعله حتى الآن؟ ما جدوى تطهيره جسده من السم في العام الماضي؟ لم يكن العجوز جيان ليحضره إلى هذا المكان إن لم يظن أنه قادر على النجاح. مخترقاً الألم، يضاعف ليو جين جهوده لتطهير السم من جسده.
بيد أنه يدرك سريعاً عقبته الكبرى. السم يجري عبر طاقته. ينتشر عبر مساراته ويبلغ كل عضو في آن واحد. لقد طهّر ليو جين مقداراً معتبراً من السم من جسده بالفعل، لكن ذلك لا يغير شيئاً. يستمر حقن المزيد والمزيد من السم في جسده. لا يمكنه التخلص من هذا السم لأنه يأتي من... السم يأتي من بطنه. تتحسس أصابعه لحمه. لا شيء هناك، لكن ليو جين يستشعرها. شعور الاحتراق لا يزال قائماً، علامة ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة.
هذا ما يستمر في ضخ السم داخل جسده. لا يهم مقدار السم الذي يتخلص منه ليو جين لأن العلامة تستمر في توليد المزيد داخله. ولتجاوز ذلك، يحتاج ليو جين إلى أن يكون قادراً على تطهير سم من جسده أكثر مما تستطيع العلامة إنتاجه في الثانية الواحدة. لا يستطيع فعل ذلك. الواقع البارد يوشك أن يوقعه في اليأس. لا يستطيع تنقية جسده من هذا القدر من السم بمعدل مستمر. على العكس، يتراجع ليو جين مع كل نفس يتنفسه.
لا تظهر علامة التعب على العلامة، لكن ليو جين سيتعب حتماً. سيهلك حين يحدث ذلك. لو أمكنه فقط إيقاف تدفقه! يلعن ليو جين السم. لو كان يجري في دمه لشق شرياناً ليفرغ دمه ويكتفي بالاعتماد على طاقته لإبقاء جسده حياً. بيد أن الأمر ليس كذلك. هذا السم يجري عبر طاقته و— يضرب الإلهام ليو جين كالبرق. تصل يداه فوراً إلى الهدية التي منحها إياه معلمه، الإبر. تتبلور فكرة في عقله. إنها خطة بنسبة نجاح قد تبلغ سبعة بالمئة.
كلا، هذا تقدير متفائل للغاية. ومع ذلك، فهي الشيء الوحيد الذي يملكه ليو جين الآن. أي شيء آخر يعني تقبل موت مؤلم. لم يفل ليو جين في فعل شيء كهذا من قبل، لكنه يفهم النظرية جيداً. آن أوان وضع دروس العجوز جيان موضع التنفيذ. بيد ثابتة، يطعن ليو جين نفسه بإحدى الإبر. ثم بأخرى فأخرى. في كل مرة، يغلف ليو جين الإبرة بطاقته قبل تلامس جلدها. إنه، بكل المقاييس، أمر غير لازم. الإبر مصنوعة من عظام تننين في مرتبة الأرض.
أي فوائد قد تضيفها طاقة ليو جين تبدو ضئيلة بالمقارنة إن وجدت أصلاً. بيد أنه في ظل الظروف الراهنة، وإن ساعدت احتمالاته ولو بجزء من ألف من بالمئة، فسيَفعل ليو جين ذلك. يستخدم ليو جين إبرة واحدة. ثم تسعاً. ثم ثماني عشرة. في النهاية، توجد سبع وعشرون إبرة في جسد ليو جين. ببطء، تبدأ ابتسامة في التشكل على وجه ليو جين. يستطيع استشعار التغيير بالفعل. في جسده وفي طاقته. فبعد كل شيء، إن كان السم ينتشر عبر طاقته، فكل ما يحتاجه ليو جين هو تغيير طريقة تدفق الطاقة في جسده.
قبل أن يصبح ليو جين متدرباً لدى العجوز جيان، وبعد أسابيع فقط من ترحيبهما بالعجوز جيان في منزلهما، غيّر معلمه تدفق طاقته عبر فتح وإغلاق بعض مساراته. ما زال ليو جين يفتقر إلى المهارة للقيام بأمر عظيم كهذا. فتح مسارات شخص وإغلاقها يفوق قدراته ببساطة. مع ذلك، إن كان جسده هو، فالأمر مختلف. يعرف ليو جين جسده. يعرف طريقة تدفق الطاقة فيه. فتح مساراته أمر ما زال بعيد المنال، لكن سدها ليس أصعب بكثير، لا سيما باستخدام إبر عظام التنانين.
عبر سد بعض مساراته، يستطيع ليو جين تغيير طريقة تدفق الطاقة في جسده. وعبر تغيير طريقة تدفق الطاقة في جسده، تتغير أيضاً طريقة تدفق السم فيه. هكذا يستطيع ليو جين تحويل معظم السم إلى منطقة واحدة من جسده وتطهيره قبل أن تسنح له الفرصة للانتشار.
"فعلتها"، يقول ليو جين.
هيئته الساقطة أبعد ما تكون عن الرثاثة. ملابسه متمزقة. عضلاته تصرخ ألماً. حتى التنفّس مؤلم، ورائحة النحاس تملأ فمه. تعلّو وجهه ابتسامة ظفر. السم ما زال هناك. لم تتوقف العلامة عن إفرازه، لكن الخطر بات أكثر قابلية للتحكم الآن. يحتاج ليو جين فقط لمواصلة هذا حتى تفقد العلامة قوتها.
"مذهل"، يقول ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة.
"ألا يموت طفل محض يتلقى علامتي في غضون الساعة الأولى، فضلاً عن الثانية الأولى، يبدو أن الحظ لم يكن وحده ما سمح لك بالوقوف أمامي. أحسنت. انجُ للسنوات الثلاث المقبلة وقف أمامي مجدداً أيها الطفل".
الكلمات تكفي لمحو الابتسامة عن وجه ليو جين. هكذا حقاً. لقد ذكر ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة ذلك في البداية. ثلاث سنوات. حتى الآن، كان كل تنفس له مؤلماً. قد يكون ليو جين قد قيّد السم، لكن زلة واحدة قد تبطش به. في حال ليو جين الحالية، سيكون حتى النوم مجازفة كبرى. قبل أن يقرر ليو جين أيبكي أم يضحك، يجد نفسه ومعلمه خارج الكهف مجدداً في ومضة. لقد طردهما ملك الأباعد ذو الرؤوس التسعة من حضرته، ألا يعودا حتى تنقضي السنوات الثلاث.
ثلاث سنوات. عليه أن يعيش ثلاث سنوات هكذا.